الحياة الرقمية العربية.. تشريح واقع متغير

9-7-2020 | 14:37

 

تكشف متابعة الحياة الرقمية عن تعدد مستويات الخطابات التي ينتجها الفاعلون علي المواقع الوسائطية المختلفة، وذلك بحسب متغيرات مستوي التعليم ومجالاته الوظيفية الجامعي وما بعده، وما دونه، وحدود التكوين الثقافي العام، والانتماء الاجتماعي/ الطبقي، والمناطقي في المدن المريفة، أو القري. يلاحظ أن اهتمامات بعض هذه الفئات من المتعلمين، يعبرون في خطاباتهم في صياغتها وبنيتها الركيكة عن التدهور المستمر في التعليم العام والجامعي, في كافة التخصصات في العلوم الاجتماعية والطبيعية، وهو ما يبدو في سيطرة اللغة العامية السوقية، وركاكة التعبير عن آرائهم، وغلبة الانطباعات المرسلة، وعدم القدرة علي استخدام المعلومة الصحيحة، والميل إلي خلق وترويج الأكاذيب السماعية، أو اختلاقها، وفقدان القدرة علي الجدل والسجال او البرهنة، والميل إلي العنف اللفظي وتوظيف اللغة البذيئة، كأداة للسخرية، أو الحط من شأن المخالفين في الرأي، دون نقد أفكارهم إن وجدت، أو آرائهم المرسلة. غالب هذا النمط من الخطابات العنيفة يعبر عن تراكمات ممتدة من تراكم الإحباط، وعدم الإنجاز، ويميل إلي إسناد جميع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلي الدولة وأجهزتها، و الطبقة السياسية الحاكمة ، وهو في بعض وجوهه صحيح دون نظر إلي تعقد أسباب وعوامل تشكل هذه الظواهر والمشكلات، ومواطن الخلل في أساليب معالجتها أو إهمالها، أو سوء السياسات التي انطلقت منها الحلول الفاشلة. غالب هذه الخطابات المرسلة تميل إلي التفاهة، والتبسيطات المخلة، والأخطر من خارج أهل التخصص، والأمر هنا لا يقتصر علي الأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر، وإنما في الأسواق الرقمية العربية في كل المشكلات التي تواجه مجتمعات انقسامية، ووطنيات هشة لم تستكمل الشروط التاريخية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والسياسية لتكون الأمة، في مجتمعات ودول هشة تأسست علي هياكل تأسيسية تمت أثناء المراحل الكولونيالية. هويات متصارعة دينية ومذهبية وعرقية ومناطقية وقومية ولغوية متمركزة حول ذواتها وتاريخها الخاص، وميثولوجياته, أساطيره, ورموزه، وتحمل رفض الآخر، أو تشويه مكوناته وتاريخه. الحياة الرقمية وخطاباتها تعكس موت السياسة و انغلاق المجال العام الفعلي، ومن ثم تحول المجال العام الرقمي العربي لفضاءات غامرة بالكذب والافتراءات وتجليات لأزمات النظم التعليمية، وفشلها بعد الاستقلال، والطابع المحلي لاهتمامات هؤلاء المتعلمين من حاملي الشهادات العليا وما بعدها، حيث تبدو تجليات النزعات العدوانية إزاء الآخرين ممن لا يشاركونهم هذه الانطباعات المرسلة،والتقييمات الذاتية، وأحكام القيمة الأخلاقية المتمركزة حول الأهواء الشخصية، والميل إلي كيل المديح للذات ولمناصريها ونزعة احتكار الوطنية وأوصافها، ونزعها عن المخالفين لهم، والاتهامات المرسلة، في أهاب لغوي فظ وعنيف، وميل بعضهم للغة العارية التي تتسم بالبذاءة والسب والقذف في علانية دونما سند أو مسوغ أو معلومات موثقة تحمل هذه اللغة النابية.


الأخطر توزيع الشائعات والأخبار الكاذبة في ظل تدهور مستويات الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب من الناحية المهنية، وتراجع تأثيره منذ ما قبل جائحة كورونا وما بعدها، وعدم اهتمام الطبقات السياسية الحاكمة في المنطقة بالصحافة الرقمية لصالح إعلامها الفضائي الذي يشكل إحدي أدواتها في السياسة الخارجية، وفي السيطرة السياسية الداخلية في دول اليسر ، و دول العسر العربي .

الحياة الرقمية أصبحت أسيرة في غالبها, والاستثناءات الرصينة حاضرة في حدود دوائرها- للغة اليومية، وللانفصال عما يحدث حولها في الدنيا إلا استثناءً، وغالبا بعضها وراء الأخبار الكاذبة، أو المثيرة سياسيًا أو دينيًا أو جنسيًا. الأخطر أن بعض الاتجاهات اليومية السائدة باتت تركز علي الكراهية أو الهجاء والتحقير من شأن ذوي الأراء والاتجاهات الدينية أو السياسية والمدنية، أو تصفية حسابات حول الاختلاف عن بعض المراحل التاريخية، دونما معرفة تاريخية عميقة وموضوعية. بعضهم يلجأ إلي استخدام اللغة الدينية الوضعية في نزع التدين عن مخالفيهم أو وصفهم بالكفر، والخروج عن الملة، أو الأخلاق، و تهديد سلامة المجتمع ، و كلها تعبيرات عن فوائض العنف الاجتماعي والديني والمذهبي، كنتاج لميراث التسلطية السياسية والدينية التابعة لها، وتمدد ثقافة العوام الدينية الوضعية، أو التدين الشعبي للعوام الذي امتزج طيلة عديد العقود بما روجت له الجماعات الإسلامية السياسية والسلفية، بعيدًا عن بعض النظم والطبقات السياسية في العالم العربي . أو تواطؤات بعضها وتوظيفها لها في الصراعات الإقليمية مع النظم السياسية الأخري . علي الرغم من قلة من الجادين عربيًا ودورهم الرصين علي مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن نظرة علي الصراعات العنيفة و الحادة علي نشر الآراء المرسلة، والتفاهات المتبادلة, يكشف عما يجري في حنايا المجتمعات العربية من صراعات واحتقانات وعنف، وتشير إلي أن بعض الأجيال الشابة لم تعد صامتة إزاء سطوة بعض الأفكار الدينية الوضعية المتشددة لبعض رجال الدين والجماعات الإسلامية الراديكالية التي تم ترويجها منذ أكثر من ستة عقود، وباتت موضعًا للمساءلة، والرفض، والتشهير بها، وإبراز بعض طوابعها غير الإنسانية، ووصل الأمر إلي السخرية ببعض آراء رموز السلفية وغيرهم من رجال الدين، بما فيهم غالب المؤسسات الدينية العربية التي يبدو أنها في حيرة من أمرها، ويبدو بعضها تائها في واقع رقمي واجتماعي متغير، وأجيال جديدة لم يعد لديها القابلية لاستهلاك هذه الآراء والتفسيرات الدينية المتشددة او قبول الآراء البسيطة التي يروجها بعض الغلاة ودخلت جزءا من تدين العوام وأفكارهم حول الأديان، بالنظر الي جمود غالب المؤسسات الدينية وقياداتها وقواعدها وخطاباتها الدينية الوضعية التقليدية.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

الأكثر قراءة

[x]