فى كتاب مارى ترامب «كثير جدا وغير كاف أبدا.. كيف صنعت عائلتى أخطر رجل فى العالم»

9-7-2020 | 14:55

ماري ترامب وكتابها

 

منال لطفى

  • الحرمان العاطفى أصاب ترامب بندوب مؤلمة شكلت شخصيته
  • الرئيس يعانى السمات التسع للنرجسية ومنها طلب الثناء الدائم والمبالغة فى المواهب
  • دونالد عاش عمره كله محميا فى فقاعة بإمبراطورية المال والنفوذ التى تركها والده
  • كان شقيقه الأكبر «البطة السوداء» فى العائلة ومات مكتئبا ووحيدا
  • عزل دونالد والده وسخر منه بعد أن بدأ يعانى الزهايمر
  • استعان ترامب بخدمات طالب ذكى لدخول امتحان القبول بالجامعة بدلا منه 

نادرة هى الكتب التى تتحدث عن خبايا طفولة وشباب رئيس أقوى دولة فى العالم، وتكون مكتوبة بيد ابنة شقيقه الأكبر! وبالتالى فإن الاهتمام الهائل بكتاب «كثير جدا وغير كاف أبداً.. كيف صنعت عائلتى أخطر رجل فى العالم»، لمارى ترامب ابنة شقيق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ، له ما يبرره. وبسبب هذا الاهتمام الكبير قررت دار نشر « سيمون وشوستر » الأمريكية نشر الكتاب يوم الثلاثاء المقبل، 14 يوليو الحالي، بدلاً من نهاية الشهر الحالى حسبما كان مقرراً، بسبب الإقبال الهائل على شراء الكتاب من موقع « أمازون » والمكتبات الأمريكية حتى قبل طرحه فى الأسواق.

إنه توقيت سيئ للرئيس الأمريكي، فأصداء كتاب «الغرفة التى شهدت الأحداث...مذكرات البيت الأبيض» لمستشاره السابق للأمن القومى جون بولتون لم تهدأ بعد، لكن كتاب مارى ترامب ، ابنة فريدى ترامب ، الشقيق الأكبر للرئيس الأمريكى والمتخصصة فى علم النفس، لا يتطرق إلى قضايا الاستراتيجية الدولية أو عملية صنع القرار فى البيت الأبيض. فمارى تكتب عن عمها دونالد ترامب ، الإنسان المركب الذى تركت طفولته المضطربة ندوباً شكلت شخصيته التى يعرفها العالم اليوم.

كما تكتب مارى أيضاً عن العلاقات الشخصية والتفاعلات فى عائلة ترامب ، وعن والدها، فريدي، الأخ الأكبر ل دونالد الذى مات مكتئباً ووحيداً فى مطلع الأربعينيات من العمر بعد علاقة عاصفة مع والده تحطمت فيها أحلامه مراراً وتكراراً على صخرة الإحباط، وانتهت به إلى مغادرة شركات العائلة باحثاً عن حبه الأول، الطيران .

ويحفل الكتاب بحكايات أسرية مرعبة، الكثير منها غير منشور. فماري، 55 عاماً، هى أول فرد فى عائلة ترامب ينشر كتابا عن أسرار العائلة، وقد حاولت العائلة، بقيادة الأخ الأصغر، روبرت ترامب ، وقف نشر الكتاب، على أرضية اتفاق سرى وقع منذ ما يقرب من 20 عاماً خلال نزاع حول وصية الأب فريدى ترامب ، يتضمن عدم نشر أسرار العائلة .  لكن قاضية فى نيويورك رفضت الدعوي، وأعطت الضوء الأخضر لدار نشر « سيمون وشوستر » لنشر الكتاب. ومع تقديم موعد النشر، استبق البيت الأبيض العواصف المحتملة بإعلان كايلى ماكنانى،الناطقة باسم البيت الأبيض، أن الرئيس ليست لديه أى رد سوى أنه «كتاب مليء بالأكاذيب والادعاءات السخيفة وليس له أى علاقة بالحقيقة».

