بعد الإعلان عن ترميم قصره.. قصة «السكاكيني» مع تلال العقارب في القاهرة الخديوية | صور

4-7-2020 | 14:00

ترميم قصر السكاكيني

 

محمود الدسوقي

ارتبط اسم السوري حبيب السكاكيني بالخديوي إسماعيل باشا مؤسس القاهرة الخديوية نهايات القرن التاسع عشر، فالشاب حبيب السكاكيني الذي ولد بدمشق وقدم للقاهرة عام 1865م، كان قوي البنيان ضخم الجثة، يحمل من الإصرار والطموح ما يكفي ليحفر اسمه في التاريخ المصري، إذ مازالت حكاياته في نقل التلال لإعادة تنظيم القاهرة تعج بها المراجع والكتب، وكذلك أرشيف الصحف القديمة، وشهادات الصحفيين الكبار الذين كتبوا عن تجربته.

وأعلن الدكتور مصطفى وزيري الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، بدء أعمال الترميم المعماري والدقيق لقصر السكاكيني بالظاهر، حيث تم إدراجه ضمن خطة ترميم وزارة السياحة والآثار، مؤكدًا أن أعمال الترميم ستتم عن طريق الحرف الأثرية والوحدة الإنتاجية والحدائق والتجميل بالمجلس ليخرج بصورة رائعة حضارية رائعة الجمال.

و«قصر السكاكيني» تحفة معمارية فنية رائعة على غرار العمارة الإيطالية، والألوان الجصية به في حالة رائعة من الحفظ.

توفى «السكاكيني» عام 1923م وبعد وفاته بمدة 4 سنوات وفي عام 1927م، قدم الصحفي تادرس بك شنودة المنقبادي شهادته عن بناء القاهرة الخديوية ودار الأوبرا، مؤكدًا أن «السكاكيني» قدم من دمشق للقاهرة وكان عمره بالتقريب 17 سنة للعمل في قناة السويس وقد جذب «السكاكيني» اهتمام الخديوي إسماعيل حين كلفه ببناء دار الأوبرا الخديوية كي تشاهد الملكة أوجيني رواية «عايدة».

وأراد الخديو إسماعيل أن يحيط الأوبرا بحديقة وهي حديقة الأزبكية فأمر بردم البرك والمستنقعات ونقل التراب الذي يتوفر لضواحي المدينة، وكان يقوم بعملية نقل التراب متعهدون يتقدمون بالمهمة بالمناقصة ومن طلب أجرا أقل من غيره عهد له في العمل.

تقدم «السكاكيني» لمناقصة نقل التراب الذي يرفع من الأوبرا ويرمي في ضواحي المدينة، وما لبث أن اشتري مركبات صغيرة ليستعملها في نقل التراب وعوضًا أن يرميه دون أن ينتفع به أخذ ينقله ويكدسه في الحي المعروف الآن بحي «السكاكيني»، ثم اشتري 30 فدانًا في ذلك الحي بالاشتراك مع نسيم بك شحاتة باشكاتب المحافظة ودفع في ثمن الفدان ثلاثة بنتو أو 231 قرشا، وقد صار هذا الشاب فيما بعد الكونت حبيب سكاكيني باشا.

لم يكتف «السكاكيني» ببناء دار الأوبرا بوسط المدينة، بل أخذ أحياء أخرى للتنظيم ونقل تلال العقارب، وقال توفيق حبيب صحفي الأهرام الكبير في كتابه «تاريخ الفجالة»، إنه في عام 1865م اشتري «السكاكيني» من شارع البرج حتى مدخل شارع الفجالة من جهة محطة السكة الحديد وتعهد للحكومة بردم الجهة الواقعة في أول الشرابية عند مخزن السكة الحديد فصار ينقل الأتربة ولا يخلو مقطف من عقرب أو أكثر ويلقي بها في الشرابية حتى أزالَ التل، وجعله مساويًا للأرض.

