من 100 سنة.. طبيب مصري يجري تجربة لعلاج أقدم الأوبئة في التاريخ | صور

2-7-2020 | 14:51

لوحة تطعيم الجدري

 

محمود الدسوقي

كان على الطبيب والأثري حسن أحمد كمال باشا، والذي عمل في بدايته طبيبًا بمستشفى الحميات في عشرينيات القرن الماضي، أن يروي تجربته أو محاولته في علاج الجدري أقدم الأوبئة في التاريخ الذي استخدام كسلاح بيولوجي في الحروب منذ القرن الخامس عشر الميلادي حتى الحرب العالمية الثانية، وذلك باستخدام حقنة يطلق عليها "الطرطير المقيء" من مستخلص طرطرات الأمونيوم في حالات الجدري، الذي كان يتفشى ويحصد الأرواح، رغم وجود تطعيمات له.

حمض "الطرطير المقيء" هو حمض قديم وجد في النباتات وأشجار الفاكهة مثل الموز والعنب والتمر الهندي، ويؤكد المؤرخون أن العالم العربي " جابر ابن حيان " هو أول كيميائي استطاع أن يقوم بعزله كيمائيًا، وقد نجح العالم "لويس باستور" عام 1847م أن يهدى البشرية شكل بلورات طرطرات الأمونيوم والصوديوم، وهي التي استخدمها الطبيب المصري في علاج الجدري في المستشفى آنذاك.

حسن أحمد كمال الطبيب هو نجل الأثري الشهير كمال باشا، الرائد الأثري المصري صاحب الدور الكبير في تأسيس علم المصريات، وقد قام نجله الطبيب بكتابة مؤلفات أثرية فيما بعد منها تاريخ الطب عند الفراعنة، والذي حوى بدقة تاريخ البرديات الفرعونية الطبية، حيث أثبت بالدليل العلمي أن اكتشاف الدورة الدموية هو اكتشاف مصري قديم منذ الفراعنة، كما حوى كتابه سيرة أقدم الأوبئة في التاريخ ومنها وباء الجدري الذي أدى للفتك بملايين البشر وكان سببًا رئيسيا في تدهور دولة أثينا في التاريخ القديم.

قدم كمال الطبيب شهادة بمجلة "المقتطف" عام 1923م، مؤكدًا أن حمض "الطرطير المقيء" استخدمه الأطباء في علاج البلهارسيا في السودان، وفي علاج مرض النوم بأدغال إفريقيا، كما تم استخدامه في علاج النزلة الشعبية والرئوية وفي حالات التسمم بمصر، مؤكدًا أنه حين عمل في مستشفى الحميات في القاهرة أطلعه مدير المستشفي آنذاك على تجاربه في حقن "الطرطير المقيء" في علاج بعض الحالات من مرض الجدري الذي كان يفتك بالمصريين منذ عهد الأسرة الحادية والعشرين الفرعونية، أي منذ أكثر من ألف سنة قبل الميلاد.

وأوضح أنه كان عليه أن يجري التجربة على مريض بالجدري وأخذ نصيحة مدير المستشفي في 28 يناير عام 1923م، وحين دخل المستشفى مريض يبلغ من العمر 35 سنة مصاب بالطفح الجلدي في كافة جسده بسبب الجدري، بالإضافة لحمى، وقشعريرة، وسعال، وآلام في ظهره وصدره، بينما كان حلقه محتقنًا، وبالكشف على رئتيه وجد احتقان بسيط بها، وكان نبض قلبه سريعًا، وكان المريض محتقن الوجه منتفخ بسبب الطفح الجلدي وحرارة جسده وصلت لنحو 39 درجة.

و مرض الجدري مرض معدٍ ينقل من إنسان إلى آخر. ويمكن نقل الفيروس من خلال استنشاق قطرات صغيرة من اللعاب التي تخرج من فم المريض إلى الهواء مثل الإنفلونزا أو من خلال الاتصال المباشر مع المريض ومحيطه.

كانت المفاجأة التي اكتشفها الطبيب حسن أحمد كمال أن المريض أخذ تطعيم الجدري الذي كان عبارة عن الدق والتجريح وعمره بضعة أشهر حيث كان تطعيم الجدري ظاهرًا على ذراعه إلا إن المريض أصيب بالجدري مرة أخرى في شبابه، وبإجراء الكشف عليه اكتشف الطبيب أن المريض كان مصابًا بالجدري المختلط وهو من أخطر أنواع الجدري وأنه لم يطعم بالشكل الكافي في ذراعه لذا فتطعيم الجدري انتهت منذ سنتين من بداية تطعيمه بسبب عدم تطعيمه بدقة.
قام حسن أحمد كمال الأثري والطبيب بحقن المريض بالطرطير المقيء حيث كان عليه أن يجرب كم مقدار يحتاج الجسم، وفي أول يوم لم تخف حالته، وفي اليوم التالي كرر التجربة، حيث انخفضت درجة حراراته، ووصلت لنحو 38 درجة بدلًا من 39 درجة، وقد كرر التجربة في المريض حتى شُفى بالكامل في اليوم الثامن.

وينهي أحمد كمال شهادته أن حالة المريض كانت ذاهبة للموت، مؤكدًا أن الصعوبة كانت في أن الأطباء لا يستطيعون حقن المريض في الوريد نظرًا للارتشاح الجلدي الذي يؤدي للصعوبة مما يؤدي للموت، مضيفًا إلى أن أغلب الحالات المصابة تأتي للمستشفيات متأخرة مما يجعل نسبة شفائها منعدمة.

وقالت مروة الشريفة باحثة في دار الكتب والوثائق القومية لــ"بوابة الأهرام" إنه رغم استخدام حمض الطرطير المقىء في علاج البلهارسيا قديمًا، إلا أن الأبحاث الطبية في الوقت الحاضر فضلت عدم استخدامه لتسببه في مضاعفات على الكبد.

مؤكدة أن مرض الجدري هو أقدم الأوبئة في التاريخ التي وجد له تطعيم وقائي حيث إن البشرية اهتدت للوقاية منه خلال التطعيم عام 1791م ليكون أول تطعيم ظهر في العالم منذ القدم من وباء الجدري.


تطعيم الجدري الحديث


مستشفي القصر العيني


بردية فرعونية نشرها الطبيب حسن كمال باشا

مادة إعلانية

[x]