ومنذ أشهر والعائلة تتخوف من الكتاب وتأثيره. وفى القضية التى رفعها الأخ الأصغر روبرت وخسرها لمنع نشره، كانت مخاوف العائلة تتركز حول أن القصص التى تعرفها مارى «مسيئة جداً»، ولا يوجد مبلغ من المال يمكن أن يخفف الضرر الذى سيحدث إذا سُمح لدار النشر بإصدار الكتاب.

ماذا تقول مارى فى كتابها؟

ترسم مارى ملحمة متعددة الأجيال من الجشع والخيانة والتوتر الداخلي. وتحاول شرح كيف أن مكانة دونالد ترامب على رأس واحدة من أغنى وأهم شركات العقارات فى نيويورك ساعدته فى تطوير ما وصفته بـ «السلوكيات الملتوية»، ورؤية الآخرين بـ «عين المنفعة المادية».

وتصف كيف أن تاريخًا طويلًا من الذكريات المظلمة، والاختلال الوظيفي، والوحشية جعل عمها، الرئيس الأمريكي، يتحول إلى زعيم متهور يهدد الآن الصحة العالمية والأمن الاقتصادى والنسيج الاجتماعي.

وترسم مارى صورة ل دونالد ترامب الطفل مغايرة تماماً عما هو متداول أو مُتصور. فالطفل الذى ولد لأب مليونير وعاش طفولة مرتاحة وفى ثراء كبير عانى الحرمان العاطفي، مما أثر على شخصيته بشكل كبير، وجعل قدرته على التماهى مع مشاعر الآخرين محدودة.

وتقول مارى إن دونالد ترامب عانى إساءة المعاملة على يد والده، كما عانى أيضا من قلة التواصل مع والدته فى مرحلة مبكرة جداً من حياته، وأن الأمر كان مؤلماً جدا بالنسبة له. ##

وتوضح فى الكتاب:« بعد أن تخلت عنه والدته لمدة عام على الأقل، وفشل والده ليس فقط فى تلبية احتياجاته ولكن فى جعله يشعر بالأمان أو الحب أو القيمة، عانى دونالد من الحرمان الذى ترك ندوباً ما زالت مستمرة معه». وتقول ماري: «السمات الشخصية التى نتجت عن تلك الطفولة تظهر فى النرجسية والتنمر على الآخرين والشعور بالعظمة، وقد لاحظها جدى فى النهاية»، ولكن الآثار والندوب كانت قد تعمقت ولا يمكن التخفيف منها. وتتحدث مارى عن تفاصيل المشاكل الصحية الخطيرة التى عانت منها والدة دونالد ترامب ، واسمها أيضاً ماري، نتيجة استئصال الرحم بشكل مفاجئ.

ومع غياب الأب ومرض الأم وعزلتها المتزايدة، تأثر جميع الأبناء بهذه الأجواء، حيث اضطروا للاعتماد على والدهم فريد ترامب ، المطور العقارى فى نيويورك الذى توفى عام 1999. والذى تصفه مارى بأنه «مريض نفسيا، سهل الانفعال، متقلب، عرضة للانفجارات العاطفية ونوبات الغضب».

أما دونالد ترامب فيصف والده فى كتابه «فن الصفقة» بأنه كان يخرج كل يوم إلى مواقع البناء التى تعمل بها شركاته بعد انتهاء الدوام اليومي، ويجمع المسامير الملقاة على الأرض ليستخدمها العاملون صباح اليوم التالي. كما كان يقوم بتخفيف الطلاء، وتصنيع المنظفات يدوياً لتوفير المال، وذلك عبر إرسال عينات من تلك المنظفات إلى مختبرات خاصة بشركاته لتحديد مكوناتها وإعادة تصنيعها بتكلفة أقل.

