مايسترو الحياة!

4-7-2020 | 13:51

 

لحظة أنجبت ابنى شعرت بعدها بمدى أهمية الطبيب فى حياتى.. أصبح يمثل لى مركز الكون ونافذة النور وموسوعة المعارف وباب الفرج و مفتاح السعادة وقبطان القيادة وترنيمة الفجر من بعد حلكة الليل، ودواء النفس والروح، ومنقذ الغريق لبرالأمان.


أوسعت له مكانة الصدارة.. أجلسته فى مقعد الحظوة.. أصبح يمثل لى واسطة العقد وقلادة السمو وملاك الرحمة الذى تلَقىّ بيديه منحة الرحمن فى مغادرتها جدران الرحم عابرًا به رحلة برزخ آلام لم يشأ رب العرش أن يعبّر عنها مخلوق، لحظة اختراق الهواء للرئتين عنوة لأول مرة ليلقى صارخ البرية أينما ولد نظرته الأولى على العالم بالمقلوب لتوصله اليد الحانية المدربة التى تربت دقاّت على ظهره إيذانًا بفتح الستار على أولى ملامح استقلاليته، دونما اعتماد على حبل سرى من لحم ودم، وإن استمرت مشاعر الأخذ والعطاء بين الأمومة والبنوّة أبد الآبدين..

وتبحر مركب الطفولة فى خضم المعاناة لتلتقط عدوى كل شاردة وواردة، وليس من معين سوى ذاك الملاك القادم بسماعة طبية تحادثه بالداء فيصف الدواء لسنوات النزلات والرشح والطفح والغدد واللوز والإسهال والإمساك والسعال والاحتقان والموسمى والربيعى والمتوسط والآسيوى والديكى والشوكى والمائى وضربة الشمس وتيار الهواء و..الحساسية التى ليس لها كتالوج ولا بروتوكول.. لحظة أستدعيه ليقف على بابى كان صوت الرنين يُحيى مواتى.. جميع الأمور التى تشرذمت تعود لنصابها بتوقيت البانتوثانية.. السقف يرجع لمكانه فى الأعالى، والأرض تبطل دوران، والدولاب يلم هدومه الواقعة ويقف من جديد زِنهار، وطبقات الدخان الكثيف تتبدد من ناظرى، وزغطة الحنفيات يخرس أوارها، ونمل المطبخ يدخل شقوقه، وعيال الجيران يبطلوا جرى، وشقة الرابع توقف كشط الباركيه، والتليفون الأرضى يطب ساكتًا، والقطة تدخل فى ذيلها، وجارات الشقق المفروشة يلموا حواديت المناور، والشمس تطلع.. والكتكوت الهفتان الصغير يشرئب برقبته.. اتفضل يا دكتور.. الركب السايبة تعود لثباتها والقلب خلاص مش ناقصه دقة!

