كواليس ساعات حاسمة هدد فيها بولتون وبومبيو بالاستقالة.. كيف قوض مساعدو ترامب خططه لمحادثات مع إيران؟

6-7-2020 | 17:14

بولتون وبومبيو وترامب

 

منال لطفى

بالنسبة لرجل يحب إبرام الصفقات ، كان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب دائما فى حالة ترقب لرنين الهاتف فى مكتبه بالبيت الأبيض، منتظرا مكالمة من زعيم دولى على استعداد جاهز لعقد صفقة.


لكن الهاتف لم يكن يرن بالكثرة التى يريدها ترامب ولا بالزعماء الذين يأمل فى عقد صفقات معهم. ومرارا شكا ترامب لمساعديه من أن القادة فى جميع أنحاء العالم يريدون التحدث معه، ولكن بطريقة ما لا يستطيعون الوصول إليه‪.‬

لكن فى صيف 2019، أتت الفرصة ل ترامب للجلوس والحوار مع إيران، عدو أمريكا اللدود فى الشرق الأوسط، عبر وساطة فرنسية. وهى الفرصة التى كان ترامب يأمل فيها للوصول لصفقة نووية «أكبر وأجمل» من اتفاقية باراك أوباما.

فمنذ أن انسحبت إدارة ترامب من جانب واحد من الاتفاق النووى الإيراني‪ ‬فى مايو 2018، وأعادت فرض حزمة قاسية من العقوبات على طهران ، كانت عين ترامب على اللحظة التى تئن فيها إيران تحت ثقل العقوبات ، وتجد أنه لا خيار سوى العودة إلى طاولة المفاوضات .

وأقنع ترامب نظيره الفرنسى، إيمانويل ماكرون، أن العالم كله سيستفيد من صفقة أشمل مع إيران، قائلا ان اتفاقا يتعلق بسلوك إيران الإقليمى سيؤدى إلى تحسن الأوضاع فى العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهذا كله يصب فى صالح الأمن العالمى.

أما الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا، فكانت عازمة على الاستفادة من أى فرصة متاحة لإيران وأمريكا للجلوس على طاولة المفاوضات لبحث صفقة شاملة جديدة.

وتم تمهيد الأرضية، عندما أجرى وزير الخارجية الإيرانى محمد جواد ظريف سلسلة مقابلات فى نيويورك، قال فيها إن إدارة ترامب تريد فتح حوار. ولاحقا جدد ترامب الفكرة فى مكالمة هاتفية مع ماكرون.

لكن جهود ترامب وماكرون تحطمت على صخرة عراقيل وتهديدات فريق الأمن القومى فى البيت الأبيض والخارجية الأمريكية.


قتل طموح ترامب

وفى كتابه «الغرفة التى شهدت الأحداث...مذكرات البيت الأبيض»، يروى المستشار السابق للأمن القومى الأمريكى جون بولتون بكثير من الفخر الجهود المحمومة التى بذلها هو ووزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، بدعم من رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو ، من أجل قتل طموح ترامب لاستئناف المحادثات مع طهران . فالرئيس الأمريكى، وحتى مستشاره السياسى جاريد كوشنر اعتقدا أنه من الممكن التوصل لاتفاق كبير شامل مع إيران.

لكن ترامب ، البرجماتى الذى لا يحمل عداء أيديولوجيا متأصلا على غرار بولتون مثلا، واجه تحديات وصعوبات كلها جاءت من قلب إدارته.

وبدأت الأحداث كما يرويها بولتون فى يونيو 2019 ، عندما فاجأ ترامب الصقور فى إدارته وقام فى اللحظة الأخيرة بإلغاء ضربة عسكرية ضد أهداف إيرانية ردا على هجوم إيرانى على طائرة أمريكية بدون طيار. ويصف بولتون هذا الحدث بأنه أحد أكثر القرارات سوءا التى شهدها فى حياته المهنية فى مجال الأمن القومي‪.‬

فى وقت لاحق من ذلك الصيف، مع استمرار التوترات مع إيران، بدأ ماكرون فى بذل جهود كوسيط بين البلدين. وكانت خطة ماكرون أن يلتقى ترامب بمسئول إيرانى كبير فى أواخر أغسطس فى بلدة بياريتز الساحلية الفرنسية، حيث كانت فرنسا تستضيف اجتماعًا لمجموعة الدول السبع الصناعية بحضور ترامب .

ويوضح بولتون كيف عمل هو وبومبيو، أبرز صقور الإدارة الأمريكية فى ملف إيران، خلال صيف 2019 على إفشال جهود ماكرون الدبلوماسية وإقناع ترامب برفض أى لقاء مع مسئولين إيرانيين.