ويتذكر دونالد ترامب قول أبيه له:«لن أدفع دولارين فى الزجاجة، إذا كان يمكن أن أدفع 50 سنتا»، هذا فى الوقت الذى كانت ثروته تقدر بعشرات الملايين.

كان الأب فريد قاسياً بحسب كثير من الشهادات، مهووساً بالثراء والمصلحة الذاتية. فقد فر من ألمانيا، مسقط رأسه، لأنه لم يحبذ أداء الخدمة العسكرية. وسافر إلى أمريكا لبدء حياة جديدة. وتتذكر مارى أن جدها كان يكذب بشأن أصوله، فهو كان يقول إنه من أصول سويدية حتى لا يرفض اليهود الأمريكيون السكن لديه بسبب دور المانيا النازية فى الهولوكوست. كما طور فريد سمعة سيئة فى رفض التأجير للأمريكيين من أصول إفريقية ما جعله يدخل فى نزاعات مع جماعات الحقوق المدنية الأمريكية.

 وفى تحقيق لـ « نيويورك تايمز» فى عام 2015 تم الكشف عن أن فريد ترامب أعتقل فى عام 1927، عندما كان عمره 21 عاماً، لمشاركته فى مسيرة لجماعة «كو كلوكس كلان» العنصرية المتطرفة التى تقوم ايديولوجيتها على سمو الجنس الأبيض. وبصفته أباً متسلطاً، كان فريد يأمل فى أن يخلفه ابنه الأكبر، فريدي، فى تولى مسئولية أعمال العائلة لكنه شعر بخيبة أمل لأن فريدى كانت لديه أحلام أخري.

وبالتالى كان فريدي، والد ماري، دائماً فى مهب رياح غضب والده. وتكتب مارى أن شخصية دونالد ترامب تشكلت من خلال مشاهدة الصدمات والندوب التى لحقت بشقيقه الأكبر.

أما إخوة دونالد ترامب الآخرون وهم :روبرت ترامب ، وهو رجل أعمال، وماريان ترامب باري، وهى قاضية متقاعدة؛ وإليزابيث ترامب جراو، وهى مصرفية متقاعدة، فلم يسلموا من التفاعلات العاصفة فى العائلة.  

وتتحدث مارى عن الغش كطريقة حياة للرئيس. فمثلاً استخدم دونالد ترامب الغش فى اختبار دخول الكلية . فعندما كان طالبا فى المدرسة الثانوية فى كوينز ب نيويورك ، دفع دونالد ترامب أموالا لطالب آخر لإجراء اختبار ما قبل دخول الكلية (سات) نيابة عنه. وتضيف مارى ترامب أن الدرجة العالية التى حصل عليها الطالب الذى دخل امتحان (سات) بدلا من ترامب ، ساعدت فى قبول أوراق الشاب دونالد ترامب كطالب جامعى فى «كلية وارتون» للأعمال المرموقة فى جامعة بنسلفانيا. ولطالما تفاخر ترامب بانتمائه لـ «كلية وارتون»، مشيراً إليها بوصفها «أفضل مدرسة فى العالم» و «وفائقة العبقرية».

وكتبت مارى ترامب : «كان دونالد قلقًا من أن متوسط درجاته، الذى وضعه بعيداً عن أوائل الصف، سيعوق جهوده للقبول فى الكلية. ولضمان حظوظه، قام بتجنيد جو شابيرو، وهو شاب ذكى معروف بأدائه الجيد فى الامتحانات، لدخول اختبارت (سات) نيابة عنه. كان ذلك سهل فى تلك الأيام، قبل البطاقات الخاصة بالصور، والسجلات الإلكترونية». كما طلب دونالد ترامب من شقيقه الأكبر، فريدي، أن يحضر شهادة طيبة تساعده على الالتحاق بجامعة بنسلفانيا وهو ما كان.  