ما إن أراه حتى أتحرر من مشقة الكمد والكدر لأُلقى عن كاهلى بجبال الأرق والقلق والحراك بلا ذهن وعقل وإحساس بالغ بأن ابنى بيوجعنى كقطعة منى.. وإذا ما كان المولى القدير قد منحنى شرف الأمومة فلن أنسى الطبيب النبيل الإنسان سمير فايق الذى رافقنى فى مشوارى العصيب لبلوغ الأمل فى أن أجعل زوجى يعيش متعة الأبوة ويحيا ليحيا من بعده من يحمل اسمه بعدما لم يعد الرحم مستقرًا آمنًا للجنين مرات ومرات.. وفى ليلة ليلاء سارع فيها زوجى إليه لنجدتنا بعدما أعلن النزيف بداية فشل جديد سيبلغنى حتمًا لمرحلة اليأس التام.. أتى فى صحبته ليمكث إلى جوارى حتى خيوط الفجر يوالينى بالحقن والمثبتات، وبين نوبات إفاقتى كنت ألمحه فى جلسته بجوار نافذة الضوء الخافت يقرأ فى كتاب ضخم.. وأبدًا لم يكاشفنا إلا بعد فترة طويلة وهو يداعب صغيرى اللاهى فوق البسكلتة من أن امتحانه لنيل درجة الدكتوراه كان فى صباح ليلة السهر والأرق.. الدكتور سمير رحل فى شرخ الشباب، وكأنه الوداع الأخير عندما أتى لزيارتى فى مكتبى بالأهرام قبل سفره لتلقى العلاج فى لندن من المرض العضال فيروس C، لأعرف بعدها أن جرحًا فى يده إثر ضربة مشرطه قد أصابه التلوث بدماء أحد مويمضى المشوار وتغدو مهنة الطب فى نظرى لا يُماثلها مهنة أخرى، مع توالى حاجتى للنجدة والإسعاف بحكم بلوغ الكبار الكبر، ودخول الصغار مراحل الضغط والكوليسترول والدسك والسكر والدُعامات والقُرح وتمزق الرباط الصليبى.. أصبحت أرى فيها الملجأ والملاذ والشفاء من كل عِلّة، ومولود يطوى السنوات طيّا أمام عينى تحت رعايته وسماعته وحنكته ليغدو رجلا ملء هدومه وأبًا فى انتظار مولوده.. أذهب إليه.. الطبيب المداويا.. بحمولة الشكوى لأجد لكل أنين سلوى، ولكل آهة دواء، ولكل التواء استقامة، ولكل طعنة بلسمًا، ولكل احتباس مخرجًا، ولكل سم ترياقًا، ولكل طفح خمودًا، ولكل كومة إفاقة، ولكل كسر جبيرة، ولكل شرخ احتضانًا، ولكل دمعة مجراها ومرساها، ولكل انتظار نهاية، ولكل اهتراء غيار، ولكل علّة تخصصًا، ولكل طبيب منهجًا للعلاج.. وأبدًا يا مدام أنا لا أعيب فى روشتات الزملاء الأساتذة الأفاضل أصحاب الريادة، لكنى أحبذ لو تناولت ما دونته لك وتشفير كل ما سواه.. مش معايا ولاّ إيه؟!.. إنت مش عايزة تخفى ولا إيه؟!.. إنت مش جيتى لى أنا من بعد غيرى ولا إيه؟!.. أنا يا دكتور!!.. أنا بالذات أجلس أمام العالم النطاسى الحكيم فاقدة النطق.. أسمع وبس.. أستوعب وفقط.. أحفظ عن ظهر قلب.. أمشى على هدى شخبطة روشتة سيادته صبحا وظهرا ومساء وقبل الأكل ووسط الأكل وبعد الأكل وع الريق وكل ست ساعات، متوجهة كما الروبوت فى جميع دهاليز المدينة ممتطية أسانسيرات أعالى الأبراج لتنفيذ طلبات تحاليله وأشعاته ومجالاته المغناطيسية ومسحاته الذرية وسوناره التقنى وموجاته الصوتية وعيناته المختبرية فى معامل المعارف بالداخل والخارج.. وحيد الأمر والنهى والرأى الذى لا أجادله.. وحده من يرى لى الصالح.. نلغى المكرونة المقصوصة والاسباكيتى واللازانيا والرافيولى وبلاها اللحمة الحمراء، وبالطبع انتهينا من مسألة السكريات، ومالها لزوم البقوليات منشطة النقرس داء الملوك مش الملكات يا مدام.. وممنوع الكوكا والبيبسى وكافة المياه الغازية والمواد الحافظة والمقرمشات والمسبكات والمقليات والمخللات ومستخرجات الألبان والموز والفراولة والسلمون والجمبرى والبط والحمام والشاى والقهوة والسحلب بالذات. ممكن ينسون وشيح بابونج ومرمرية وحلبة حصى.. مع الإكثار من الكيوى والبروكلى والتوت البرى والكنتالوب والأفوكادو والكركديه بدون غليان وعصير القصب مع عدم الوصول لمرحلة الشبع.. نحن إيه يا مدام؟!.. قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع.. وإذا ما قرصنا الجوع فعندك زبدية يوغورت خالى الدسم منزوع وشها.. وممكن عين الجمل بالذات لأن فيه نسبة زنك 33٪ ومنجنيز 160٪ وفوسفور 49٪ وحديد 22٪، انت مش شايفة العين جملاية شكلها زى مخك؟! من هنا يحدث التطابق، فصين هنا وفصين هناك والقشرة الخارجية مصفحة زى مخك!