لكن ماكرون، فاجأهم جميعا بدعوة جواد ظريف لحضور اجتماع مجموعة السبع، وفتح الباب أمام اجتماع محتمل بين وزير الخارجية الإيرانى و ترامب ‪.‬

بالنسبة لبولتون وبومبيو ونيتانياهو، كان هذا غير مقبول، خاصة لأن ماكرون كان يروج أيضا لفكرة أخرى وهى إنشاء «خط ائتمان» دولى لإيران من شأنه أن يخفف بعض الضغط الاقتصادى الخطير على البلاد بسبب العقوبات ‪.‬

ويكتب بولتون أنه عندما وصل ترامب إلى مدينة بياريتز الفرنسية فى أغسطس ، كان لديه اجتماع مع ماكرون، حيث كانت إيران الموضوع الوحيد على جدول الأعمال. وفقا لبولتون، وصف ترامب فى وقت لاحق تلك المحادثة بأنها «أفضل ساعة ونصف أمضاها على الإطلاق».


صراع الصقور والحمائم

وفى اليوم التالى، بدأت تظهر شائعات حول وصول جواد ظريف الوشيك إلى جنوب فرنسا. وتلقى بولتون مكالمة قلقة من بومبيو، الذى تحدث فى وقت سابق مع نيتانياهو حول ضربات جوية ضد أهداف إيرانية فى سوريا نُفذت ونُسبت إلى إسرائيل.

وبعد المكالمة مع بومبيو، سمع بولتون من طاقم ترامب الشخصى أن ماكرون دعا الرئيس الأمريكى للقاء ظريف وأن ترامب «حريص» على حضور الاجتماع.

وكان رد فعل بولتون هو أن يطلب من مساعديه إعداد الطائرة للعودة إلى واشنطن فورا. فقد قرر بولتون أنه إذا مضى اجتماع ترامب -ظريف قدما، فسوف يستقيل من الإدارة.

واستمر بومبيو وبولتون فى مساعى محاولة منع ترامب من لقاء ظريف. وكتب بولتون أن كليهما كان يتحدث أيضا إلى نيتانياهو وسفير إسرائيل فى واشنطن، رون ديرمر للتنسيق.

وطلب بولتون من بومبيو أن يخبر نيتانياهو وديرمر أن  جهوده لوقف الاجتماع تصطدم بقوة صلبة لم يكن مجهزا للتغلب عليها‪.‬

هذه القوى الصلبة كانت وزراء ومستشارين آخرين فى البيت الأبيض، من بينهم وزير الخزانة ستيفن منوشين وصهر ترامب ومستشاره السياسي جاريد كوشنر، وكلاهما أيد عقد الاجتماع مع ظريف.

واشتكى بومبيو لبولتون «أن لدينا ديمقراطيين هما منوشين وجاريد، يديران سياستنا الخارجية»، وذلك فى سخرية من منوشين وكوشنر، اللذين لم يكونا من صقور البيت الأبيض بحسب بومبيو.

وكانت حجة منوشين أنه من الأفضل فتح اتصال مع إيران ومحاولة التوصل لاتفاقية نووية جديدة لأن الاستخدام المفرط والمستمر للعقوبات، والضغوط التى تمارسها واشنطن على النظام المالى الدولى لضمان الالتزام ب العقوبات على إيران، سيؤدى بمرور الوقت إلى إضعاف تلك الأداة. كما سيعزز حنق الدول التى تتأثر ب العقوبات ضد إيران. فدول مثل اليابان والهند وايطاليا، وهم حلفاء مقربون لأمريكا، اضطروا للبحث عن مصادر بديلة للطاقة لتجنب العقوبات الأمريكية ضد شركاتهم المتعاونة مع إيران.

كما جادل منوشين أن العقوبات الأمريكية تدفع قوى عالمية مثل الصين وروسيا للبحث عن بدائل للدولار الأمريكى، وتقويض سطوته كعملة احتياطية فى النظام المالى العالمى. وحذر منوشين من أن ذلك يشجع تلك الدول على إجراء المعاملات باليورو أو من خلال التجارة المكافئة وغيرها من التقنيات.

وكان رد بولتون أن خطر تقويض الدولار الأمريكى كعملة احتياطى عالمية موجود بالفعل، لكن هذا الخطر موجود «بشكل مستقل عن آثار العقوبات الأمريكية». فعملات أخرى لها بالفعل أدوار رئيسية فى السوق المالية الدولية وعلى رأسها اليورو. (قوة اليورو ومنافسته للدولار أحد الأسباب الأساسية وراء عداء ترامب وصقور الإدارة الصريح لمشروع الاتحاد الأوروبي).

وإلى جانب هذه الحجة، رأى جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان الأمريكية أن سياسة «الضغط القصوى» على إيران قد تؤدى إلى أن يُخطئ المسئولون فى إيران الحسابات ويعملون سرا على تطوير سلاح نووى.

ومع تحمس منوشين وكوشنر لعقد اللقاء بين ترامب وظريف، أخبر بولتون وزير الخارجية بومبيو عن نيته الاستقالة إذا تم الاجتماع. ورد وزير الخارجية أنه أيضا سيستقيل فورا.


ولا حتى مصافحة

وفى مساعى اللحظة الأخيرة، حذر بولتون ترامب أنه إذا خففت الولايات المتحدة، ولو قليلا، من الضغط على إيران فسيكون «من الصعب جدًا» إعادة مستوى الضغط و العقوبات إلى ما كانت عليه.