البطة السوداء فى العائلة

وتقول مارى إنه كان من المتعارف عليه فى العائلة أن والدها، فريدى هو«البطة السوداء». كان فريدى رجلًا وسيماً وثرياً. لكن علاقته مع والده كانت سيئة جداً وبعد تجربة عمل بائسة مع والده، ترك مجال العقارات لمتابعة شغفه ب الطيران ليصبح طياراً فى شركة «ترانس ورلد ايرلينز».

وتكتب مارى فى الكتاب أن علاقة والدها مع والده اتسمت بسلوك وحشى وإهانات علنية من جانب الوالد تجاه ابنه الأكبر و أمام الموظفين فى مؤسسة ترامب . ومن ضمن الحكايات أن الأب فريد ترامب ظل يوبخ فريدى أمام  مجموعة من الموظفين، ثم صرخ فيه وقال « دونالد يساوى عشرة منك».

وكثيرا ما أشار دونالد ترامب فى مقابلات معه إلى أن مغادرة شقيقه الأكبر لأعمال العائلة فتحت له الطريق للصعود والنجاح.  ففى مقابلة مع صحيفة « نيويورك تايمز» خلال حملته الرئاسية فى عام 2015 حول العمل فى شركات والده، يقول ترامب :«بالنسبة لى الأمور سارت بشكل ممتاز جداً... بالنسبة لفريدى لم يكن الأمر لينجح».

توفى فريدى ترامب فى عام 1981 وحيداً فى المستشفى اثر نوبة قلبية وعمره 42 عاماً. وتروى مارى فى كتابها كيف أن العائلة أرسلته بمفرده إلى المستشفى فى ليلة وفاته عندما بدأ يشعر بآلام فى الصدر. فلم يذهب معه أحد من أشقائه ومن بينهم دونالد ترامب الذى ذهب لمشاهدة فيلم فى السينما!

وفى مقابلة أجراها دونالد ترامب مع صحيفة «واشنطن بوست» العام الماضى، قال إنه «يشعر بالندم للضغط على شقيقه الأكبر للانضمام إلى أعمال العائلة فى مجال العقارات، بينما كان يسعى لتحقيق أحلامه فى أن يصبح طيارا».

وفى الكتاب، تحاول مارى ترامب أن تؤكد مراراً وتكراراً أن شهادتها لا تحركها الضغينة ضد عمها لتحمله جزءا من المسئولية عن النهاية المأساوية لوالدها. وتستشهد مارى بآراء أفراد آخرين من عائلة ترامب يعتقدون أن دونالد ترامب لا يصلح لمنصب الرئيس ومن بينهم شقيقته ماريان ترامب بارى، القاضية الاتحادية وتقاعدت 2019. فلدى ماريان تحفظات عميقة حول لياقة دونالد ترامب للمنصب، كما تكتب مارى ترامب فى الكتاب.

وهى تنقل عن عمتها قولها خلال إحدى وجبات الغداء المشتركة بينهما فى عام 2015، بعد إعلان ترامب عن ترشحه للرئاسة: «إنه مهرج. هذا لن يحدث أبدًا». ووفقا لما جاء فى الكتاب،لم تستطع ماريان أبداً فهم أسباب دعم «المسيحيين الإنجيليين» لشقيقها دونالد ترامب .

وتنقل مارى ترامب عن عمتها قولها: «المرة الوحيدة التى ذهب فيها دونالد إلى الكنيسة هوعندما كانت الكاميرات هناك! إنه شيء محير للغاية. لكن هذا يتعلق بالقاعدة الشعبية التى تدعمه. أما هو فليست لديه مبادئ. لا شيء على الإطلاق».

ويبدو أن أخت دونالد ترامب كانت مصدرا رئيسيا من مصادر المعلومات فى الكتاب. وقد شكرتها مارى فى المقدمة «على جميع المعلومات التى أضاءت لها الطريق».