عندما ابتلعت غصّة الألم كى لا أزعج دائرة القربى كان مدركًا قسوة معاناتى فقام بنجدتى.. سلمت له قلبى المريض فقام بترميمه باستبدال شريان هنا وأورطى هناك وخمس سبع دعامات ليضعنى من جديد على درج الحياة.. ومن يومها كلما أتانى وحى قصة يكون بطلها طبيب، ولما أغنى أفتكر ليلى فى يا طبيب القلب بقيت حبيب القلب، وعمرى بالعمر ما فكرت أرتبط بدكتور أمراض نساء يدخل ويقفل الباب فى وشى وداخل عرينه الغضّة البضّة البيضاء جميلة الجميلات.. وفى شرخ الشباب قريت لإحسان روايته «أنف وثلاث عيون» وتوقفت طويلا أمام مشهد زوجة الطبيب الشعنونة التى أدركت ووعت وآمنت بمنزلة زوجها وقيمته الإنسانية عندما أطلت عليه فى عيادته فوق منصته يجرى جراحته متفردًا كمايسترو يقود الفريق لإنقاذ روح معلقة بلمسة من مشرطه.. وكان كابوسى الدائم تلك اللقطة الأزلية للمضخة التى تتوقف فجأة إيذانًا برحيل صاحبنا الغائب عن الوعى من تحتها وقول الطبيب: «احنا عملنا اللى علينا والباقى على اللـه».. وساعة أسرح فى ذكرى أبى أراه بين يدى الأطباء المسعفين، ولما يأتى الحديث على ذكر الإنعاش تجول بخاطرى لافتات أجنحة العناية المركزة التى عايشت أطقمها الفدائية الصابرة المثابرة داخل البلاد وخارجها، وغالبيتها تعامل الزبون فى وضعه الحرج بخبرة ومودة مدركة أنه صاحب نفس داخل ونفس ممكن يخرج مايرجعشى.. وتغدو النظرة الحانية من خلف القناع الأبيض تحت كلوبات السقف بمثابة حبل النجاة الذى ينتشلنى من الأغوار للعوم بى إلى السطح.. وأحسب أصدقائى فأجد غالبيتهم من أفراد الجيش الأبيض، وربما جاء ذلك من منظور مصلحتى الخاصة حيث ذهبت بوعى أو بدونه أوثق معرفتى بأساتذة أطباء من جميع التخصصات ليمتد ما بيننا من أواصر التفاهم وتصفح الذكريات وتواصل الدعوات وتوالى التهانى على مدى المناسبات العامة والخاصة، وكانت أغنيات وطقاطيق فيروز مع فنجان القهوة الصباحى على الواتس آب أقوى سفير يحقق فرشة بساط الانسجام مع صديقى طبيب القلب والأسنان والباطنى والجلد والجراح والمساج والنفسى والعظام، وانضم حديثًا للكونسلتو نقاوة عينى طبيب السكر والغدة الدرقية والدكتور الصيدلى صاحب الأجزاخانة القريبة الذى يحلو له بعد صلاة الجمعة الدردشة فى مجالات بروتوكولات وزارة الصحة واستطلاع رأيى فى الأزمات السياسية المطروحة حيث لا ينتظر سماعه وإنما يستعرض بالعرض البطىء وجهة نظره على مسامعى.. وعمومًا أنا عاملة حسابى إذا ما دخلت سلك الكورونا ـ وكله مكتوب على الجبين وهو أنا أشطر من مين ـ خاصة وسيادة تيدروس أدهانوم مدير الصحة العالمية يخرج لنا كل يوم بتصريح مخيف حول الموجة الثانية والثالثة، ومن هنا استطعت الحصول بطرقى العامة والخاصة على الفيتامين «سى» وكنت الوحيدة فى مصر التى فى حوزتها علبة من البلاكونيل واسمه العلمى هيدروكسى كلوروكوين نظرًا لتناولى أقراصه لعلاج آلام الروماتويد أخذت منها قرصين وركنتها كعادتى عندما لا يعطينى الدواء نتائج سريعة، وعندى أيضًا الزنك وإن كان داخل فى تركيبة أقراص أخرى، ومتكلمة على علبتين ريميديفير من واحد معرفة، يعنى جاهزة ومستنفرة من مجاميعه للحجر المنزلى ـ المنقذ بالفعل بفعل الرعب القسرى ـ فإذا لم يسعفنى أحد من كونسلتو الأطباء الأصدقاء بحجة مقنعة فسأبدى له اقتناعًا مظهريًا، لأبقى على شعرة معاوية، وسأذهب إلى معاوية ذات نفسه الصيدلى صديقى ليقوم بعلاجى خاصة وأنه قد رُشح رسميًا فى مشروع ـ تم وأده فى المهد ـ بمزاولة مهنة الطب لعلاج مرضى الكورونا بإمكانية تحويل الصيادلة إلى أطباء بشريين بعد حصولهم على الدراسات اللازمة لمعادلة الشهادة، فأتى الرد المفحم من نقيب الأطباء بأنه لا توجد سابقة لذلك فى مهنة الطب الحديث، وبالتالى فعلى من يرغب فى امتهان مهنة الطب ويكون مسئولا عن أرواح المصريين فعليه أن يلتحق بالسنة الأولى من كلية الطب البشرى وبعد تخرجه وتدريبه يتم منحه الترخيص لمزاولة مهنة الطب.. وعمومًا ومن جهتى أنا مقتنعة بدكتورى الصيدلى مستشارى الطبى فى كل صغيرة وكبيرة الفاتح ذراعيه على مدى الأربع وعشرين ساعة، خاصة أن زملاءه قد ضحوا بحياتهم فى معترك الجائحة ضمن أطقم شهداء الجيش الأبيض الذين ستطلق أسماؤهم النبيلة على الشوارع والميادين.