ولما أتم «السكاكيني» هذه المهمة الشاقة، رأت الحكومة إدخال شارع الفجالة في التنظيم، فقررت أن يكون عرض الشارع ثمانية أمتار، ولكن حبيب «السكاكيني» أدرك ببصيرته الوقادة أن مستقبل الفجالة سيكون زاهرًا؛ لأنها نقطة الاتصال بين البلد والعباسية، وأنه إذا كان عرض الشارع ثمانية أمتار فقط، فإنه لابد أن يضيق بالمارين، فكتب عريضة ضمَّنها رأيه الخاص في الموضوع، ووقف عند قنطرة الليمون منتظرًا مرور موكب الخديوي إسماعيل، فلما اقترب منه الموكب رفَع العريضة ملوِّحًا بها في الهواء، ولمحها الخديوي، فأخذ العريضة من رافعها.

ويضيف صحفي الأهرام أنه بعد ساعتين استدعى الخديوي إسماعيل حبيب سكاكيني إلى سراي قصر النيل، حيث قابله وعرض عليه رأيه، فدعى مهندس التنظيم وهو فرنساوي الجنسية، فذكر أنه إذا جعل عرض الشارع عشرين مترًا، فلا مفر من هدم زاوية الشيخ سيف الواقعة في وسط الشارع، وعلى أثر ذلك صدرت الإرادة الخديوية بجعل عرض الشارع عشرين مترًا.

وأوضح الصحفي توفيق حبيب بأن «السكاكيني» هو أول من شيّد عمارة في الشارع الخارجي بالفجالة، ولما رأى «السكاكيني» نجاح مشروعه في تل العقارب اشترى القطعة المقابلة للقسم الغربي منه، وكانت من أملاك الخاصة الخديوية، ثم نازعه فيها جماعة من المستحقين في وقف أهلي، وانتهى الأمر بفوز «السكاكيني»، فأحسن تخطيط تلك البقعة، وتنظيمها، وفي الفجالة استقرت جالية كبيرة من السوريين منهم أدباء وصحفيين أسسوا مقرات للصحف.

وأكد الدكتور مصطفي وزيري أنه بعد وفاة «السكاكيني» عام 1923 قسمت ثروته بين الورثة الذين تنازلوا عن القصر للدولة، وقام أحد أحفاد «السكاكيني» وكان طبيبًا بالتبرع بحصته لوزارة الصحة، وفي الفترة من عام 1961- 1983 أصبح القصر مقرًا لمتحف التثقيف الصحي، وفي نهاية الفترة بعد نقل المتحف من القصر تم تخزين بعض معروضات المتحف في بدروم أسفل القصر، حتى استلمه المجلس الأعلى للآثار وتم تسجيله كأثر إسلامي عام 1987.

وأكد أن «قصر السكاكيني» تبلغ مساحته نحو 2698 مترًا مربعًا وتم بناؤه على الطراز الإيطالي، حيث يعتبر نموذجًا لفن «الروكوكو»، وهو فن ينتمي إلى الزخرفة في العمارة والديكور الداخلي والخارجي وكذلك الأثاث والتصوير والنحت، وهو فن منبثق من المحارة غير المنتظمة، وقد كانت بداية ظهور هذا الفن في فرنسا إبان القرن الـ18 الميلادي، حيث بنته شركة إيطالية ليكون نسخة من قصر إيطالي قد رأه حبيب السكاكيني وأراد تقليده أو عمل نسخة منه في القاهرة.

والقصر يتكون من 5 طوابق، الطابق الأول يتكون من 4 غرف، والثاني مكون من 3 قاعات و4 صالات وغرفتين، أما الصالة الرئيسية تبلغ مساحتها نحو 600 متر مربع، وتحتوي على 6 أبواب تؤدي إلى قاعات القصر، ومجموع غرف القصر تبلغ 50 غرفة، ويحتوي على أكثر من 400 نافذة وباب، و300 تمثال منهم تمثال نصفي لحبيب باشا السكاكيني بأعلى المدخل الرئيسي للقصر، وللقصر مصعد ويطل على شرفة بها قبة مستديرة تؤدي إلى غرفة الإعاشة الصيفية.

مادة إعلانية

[x]