وتحكى مارى تفاصيل مكالمة هاتفية بين الرئيس وأخته ماريان. حيث قالت ماريان ل دونالد ترامب إن أداءه فى المنصب «ليس جيداً»، وهو الرأى الذى لم يتعامل معه ترامب بشكل جيد وبدأ فى تجاهل نصائح أخته.

وفى الكتاب لا تذكر مارى ترامب ما إذا كانت عمتها، ماريان، التى تصفها بـ«أكبر سناً وأكثر ذكاء واكتمالاً» من دونالد ترامب ،  سربت لصحيفة « نيويورك تايمز» تقارير سرية حول المسائل الضريبية المتعلقة بعائلة ترامب ، وهو التقرير الاستقصائى الذى فازت عنه « نيويورك تايمز» بجائزة بوليتزر الأمريكية للصحافة.

وتكتب مارى أن عمتها «تعرف مكان دفن الجثث لأنها وأخواتها دفنوها معاً»، فى تعبير مجازى عن الأسرار الداكنة للعائلة وهى أسرار لا تتعلق بالضرائب والمعاملات المالية للعائلة فقط، بل والعلاقات داخل العائلة وخارجها.

كما تكشف مارى ترامب عن أنها نفسها ساعدت « نيويورك تايمز» فى تحقيقاتها. وتوضح كيف أنها لم تتحمس فى البداية، ثم وافقت عندما أخبرها أحد صحفيى « نيويورك تايمز» بأن لديها فرصة للمساعدة فى «إعادة كتابة تاريخ رئيس الولايات المتحدة»، وهو عرض قررت الموافقة عليه بعد أن شعرت على حد قولها بأن «ديمقراطيتنا تتفكك وحياة الناس تتقوض بسبب سياسات عمي».

وتصف مارى ترامب ، فى أحد المقاطع المبهرة كيف حصلت على 19 صندوقا مليئا بالوثائق المالية وسلمتها لـ« نيويورك تايمز» لمواصلة تحقيقاتها فى ممارسات شركات ترامب الضريبية. وتكتب: «كان الصحفيون الثلاثة ينتظرون. وعندما قدمت لهم  الصناديق، انهالوا على بالعناق. كان هذا أسعد شعور ينتابنى منذ شهور».

سمات النرجسية التسع

وتقول مارى ترامب ، وهى طبيبة نفسية ذات خبرة، أن عمها لديه السمات التسعة لمرض حب الذات أو النرجسية.  

وعلى رأس هذه العلامات الشعور بالعظمة وأهمية الذات، والعيش فى عالم خيالى يدعم الوهم بالعظمة، والحاجة إلى الثناء والإعجاب المستمر، والشعور بالاستحقاق، واستغلال الآخرين دون ذنب أو خجل، والحط من قدر الآخرين وإخافتهم والتسلط عليهم أو الاستهانة بهم، وتوقع التفوق دون أى إنجازات تبرر ذلك، والمبالغة فى المواهب، والهوس بالنجاح أو القوة أو الذكاء.

ومع ذلك تلاحظ مارى أن حتى هذا التصنيف لا يستوعب كل المشاكل النفسية للرئيس. وتكتب: «الحقيقة هى أن أمراض دونالد معقدة للغاية وسلوكياته غير قابلة للتفسير فى كثير من الأحيان، لدرجة أن التوصل إلى تشخيص دقيق وشامل يتطلب مجموعة كاملة من الاختبارات النفسية والفيزيائية العصبية التى لن يوافق على إجرائها».

وتقول فى نقطة أخرى إن دونالد ترامب عاش عمره كله محمياً  فى فقاعة فى امبراطورية المال والنفوذ التى تركها والده، وبالتالى من الصعب تصور كيف يمكن أن يعيش فى العالم الحقيقي.