وإذا ما كان نقيب الأطباء الدكتور حسين محمود خيرى يدعو كل من يريد أن يغدو طبيبًا الالتحاق بالسنة الأولى من كلية الطب البشرى فهذا ما قام به الدكتور الأديب يوسف إدريس ليسجله فى مؤلفه «تلميذ طب» فى 15 مارس 54 حول تجربته فى سنوات الدراسة المريرة الطويلة، ومن بعد مزاولة المهنة عمليًا يهجر إدريس سماعته للتفرغ لقلمه ليكتب ضمن روائعه قصة «لغة الآى آى» متأثرًا بأجواء الآلام التى عاصرها فى مهنة الطب ليُقال إنه لو لم يكتب سوى تلك القصة لكفته أديبًا عظيمًا متربعًا على عرش القصة القصيرة للأبد، ففيها يخترع إدريس لغة جديدة تتمرد تصرخ تهمس تصدح تدوى تعبّر عما لم يكن ممكنًا التعبير عنه وتضرب على أعماق أوتار إنسانيتك وأبسطها على الإطلاق.. إنها لغة الآلام والأوجاع.. لغة الإنسانية المفقودة لغة عايشها الطبيب على شفاه الوجع والآهات والابتهالات والرجاءات والأنفاس الأخيرة.

