المشروع العربي.. أين؟!

9-7-2020 | 00:16

 

لا يختلف أحد من الخبراء والعارفين، على أن العالم العربى محاصر بمشروع إسرائيلى وآخر تركى وثالث إيرانى فضلاً عن المشروع الأمريكى ، ولأن المشروع العربى غائم أو غائب تمامًا، ولا أن الوضع القائم يمثل خطرًا حالاً وآخر قادمًا يشكل أكثر إتساعا على الوطن العربى ، يستهدف بلقنته وتفتيته وإجهاضه وتعقيمه.


ولا أحسب أن هناك فقرًا, مصريًّا أوعربيًّا, فى تحليل الخطر وظواهره وأدلته ، وفى تحليل عناصره. حتى الذين لا يميلون إلى نظرية المؤامرة أو التفسير التآمرى للتاريخ ـ بل ويرون كالدكتور مصطفى الفقى، أن التسليم بذلك على إطلاقه جريمة فكرية، فإنهم يسلمون بأن المؤامرة موجودة فى المسار الإنسانى منذ بدايته ، ولم يستطيعوا إنكار احتمال وجود المؤامرة فى الواقع الجارى، وأن التفسير الحقيقى للتاريخ يقوم على التسليم بوجود المؤامرة أحيانًا ، وتجاهل ذلك جريمة فكرية أيضًا .

على أن معظم الخبراء، وهم كثرٌ فى مصر وفى العالم العربى ، يؤكدون أن هناك الآن مؤامرة كبرى تتلاقى مخططاتها الدائرة ما بين تركيا واسرائيل وإيران والولايات المتحدة ـ على استهداف العالم العربى بعامة، وأن مصر باعتبارها قاطرة العالم العربى فى دائرة الخطر كما قال الدكتور محمد السعيد إدريس فى مقاله الضافى بأهرام 23 يونيو الحالى، والأستاذ أشرف العشرى فى نفس العدد عن مغامرات تركيا و إثيوبيا ورسائل الرئيس الحاسمة، فضلاً عما كان قد أبداه الأستاذ القدير عمرو موسى من أن تركيا هى الأكثر خطرًا الآن مع التسليم بتعدد مصادر الخطر .

وصحيح ما استدل به الدكتور إدريس من تسريبات جارية من دوائر معادية تكشف التربص بالدور المصرى، باعتبار مصر هى التفاحة الكبرى المطلوب إسقاطها فى غمرة إسقاط أو تساقط العواصم العربية الواحدة تلو الأخرى، وأن معظم هذه التسريبات أمريكية/ إسرائيلية، تؤكد أن الغرور الإسرائيلى لم يتوقف قط ـ رغم اتفاقات السلام ـ عن اعتبار مصر هى العدو التاريخى، وأن تصاعد القوة المصرية وتطور قدرات قواتها المسلحة، يثير قلقها وقلق المتربصين لمصادرة الدور المصرى، وهو ما تؤكده سوابق التاريخ، وأقربها الإجماع على مصادرة القوة المصرية وإجهاض مشروعها إبان حكم محمد على باشا الكبير .

ففضلاً عن أوهام ومطامع إسرائيل ، هناك أحلام الرئيس التركى فى إحياء عهد الخلافة العثمانية، وامتداد أطماعه بعد سوريا إلى قطر ثم ليبيا، والتناغم اللافت بين كل من إسرائيل و تركيا فى دعم إثيوبيا فى سد النهضة الذى يهدد ـ مع غيبة الضوابط ـ حياة مصر والمصريين، وهناك المشروع الإيرانى الذى يستهدف بسط الشيعية الفارسية ويهدد المصالح العربية فى الخليج العربى، ويتداخل بقوة فى كل من سوريا ولبنان، ولا يكف عن محاولة الانتشار فى غيرها .

ولا أحسب أن هناك ما يمكن إضافته إلى التحليلات الجارية من الخبراء فى رصد المشروعات الإسرائيلية والأمريكية والتركية والإيرانية، وفى استكناه ما يجرى وأدلته. ولا أحسب أيضًا أننا بحاجة إلى تأكيد الدور المصرى أو استكشاف عناصره أو وسائله أو الحض على الاصطفاف المصرى. ففيما عدا التأكيد والتحفيز ، فإن مصر واعية لما يجرى ، قائمة بالفعل بدورها، وتتحرك فى أدائه بوعى وعمق استراتيجيين ، وتتخذ الواجب من الإجراءات بميزان دقيق ، سواء فى إنماء اقتصادها، أو تسليح جيشها ورفع كفاءته القتالية ، أم مواجهة الموقف الإثيوبى فى سد النهضة بما يقتضيه، وليس آخره اللجوء إلى مجلس الأمن للقيام بدوره فى الحفاظ على السلام والأمن الدوليين ، وهى رسالة لها معناها ومحسوبة بعناية، وما خلا ذلك لا يمكن أن يناقش إلاَّ بالغرف المغلقة فى شأن أعمال السيادة واستراتيجيتها. أما ليبيا ، فقد كان انتقال رئيس مصر إلى المنطقة الغربية واستعراضه هناك جاهزية القوات المسلحة، وما أطلقه من تحذيرات رافضة أى مغامرة تمس الأمن القومى المصرى والعربى، قد وضَعَ نقاطًا فوق الحروف، ووجه رسالة قوية صدرت القلق إلى القيادة التركية لتعى ما تفعله وما سوف تلقاه!.

أعود فأقول، وهذا هو هدف هذا المقال، إن ما نأمله من خبرائنا ـ وهم كُثر فى الاستراتيجية والدبلوماسية والفكر والسياسة ـ أن يشفعوا تحليلاتهم بتقديم الحلول ، والحل الغائب هو كيف يمكن إيقاظ الوعى العربى وبعث وإحياء مشروع عربى يواجه المشاريع الأربعة المعادية التى تحاصر العالم العربى ، وظنى أن هذه هى فى مقدمة المهام التى يجب أن تتوجه إليها العقول وخبرات الأكفاء . كيف يمكن إعادة من خرج أو خرجوا واتجهوا إلى التطبيع أو المسايرة أو اللياذ بالصمت ـ إعادتهم إلى التبصر والانضمام إلى الركب العربى، وما الذى على هذا الركب أن يفعله تحقيقًا لمشروع عربى متوحد ومدروس يواجه هذه الأخطار الشديدة المحدقة ، فالجالس اليوم على مقاعد المشاهدة والفرجة ، سيكون عما قريب فى حومة المشهد على خشبة المسرح.

أيًّا كانت عناصر القومية ، وهى متوافرة وغنية بلا افتعال، فإن المؤكد بيقين أن وحدة المصير وهى واضحة جلية، تستوجب بذل قصارى ما فى الوسع لصد هذا الخطر الداهم الذى سيصيب الجميع!.

ليس من الحكمة، ولا هو من الصواب، أن نواجه الخطر فرادى، فإذا لم تجمعنا الوحدة القومية، فلا بد أن يجمعنا الخطر المشترك. لا عذر لأحد فى التقاعس اليوم عن التلاقى لوضع مشروع عربى محدد وفاعل لمواجهة وصد المخططات التى تستهدف تعقيم العرب وبلقنة الأقطار العربية سياسيًا واجتماعيًا طائفيًا ومذهبيًا واقتصاديًا وعسكريًا. ما هو متاح الآن اختيارًا وتخطيطًا, سوف يكون غدًا ضرورة عصية على الاختيار والترتيب!.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

[x]