ومثل كثيرين ممن عملوا مع الرئيس، فإن مارى ترامب تنتقد فكرة أن ترامب لديه فكر منظم وخطط أو يعمل وفقاً لأجندة محددة أو مبادئ تنظيمية. وتكتب: «ليس لديه كل هذا... الأنا والشعور بالعظمة لدى دونالد كان ولا يزال حاجزا هشا بينه وبين العالم الحقيقي. فبفضل أموال ونفوذ والده، لم يضطر أبداً للتعامل مع العالم الحقيقي».

 ذكريات غير سعيدة وقصص مرعبة

ومن سرداب الماضي، تطفو على سطح ذكريات مارى ترامب قصص غير سعيدة وبعضها حتى مرعب، من بينها أنه فى عام 1977، عندما كان عمرها 12 عاماً فقط، أحضر لها عمها دونالد وزوجته آنذاك إيفانا، خلال احتفالات الكريسماس هدية بـ12 دولارا، فيما حصل شقيقها على مجلة. وفى مناسبة أخري، أعطاها عمها سلة طعام ملفوفة بالسلوفان، فتحتها لتجد زيتونا مخللا وأشياء أخري، لكن كانت هناك علبة غير موجودة مكانها فارغ فى السلة، قال لها شقيقها انها كانت ربما «كافيار» أخذه عمهم.

ولا تتذكر مارى الاحتفالات المشتركة للعائلة بسعادة، فدائماً ما حفلت الأجواء بالتوتر والخلافات.

وإذا كانت هذه هى القصص غير السعيدة، فإن القصص المرعبة تتضمن لقاء تم عام 1998 بين مارى مع ميلانيا ترامب ، وكانت ميلانيا فى بداية علاقتها ب دونالد . وحدث اللقاء خلال احتفالات «يوم الأب» فى برج ترامب فى نيويورك . وتتذكر مارى أن ميلانيا كانت صامتة أغلب الوقت. ووسط دهشتها، قال لها عمها روبرت ترامب إن ميلانيا عارضة أزياء من سلوفينيا وهى صامتة «ليس لأن لغتها الإنجليزية سيئة ولكن لأنها تعرف لماذا هى هنا»، وذلك فى إشارة إلى اختيار ترامب لرفقة الجميلات للتباهى ولفت الانتباه إليه.

وخلال الحفل عرف دونالد ترامب مارى على ميلانيا، ثم سأل ابنة شقيقه:«لقد تركت الجامعة، أليس كذلك؟». وقبل أن ترد مارى قال ترامب أمام ميلانيا:»كان الأمر سيئاً حقاً لفترة، لقد بدأت (ماري) بعد ذلك فى تعاطى المخدرات.»

وتقول مارى إنها نفت الأمر تماماً آنذاك. لكنها تدرك الآن أن عمها دونالد ترامب «يحب قصص الصعود من الهاوية. وأنه يدرك أنه كلما زاد عمق الحفرة التى وقع فيها الإنسان، كانت قصة عودته المظفرة أفضل».

وفى عام 2009، حضرت مارى ترامب حفل زفاف ابنة عمها إيفانكا ترامب على جاريد كوشنر. وتتذكر مارى أنه خلال الحفل القى والد العريس، تشارلز كوشنر، كلمة قال فيها إن إيفانكا جعلت نفسها «جديرة بالاندماج لعائلته من خلال الالتزام باعتناق اليهودية».

وشعرت مارى ترامب بالدهشة والصدمة، موضحة فى الكتاب «بالنظر إلى أن تشارلز أدين باستئجار فتاة لإغواء زوج أخته، وتسجيل لقائهما، ثم إرسال التسجيل إلى أخته فى حفل خطوبة إبنها، بالنظر إلى كل هذا وجدت تعالى تشارلز، حول استحقاق إيفانكا الإنضمام لعائلتهم، مذهلا».

  الإخوة كارامازوف

فى كتاب مارى ترامب ، لا تظهر خطوط لحب حقيقى بين أفراد العائلة. لكن الشيء المثير للتأمل أن هذه المشاعر شملت الأب أيضا. ففى الواقع هناك أدلة قليلة على أن دونالد أحب والده.