كتب تلميذ إعدادى طب يقول «كنت من الطلبة الذين أتاح لهم الحظ الالتحاق بكلية الطب. لقد تخيلت عندما ارتديت المعطف الأبيض وأمسكت بمبضع التشريح الخاص بالضفادع والحشرات فى السنة الإعدادية أننى أعبث بمبضعى فى جثث الآدميين وأن مهارتى فى عملية شق بطن الضفدعة بالمقص لا تقل عن مهارة الدكتور نجيب مقار فى استئصال كلية أحد الآدميين، وكنت أزهو بلقب دكتور الذى يخلعه علىّ الناس مجاملة ابتداء من بواب العمارة إلى بنت الجيران التى كنت أختال أمامها بالبالطو الأبيض الناصع البياض والحقيبة الجلدية الأنيقة تشبها بكبار الأطباء، والسيجارة مثبتة فى ركن فمى لكى تكتمل كل معالم الدكترة، وبعد انتهاء السنة الإعدادية بدأنا الدراسة الطبية الحقيقية فكنا نشرح جثث الموتى المحفوظة فى الفورمالين وكنت أتوهم أننى سأقوم باكتشافات مهمة فى علم التشريح، فلما شرحت جثة توقعت أننى سأجد شيئًا جديدًا لم يعرفه الأوائل، كأن أكتشف أن للإنسان قلبين لا قلبًا واحدًا كما هو مبين فى الكتب..
وكم كان سرورى عندما أعفر يدى بالبودرة استعدادًا للبس الجوانتى الخاص بالعمليات قبل رفع الذراعين المطهرتين للمرفقين لتقوم الممرضة بتجفيفهما، ولكنى استغنيت عن لبس الجوانتى بعدما وجدت زميلة لى ـ وهى طبيبة مشهورة الآن ـ وفى منتهى الأناقة والرقة تستعمل يديها المجردتين فى التشريح، ولا تستنكف من أن تأكل بعدها ساندوتش فى المشرحة بدلا من ضياع الوقت فى الذهاب إلى الخارج، هذا بينما كان لى زميل آخر يحتفظ فى جيبه بزجاجة بارفان يقربها من أنفه من آن لآخر حينما لا يحتمل رائحة المشرحة النفاذة. أما الفرحة الكبرى فى السنة الثالثة طب فكانت عندما اشتريت سماعة حرصت على أن أضعها فى الجيب الداخلى للجاكتة بطريقة خاصة تظهر منها جزءا فيعرف من لا يعرف أننى المحروس طالب طب.. وعند ركوبنا الترام كنا نتباهى بالحديث عن المرضى الذين فحصناهم هذا اليوم ونكثر متعمدين من استعمال الألفاظ اللاتينية الخاصة بأسماء الأمراض، وخاصة إذا ما كان من بين الركاب حسناء لم تلحظ وجود السماعات فى جيوبنا فنجذب انتباهها بهذا الحديث لعل وعسى..

وفى السنة الرابعة هبط زهونا وغرورنا وجدنا زملاءنا فى المدرسة الثانوية ممن التحقوا بكليات الحقوق والآداب أو غيرها تخرجوا وأصبحوا محامين ومدرسين ومأمورى ضرائب وصحفيين ونحن مازلنا فى مرحلة الدراسة نأخذ مصروفنا من أهلنا.. وقد حدث فصل طريف فى هذه السنة عندما ذهبت مع الحكيمة والممرضة إلى حالة ولادة للتمرن على الوضع فى منزل رجل متواضع، ولما انتهت الأم من عملية الوضع بالسلامة فوجئت بالرجل يضع فى يدى ورقة مالية من فئة العشرة قروش فلما رفضت قال لى لا واللـه ده حق الدخان ووشك الحلو اللى رزقنى بولى العهد، وأصررت على الرفض فما كان منه إلا أن حلف علىّ بالطلاق.. واقترب الامتحان النهائى وظفر السعداء منا بالنجاح وفجأة تحطمت الآمال الكبار التى كانت تراودنا عند بدء التحاقنا بالكلية، فقد كنا نحلم بأن يفتح كل منا عيادة خاصة تدر عليه الذهب، وفى ظرف سنة لابد أن يكون صاحب عربة وكاديلاك على الأقل، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وانحصرت الآمال بعد التخرج فى العمل كأطباء امتياز فى قصر العينى بمرتب لا يتجاوز عشرة جنيهات مع العمل ليل نهار، ولكنها فرصة العمر للتمرين فى المستشفى الكبير تحت إشراف الأساتذة الكبار.. وكنت وأنا طالب أنقم على النظم والروتين البالى العتيق الذى يشل حركة الطبيب، وعندما تحققت أمنيتى وعينت كطبيب امتياز حاولت تنفيذ الإصلاحات التى كانت تملأ رأسى، والمشروعات الكبيرة التى كنت أفكر فيها، ولكننى فشلت فى تحطيم العراقيل والأغلال وكدت أقدم إلى مجلس تأديب جزاء لى على المناداة بآرائى بصراحة أمام رؤسائى».