وحث بولتون ترامب على عدم لقاء ظريف على الإطلاق، ولا حتى المصافحة أمام عدسات التلفزيون.

وأفسد بولتون أيضا فكرة فتح «خط ائتمان» لمساعدة إيران على تجنب بعض أسوأ آثار العقوبات . واقتنع ترامب قائلا: «لن يحصلوا على أى خط ائتمان حتى يتم إتمام صفقة شاملة».

وهكذا أصيبت مبادرة ماكرون فى مقتل. فالرئيس الفرنسى كان قد اقترح فكرة فتح خط ائتمان كبادرة حسن نية من شأنها أن تؤدى إلى تسهيل المفاوضات ‪.‬

أما بالنسبة للإيرانيين، فإنه بدون مبادرات حسن نية، فإن اللقاء مع ترامب لن يكون أكثر من فرصة لالتقاط الصور أمام عدسات التلفزيون.

فى هذه الأثناء، كان نيتانياهو يحاول الاتصال ب ترامب بشكل مباشر لشرح معارضته القوية للاجتماع. ولكن، وحسب شهادة بولتون، لم يتمكن من الوصول إلى الرئيس الأمريكى. وقال بولتون إن كوشنر كان ضد اتصال نيتانياهو مع ترامب «لأنه وجد أنه من غير المناسب أن يحاول زعيم أجنبى أن يملى على ترامب ما يجب فعله».

وفى النهاية، لم يُعقد الاجتماع. ولم يُقدم أى تفسير فرنسى أو أمريكى أو إيرانى محدد لسبب عدم حدوثه.

لكن قصة الفشل مركبة. فقد وضع بولتون وبومبيو كثيرا من العراقيل أمام ترامب ، وأصرا على نزع «الجزرة» وهى فتح «خط الائتمان» لإيران ما جعل موقف المسئولين الإيرانيين صعبا.

وبرغم الارتياح الذى غمر بولتون بعد إفشال الاجتماع، فإنه ظلت لديه شكوك فى احتمالات أن يكون كوشنر ومنوشين قد التقيا ظريف على هامش قمة السبع الصناعية بدلا من ترامب لجس النبض ومن أجل «إنشاء قناة اتصال مستقبلية». ويوضح بولتون أن هذا الخيار «أثار قلقًا كبيرا للمسئولين الإسرائيليين وجعل بومبيو غاضبا».

وفى كل الحالات، كان قرار ترامب عدم المضى قدما فى لقاء ظريف كافيا لبولتون كى لا يستقيل، على الأقل لبضعة أسابيع أخرى. ففى نهاية المطاف، غادر البيت الأبيض فى 10 سبتمبر 2019.

لكن بومبيو لم يغادر، وواصل نهج سياسات لا تقل تشددا، أثارت امتعاضا أوروبيا ودوليا. فالإدارة حثت مجلس الأمن الدولى على تمديد حظر الأسلحة المفروض على إيران قبل انتهاء صلاحيته فى أكتوبر المقبل بموجب الاتفاق النووى 2015 بين طهران وكل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا والصين وروسيا وإدارة الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما‪.‬

رفع الحظر على الأسلحة هو آخر مكسب لإيران من الاتفاق النووى الذى يتهاوى مع تشديد العقوبات الأمريكية. وتريد واشنطن تمديد حظر الأسلحة «إلى أجل غير مسمى». وتلوح الصين وروسيا باستخدام حق النقض.

وفى كلمته أمام مجلس الأمن، وصف سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلى نيبينزيا، سياسة واشنطن بأنها «سياسة خنق قصوى»، قائلا:‪»‬إن الهدف هو تغيير النظام أو خلق وضع حيث تصبح إيران غير قادرة على التنفس. هذا مماثل لوضع ركبة على رقبة إيران»، فى تشبيه لا يخلو من إسقاطات سياسية متعلقة بمقتل المواطن الأمريكى من أصول افريقية جورج فلويد على يد شرطى أمريكى بهذه الطريقة ما أثار احتجاجات غير مسبوقة فى أمريكا.

وتهدد واشنطن أنها إذا لم تنجح فى تمديد حظر الأسلحة، فستعمل على عودة جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران . لكن واشنطن تواجه وضعا صعبا وفوضويا. فبريطانيا وفرنسا والمانيا، إضافة إلى روسيا والصين لا يريدون عودة عقوبات الأمم المتحدة ضد إيران مادامت ملتزمة بغالبية بنود الاتفاق النووى.

وتماما كما كان الجدال خلال وجود بولتون على رأس فريق الأمن القومى الأمريكى، فإن الأوروبيين وروسيا والصين يتشككون فى جدوى المزيد من العقوبات ، فيما الإدارة الأمريكية ترد أن « العقوبات سلاح سياسى لا ينبغى أن نشعر بالذنب كلما استخدمناه» على حد تعبير بولتون.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]