مرة أخرى.. العقيدة السياسية للسيسى

5-7-2020 | 16:13

 

تناولت في مقال سابق تحت عنوان " العقيدة السياسية للسيسي " المفاهيم المحورية التي يمكن استخلاصها من مراجعة الخطاب السياسي للرئيس عبد الفتاح السيسي، فيما يتعلق بالعلاقة مع الخارج. وأشرت إلى أربعة مكونات رئيسية في تلك العقيدة، هي حماية الدولة الوطنية كركيزة أساسية للأمن الإقليمي والعالمي، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والحفاظ على أخلاقية السياسة الخارجية، وأخيرا التعامل مع الموارد الإقليمية كموضوع للتعاون أكثر منها موضوعا للصراع. ليست هذه هي المكونات الوحيدة في تلك العقيدة، لكنها في تقديري المكونات الأكثر وضوحا على هذا المستوى. لكن الوقوف على العقيدة السياسية لأي قيادة لا يكتمل إلا بالوقوف على موقع الداخل في مكونات هذه العقيدة.


القيمة الأولى التي يمكن استخلاصها على مستوى الداخل هي مركزية "الدولة الوطنية" التي تتجاوز المكونات الدينية للمجتمع. لقد عكست هذه القيمة نفسها ليس فقط على مستوى الخطاب السياسي للسيسي، لكنها كانت أكثر وضوحا على مستوى الحركة والممارسة، والأمثلة عديدة في هذا الصدد (حرصه على حضور قداس عيد الميلاد، الحرص على بناء أكبر مسجد بجوار أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط في العاصمة الإدارية الجديدة وما يحمله ذلك من أبعاد رمزية مهمة). وبعيدا عن الجذور الفكرية لهذا المكون، هناك عوامل عديدة تفسر تجذره في عقيدة السيسي. من ناحية، هو امتداد طبيعي لمكون "الدولة القوية" في تلك العقيدة؛ إذ لا يمكن وجود دولة قوية مستدامة، دون أن تكون في الوقت ذاته -وكشرط رئيسي- "دولة وطنية" تتجاوز في أبنيتها الفكرية والمؤسسية مكوناتها الدينية. الدولة القوية/ الطائفية هي في الحقيقة دولة لا يمكنها تحقيق استقرار على المدى البعيد. من ناحية أخرى، فإن مواجهة حقيقية للتطرف والإرهاب لا يمكن أن يٌكتب لها نجاح حقيقي في ظل غياب "الدولة الوطنية".  لقد مثل تعزيز الطائفية والخطاب الطائفي أحد الاستراتيجيات الأساسية التي اعتمدت عليها التنظيمات الإرهابية في العالم. ولم يكن من المتصور نجاح الدولة المصرية في تحقق هذا المستوى المتقدم في مواجهة هذه التنظيمات بدون تعزيز "الدولة الوطنية". أولوية "الدولة الوطنية" في عقيدة السيسي تفسر لنا أيضا دعوته المبكرة لتجديد الخطاب الديني كمدخل مهم لتعزيز "الدولة الوطنية".

القيمة الثانية، هي "الدولة التنموية". السيسي لم يستخدم هذا المفهوم بشكل مباشر في خطابه السياسي، لكنه كان حاضرا بقوة على مستوى التطبيق والممارسة. "الدولة التنموية" مثلت المفهوم المركزي الذي قام عليه العديد من النماذج والخبرات التنموية للاقتصادات الناشئة في شرقي وجنوب شرقي آسيا وأمريكا اللاتينية. هناك أدبيات عديدة حاولت التنظير لمفهوم "الدولة التنموية"، لكن القاسم المشترك بينها جميعا هي "الدولة القوية" (بما يتضمنه ذلك من وجود قيادة سياسية قوية)، ومركزية هدف التنمية الاقتصادية على ما عداه من أهداف ووظائف، وبناء علاقة تعاون/ تكامل بين الدولة وباقي الفاعلين السياسيين والاقتصاديين (رجال الأعمال، المجتمع المدني، البيروقراطية) على النحو الذي يخدم قضية التنمية باعتبارها القضية المركزية. "الدولة التنموية" بهذا المعنى تظل حاضرة بقوة في عقيدة السيسي، بدءا من مركزية مفهوم "التنمية" ذاته الذي يمثل القيمة الأعلى في الخطاب السياسي للسيسي بدءا من اليوم الأول لتوليه السلطة. لكن الأهم هو الدور المركزي للدولة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، على مستويي التخطيط والتنفيذ، وهو ما تجسد في قائمة المشروعات القومية الضخمة التي جرى تنفيذها -ولايزال- خلال السنوات الست الماضية. ولم يكن من الممكن تنفيذ هذه المشروعات الضخمة دونما دور مركزي للدولة المصرية. ورغم أن الدولة لم تنف أهمية دور القطاع الخاص والمبادرات الفردية لكن الظروف التي مرت بها البلاد عقب أحداث يناير 2011، ثم ثورة يونيو 2013 جعلت من الصعب المراهنة على هذا القطاع ــ رغم أهميته- لتحقيق تنمية حقيقية في مدى زمني معقول. وأخيرا، يمكن الإشارة هنا إلى توظيف العلاقات الخارجية للدولة لخدمة قضية التنمية، وهو ما تعكسه ممارسة السيسي بنفسه ما يعرف بـ"دبلوماسية التنمية".

الملاحظة الأخيرة المهمة في هذا الصدد هي التوافق والانسجام الداخلي بين مكونات هذه العقيدة، سواء بين القيم الحاكمة للعلاقة مع الخارج أو الداخل، أو بين هذه القيم على كل مستوى. إذ لا يمكن الحديث عن "دولة تنموية" فاعلة بدون "دولة قوية"، و"دولة وطنية"، كما لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية مستدامة بدون العمل على بناء بيئة إقليمية مستقرة شرطها الرئيسي هو "الدولة الوطنية".. إلخ من أشكال التداخل والاعتماد المتبادل بين مكونات هذه العقيدة على نحو ما تم تناوله.

تلك في تقديري هي المكونات الرئيسية في عقيدة السيسي. ولست في حاجة للتأكيد مرة أخرى على أنها ليست سوى اجتهاد من جانب الكاتب لمحاولة الوقوف على مكونات هذه العقيدة.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

من يتولى توفير السلع العامة داخل النظام العالمي؟

النظام العالمى شأنه شأن الأنظمة الاقتصادية الوطنية؛ هناك سلع عامة لابد من اضطلاع طرف بإنتاجها وتوفيرها كشرط رئيسى لبقاء النظام وعمله بفعالية.

العقيدة السياسية للسيسي

العقيدة السياسية للسيسي

المؤسسية الدولية في مفترق طرق

التحولات العالمية الكبرى دائما ما تفرض على منظري العلاقات الدولية تساؤلات جوهرية تشغل حيزا ضخما من الاهتمام لحين الوصول إلى إجابات مُرضِية لها. فقد انشغل

[x]