وكان على طبيب الامتياز يوسف إدريس الكشف على مائتى مريض فى ظرف 3 أو 4 ساعات على الأكثر، وبعملية حسابية بسيطة كانت مدة الكشف على المريض وكتابة الدواء له لا تتجاوز الدقيقة الواحدة: «ولو أن عينى أوتيتا قوة أشعة إكس لمعرفة موطن الداء لما تمكنت من علاج هذا العدد الكبير بينما كان المستشفى دائمًا عاجزا عن صرف الأدوية اللازمة لعلاج المرضى ـ خاصة مرضى العيادة الخارجية ـ ولا يوجد فيها بكثرة إلا أمزجة الحديد والزرنيخ والرواند والصودا، وعلى باب المستشفى أرى بعينى باعة الزجاجات الفارغة الذين يبيعونها لمن ليس معهم زجاجة لصرف دواء مركب، وهذه الزجاجة بمثابة مفرخة للميكروبات والجراثيم، وكل من يأخذ دواء مقويًا من الصيدلية ويضعه فى هذه الزجاجة يأخذ معه دوسنتاريا فوق البيعة».

ويستلم يوسف إدريس عمله فى مستشفى بأحد مراكز الوجه القبلى ليمر بأقسى تجاربه العملية: «لقد نشبت معركة من معارك الصعيد المعروفة التى تحدث لأتفه سبب وكان نتيجتها إصابة أكثر من ثلاثين رجلا بإصابات خطيرة.. قضيت الليل بأكمله فى عمل تربنة للمصابين بارتجاج فى المخ، وقمت بتفصيل جاكتات وبنطلونات من الجبس للمصابين بشروخ أو كسور فى العظام حتى فكرت فى منافسة «مسيو ديليا» الترزى المعروف وفتح محل ترزى لتفصيل الشاش بدلا من الصوف بعد هذا الحادث، وفى الصباح كان علىّ القيام بعملى المعتاد فى المستشفى وأنا شبه نائم وفى حالة شديدة من الإرهاق والتعب، ولقد لاقيت الأمرين من المرضى ـ ومعذرة لأهل الصعيد الكرام ـ فإنك تبذل مجهودًا كبيرًا قبل إقناع المريض بحقيقة حاله وبوجوب الاستماع إلى الإرشادات وخاصة عدم تناول الأغذية التى تضره.. ومن الأمثلة الصارخة على قلة الاستعدادات فى مثل تلك المستشفيات النائية انقطاع التيار الكهربائى أثناء إجراء جراحة عاجلة ليلا مع عدم وجود دينامو (مولد كهربائى) وتخيل عملية جراحية دقيقة تجرى لمريض تحت تأثير البنج على ضوء كلوب تستغرق إضاءته أكثر من نصف ساعة للبحث عن شريط وسولار و..و.. لتستقر الإضاءة المتذبذبة ذات الخيالات المتراقصة».