فمنذ أن صنع دونالد اسمه فى عالم العقارات فى مانهاتن، حرص كما تقول مارى على تقديم نفسه «كرجل عصامي»، مدعياً أن المشروعات العقارية التى جلبت له الثروة والشهرة هى نتاج عمله الشاق وتصميمه ورؤيته، لا أكثر.

وفى كتابه «فن الصفقة»، يصف ترامب الدروس التى تعلمها من والده ومنها: «لم يبذر فى المال أبداً. تعلمت من والدى أن كل بنس له أهميته، لأن كل بنس يتحول إلى دولار».

وفى مقابلة مع محطة «ان بى سي» الأمريكية فى 2015 عندما أعلن ترامب عزمه خوض انتخابات الرئاسة يقول: «لقد بدأت فى بروكلين، أعطانى والدى قرضاً صغيراً بقيمة مليون دولار لبدء أعمالى وكان على تسديد القرض لاحقاً». وهو ادعاء يثير سخرية ماري.

ففى تقرير لصحيفة « نيويورك تايمز» الشهير، كشفت الصحيفة عن أن دونالد ترامب شارك فى حيل كثيرة لإخفاء ما يصل إلى 413 مليون دولار، قدمها الوالد، فريد ترامب ل دونالد واخوته بعيداً عن أعين الضرائب، ما سلط الضوء مجدداً على ثروة دونالد ترامب ومن أين أتت.

يرسم الكتاب صورة معقدة لأسرة ترامب ، وعلاقة دونالد ترامب بأبيه فريد. فالرئيس يعترف بأنه أحب والدته أكثر، ويعترف بأنه لطالما وقف أمام والده وتصدى له، وأن والده «احترم ذلك».

لكن هناك جانبا آخر من العلاقة وهو «المنافسة». ف دونالد ترامب فور أن بدأ أعماله الخاصة، ترك منطقة كوينز فى نيويورك ، منطقة الطبقة الوسطي، وتوجه إلى مانهاتن، مربع الأثرياء والنافذين وكان حلمه أن يقوم ببناء شقق فاخرة وأطول برج فى العالم وعليه اسمه. وهو ما كان، مما عزز شعر دونالد ترامب بالفخر الهائل بنفسه.

وفى كتابها، تتهم مارى عمها ترامب بأنه «عزل والده، فريد، وسخر منه» بعد أن بدأ يعانى مرض الزهايمر . وعندما توفى فريد فى عام 1999، اتصلت صحيفة « نيويورك تايمز» ب دونالد للتعليق. وكان رد فعله غير عادي، فقد قال: «لقد كان والدى جيدا بالنسبة لي. تعرف، كونك ابن شخص كان يمكن أن يكون منافساً لك....بهذه العقلية، حصلت على مانهاتن كلها لنفسي». ##

وفى جنازة والده، لم يتوقف ترامب عن التباهى بما أنجزه «لم يكن هناك حزن؛ كان هناك نجاح فقط ...كان عرضاً مذهلاً فى الانغماس فى الذات».

فى قصة «الاخوة كارامازوف» للأديب الروسى الشهير دوستويفسكي، والتى تحكى قصة أب مُهمل، وثلاثة أبناء متنافسين حول الميراث، يعطى دوستويفسكى رؤية فلسفية حول الصراع الأخوى والانتحار والخيانة وكل تعقيدات العلاقات الأسرية. وفى فقرة بالرواية يقول:»قبل كل شيء، لا تكذب على نفسك. الرجل الذى يكذب على نفسه ويستمع إلى كذبه يصل إلى نقطة أنه لا يستطيع تمييز الحقيقة داخله، أو حوله. وبالتالى يفقد كل احترام لنفسه وللآخرين. وبدون احترام يتوقف الحب»، وهذا ما تنقله مارى ترامب فى كتابها.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]