وليس وحده يوسف إدريس مثالا لارتباط الطب بالإبداع الأدبى، فالكثير من كبار الأدباء والشعراء فى العالم أطباء وبعضهم يستمر فى مزاولة الطب إلى جانب الكتابة.. ومن بين الأسماء الجامعة للطريقين معًا أنطون تشيكوف أحد أعمدة الأدب الروسي، وفرديناند سيلين الفرنسى، والاسكتلندى آرثل كونان دويل صاحب روايات شرلوك هولمز، والفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر، وفريدريك شيلر وسومرست موم، وفى عالمنا العربى عشرات الأطباء الأدباء على رأسهم ابن سينا، وإبراهيم ناجى، وأحمد زكى أبوشادى «مؤسس مدرسة أبولو الشعرية»، ومصطفى محمود، ومحمد المخزنجى، والروائى الطبيب محمد المنسى قنديل الخ.. ويسألون طب وشعر؟! كيف يجتمعان؟ فتأتى الإجابة:

أما الشعر فهو وراثه
صقلت بعزم واعتدال لسان
والشعر بحر لا يغوص بعمقه
إلا شجاع ذو فؤاد حان
والطب فهو الحلم منذ طفولتى
أسعى لغوص غماره وأعانى
والطب ليس لمن أراد وإنما
الطب للساعى وللمتفانى
سأكون يومًا شاعرًا قد قلتها
عزمًا سأكسب فى الصمود رهانى
سأكون طبا ابن سينا خالد
سأكون شعرًا بحترى زمانى

وتختلف المشاعر الإنسانية أمام الجموح الوبائى على مستوى العالم أجمع، ولشعورها بمدى مسئوليتها الجسيمة قامت ترى ريسماهيرينى عمدة مدينة سورابايا الاندونيسية بالسجود عند أقدام حشد من الأطباء باكية ومطالبة بمسامحتها لعجزها عن وقف تفشى وباء الكورونا فى مدينتها مما سيؤدى حتمًا إلى وقوع مهام جسام إضافية على كاهل الأطقم الطبية والتى يصاب بعض أفرادها بالعدوى، وقالت ريسماهيرينى أمام الحاضرين وهى فى وضع السجود أن الأمور قد خرجت من بين يديها ليرد عليها طبيب أمراض الرئة محذرًا أن المستشفى المحلى الذى يعمل به قد غدا مكتظا وبحالة بالغة الخطورة بالمرضى الذين يعانون من مرض «كوفيد 19» وأضاف أن العديد من السكان الذين تتولى رئاستهم لايزالون يتجاهلون البروتوكول الطبى اللازم لمنع المزيد من حالات انتقال عدوى الفيروس إلى جانب اختفاء الكثير من الأدوية وأدوات الحماية وعلى رأسها الكمامات.

وإذا ما كان عدد الوفيات فى فرنسا حتى الثلاثاء الماضى قد بلغ 164260 شخصا من مصابى كورونا مع خروج 75649 من الحجر الصحى فقد لعبت «قيصرة الفكاهة» الفرنسية «آن رومانوف» أشهر من يقدم عروض الممثل الواحد الفكاهية على المسرح الفرنسى والمتخصصة فى السخرية من السياسين، ويعود لقبها إلى آخر أسرة نبيلة حكمت روسيا.. قامت رومانوف بتحويل برنامجها اليومى فى إذاعة «أوروبا 1» إلى منصة لتلقى طلبات التطوع والتبرع لجمعيتها التى تحمل اسم «التضامن مع المعالجين» على أساس إقامة مزاد علنى موزع على الشبكة الإلكترونية يذهب ريعه لدعم الأطباء والممرضات والمسعفين وكل العاملين فى المستشفيات الفرنسية لعلاج مرضى الكورونا، وقد تطوع حتى الآن أكثر من 40 فنانا لمساعدة «آن» فى نشاطها الإنسانى، وتجاوب الآلاف مع المزاد الذى أشرفت عليه دار «روو» الباريسية الشهيرة، وكانت المزايدة تبدأ بمبلغ يورو رمزى واحد ثم ترتفع إلى ما يتخطى عشرات الأصفار، وقد قامت شخصيات فرنسية رفيعة ومؤسسات سياحية بالتبرع حتى الآن بنحو 300 قطعة فنية أو خدمة ترفيهية منها: ليلة لشخصين فى فندق ريتز بباريس، وقميص رياضى لنجم كرة القدم زيدان، آلة جيتار للعازف إيف دوتوى وعشاء مع الممثل جان مارك بار بطل فيلم «الأزرق الكبير»، وحضور تصوير فيلم مع الممثل كيف آدمز، ومخطوطة بقلم المغنى جران كومالارد، وعطلة نهاية الأسبوع فى منتجع على البحر، ومنديل حرير يحمل توقيع ديور، وأثواب للسهرة ومنحوتات ولوحات وصور فوتوغرافية نادرة ورسائل متبادلة بين المشاهير، ومن الزيارات النادرة التى يمكن الفوز بها فى المزاد جولة خاصة لمتحف أورساى للفنون المعاصرة فى باريس يكون الدليل المرافق فيها تاجر اللوحات ليونيل بيسارو حفيد الرسام الفرنسى الدانماركى كاميل بيسارو.. وفى حديث تليفزيونى قالت «رومانوف» إن ما دفعها للمشاركة فى هذا المجال الإنسانى استغاثة على الهواء من إحدى الممرضات تطلب فيها رداء طبيًا معقمًا يقيها من العدوى بعدما لجأ الطاقم الطبى بأكمله فى المستشفى لاستخدام أكياس القمامة.. ومن يومها وصاحبة المبادرة تعمل 15 ساعة فى اليوم تعاونها متطوعات من جميع الفئات لفرز المعروضات وتحصيل مبالغ البيع لتحويلها إلى مصانع تتولى تجهيز المستشفيات بالمعدات الطبية اللازمة حيث العثور على رداء كامل يحمى الجسم والرأس بمثابة العثور على كنز!!

وللتاريخ وللأبناء والأجيال القادمة وللأمس واليوم والغد ستظل لوحة الفداء والشرف التى قاربت المائة المطرزة بأحرف من نور على جبين محافظات ومدن مصر بأسماء شهداء الجيش الأبيض فى جميع التخصصات، المورقة بعطر قادم من جنة الخلد والتى لو استطاع الذهن الاحتفاظ بها كاملة لسجلها على جدران القلب بشخوصها قصيدة عصماء استهلالها مصر التى فى خاطرى وفى فمى أحبها من كل روحى ودمى وأفتديها بالعزيز الأكرم: هشام وفكرى وحسن وياسرومحمود وعزت وفايق ومايكل وجمال واسحاق وعبدالحميد وأميرة وإيمان ونبيلة وعبدالرافع وعماد ورامى ومحمد عنتر مدرس الفارما بطب الأزهر دمياط والهنداوى أستاذ جراحات المخ والأعصاب وممدوح السيد مدير مرفق الإسعاف بسوهاج وحسن جمال الدين فرحات أستاذ جراحة العين بطب المنوفية وأحمد الننى طبيب النساء والولادة بالتأمين الصحى ببنها واسحق سرجيوس اخصائى الباطنة بمستشفى قنا..

بلادى بلادى التى أنجبت الطبيب الشاعر إبراهيم ناجى الذى لم يتخلف يومًا عن الذهاب إلى عيادته رغم مرضه بذات الرئة، وبينما هو يدنى أذنه من قلب مريضه يتسمع دقاته إذا به يهوى لينقطع خيط اللآلئ التى نظمها يومًا فى قوله:
أيها الشاعر تغفو تذكر العهد وتصحو
وإذا ما التأم جرح جــدّ بالتذكــار جــرح

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

ربيــع العمر!

مكثت أحمل سنين عمرى بلا معاناة بمفهوم أكبر منك بيوم يعرف أكثر منك بسنة، وأبدًا لم أقل يومًا ليوم مولدى جئت أيها الشقى، وإنما ألقاه دومًا بترحاب قد يكون

في زمن الكورونا

إلى متى سيظل يرفع كفه الحانية عن بُعد فى رسالة قاطعة كافية لردع الحنان المنذر بالتدفق من حنايا شوقى الدائم إليه؟!.. إلى متى لن أستطيع ضم ابنى إلى صدرى؟!..

الأكثر قراءة

[x]