المصريون المحدثون.. ونهاية غلمان السلطان!

30-6-2020 | 18:08

 

ودعتُ فترة العزل الإجبارية بأمر فيروس كورونا بقراءة كتاب: «المصريون المحدثون..عاداتهم وشمائلهم» للمستشرق الانجليزى ادوارد وليام لين، الكتاب عمره 180 سنة به حزب أو دعاء يقرؤه تلاميذ المدارس فى القاهرة لنصرة خاقان البحرين السلطان العثمانى محمود خان الثانى الذى توفى فى 1 يوليو 1839م، يتلوه الأطفال الصغار يوميا بأمر الوالى محمد على على أعداء السلطان: اللهم يتم أطفالهم ودنس مقامهم واجعلهم وعائلاتهم، وأهل منازلهم، ونساءهم وأصهارهم واخوتهم واصدقاءهم وممتلكاتهم وثروتهم وزوجاتهم غنيمة للمسلمين. والغريب أن هذا الدعاء ظل يتردد حتى اليوم فوق بعض المنابر مضافا اليه لعنات على اليهود والملحدين والأمريكان حسب العصر!.


ويصف وول ديورانت فى قصة الحضارة الإمبراطورية العثمانية ذلك العهد بأن حل التنجيم محل الفلك والأساطير محل التاريخ والسحر محل الطب، وسيطر رجال الشعوذة على المساجد والتعليم، وكان دخلها الأساسى بعد الزراعة من الجباية والقرصنة وفدية الأسرى والجزية من النصارى، واستعان السلطان على حكم الولايات بالجنود الانكشارية ومن صلاحيتهم اختيار كبير وزراء السلطان أو الصدر الأعظم، لكن الانكشارية استطابوا خدور النساء على ساحات الوغى، ورغم كل ماقيل عن محمد على باعث نهضة مصر الحديثة، إلا أن موافقته أن يردد أطفال مصر المسلمون هذا الدعاء جريمة لا تغتفر فى حق الروح الوطنية التى أتت به إلى الحكم، لا يسعدنى إعجاب السلطان بطريقة محمد على لتنظيم الجيش وإقامة المدارس والورش الصناعية التى تصنع لوازم الجيوش من المركوب والطربوش إلى البندقية والمدفع، ولا يسعدنى تقليد السلطان مذبحة المماليك بالقلعة بمذبحة شبيهة فى اسطنبول للتخلص من الانكشارية التى عرفت فى التاريخ بـالواقعة الخيرية!.

لكن عندما عرفت من هم الجنود الانكشارية فى التراث العثمانى فهمت لغز إرسال أردوغان جنودا من المرتزقة إلى ليبيا؟ هم أفراد من أسرى الحروب وقطاع الطرق أو الغلمان اللقطاء، والدهم الروحى هو السلطان، ويتم تربيتهم على الحرب لتكون صنعتهم قتل العدو الكافر، وهى العصابات المؤجرة التى أحياها أردوغان فى سوريا والعراق والمناطق الكردية، ثم مؤخرا حين نقل منهم الآلاف إلى ليبيا!. والأطفال الذين تربوا على الدعاء للسلطان وأن يكون الآخر غنيمة لهم فى دولة محمد على تكشف الدور المريب لوالى مصر فى تربية أجيال لا تبنى مستقبلها على العلم والمشاركة والتسامح وفهم معنى دعاء النبى: اللهم اهد قومى, على الذين آذوه وحاربوه، لكن الجيل الذى رباه الولاة خارج إطار حاجة الجيش ينتظرون أن يقدم لهم الله أزواج وأموال وبنات الكفرة على سرير من ذهب!.

والحياة الاجتماعية للمصريين المحدثين كما سجلها المستشرق الانجليزى عام 1936 صورت بسوء نية أحفاد بناة الأهرامات والعمارة وقادة الجيوش وصناع العجلات الحربية إلى القارئ الإنجليزى وكأنهم شعب تحت التراب، أعيانها مشايخ الطرق، يعيشون على التجارة نهارا وفى الليل يترنحون تحت اقدام الغوازى، وليس من تراثهم الحضارى ما يستحق الاعتبار، تغيب عنهم سماحة الدين فيعتبرون أن كل من خالفهم فى الملة كافر، ويقحمون اسم الله فى كل ما يدعو إلى الدهشة، ورصد وليام لين ظاهرة غريبة فى خُلق المصريين هى أن المسلمين والمسيحيين واليهود متوحدون فى الإيمان بخرافات بعضهم ويطبقونها بينما يمقتون العقائد الأصلية.

ورغم أن مصر كان بها حركة تعليمية وعلمية وثقافية وصحفية نشيطة منها مجلة يعسوب الطب, عام 1865, وهى من أولويات المجلات العلمية فى العالم، ودعوات تحررية مثل مصر للمصريين وأجهزة تشريعية، لكن كتاب إدوارد لين كان يوهم المواطن الإنجليزى بحتمية احتلال مصر، وجاء الاسطول البريطانى لتثبيت أركان الدولة العلية والخديو و حماية الأقليات الدينية ، خاصة بعد أخبار نجاح ثورة عرابى، وبدء إصلاح الجيش وتشكيل مجلس شورى النواب، لكن الصحف الانجليزية هاجت تستحث جلادستون رئيس الحكومة على سرعة تسلم زمام الأمور وتولى المهندسين البريطانيين تنظيم فيضان النيل قبل الهيضة لأن مصر ليس بها 24 شخصا يصلحون لمشيخة قرية، فالمصريون أقل قدرة على تنظيم أنفسهم من الهنود!. وعندما وصل الأسطول الإنجليزى الى الإسكندرية فى يونيو عام 1882 كان مضطرا لاختلاق أى ذريعة لوقف مشروع عرابى وتأديبه.. فانتهز حادثة مقتل عربجى على يد مالطى، ونقلت التايمز كيف سُلت الخناجر وهجم رعاع القوم على المارة، وأخذوا يضربون كل أجنبى بالعصى والهراوى، ثم انتشروا فى الشوارع واقتحموا أحياء الأوروبيين منادين بالجهاد وبقتل الكفار!.

واليوم عاد يونيو فى 2020 يتكرر المشهد حولنا وفى ليبيا، فكيف تتوقع موقف الانكشارية الجدد وغلمان أردوغان الذين رباهم له ولاة الكراهية على القتل لجنى الغنائم من أعداء سلطان القارتين وخاقان البحرين؟ وهل سيختارون الدولة بدعم جيش عرابى أم ستتكرر الخيانة ويبيعون الوطن لأول مشترٍ؟

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

النيل الأزرق من عصر البراءة إلى سد الأزمة!

فى عصور البراءة كانت القصص والأساطير تجعل نهر النيل معبودا مقدسا فى مصر والحبشة، لم يكن المصريون يعلمون من أين جاء النهر إلى أراضيهم، ولا الإثيوبيون يعرفون

الاختيار .. حوار بين الخراب والتسامح!

إحنا هنا ليه؟ سؤال طرحه المتلخبط هشام عشماوي في مسلسل الاختيار، علي قائده المقدم أحمد منسي، في الكتيبة 103 صاعقة، والإجابة التي أبهرتني، حين سمعتها قبل

رسالة من أب مصري لابنه في برلين!

كيف حالك يا ولدي، أدعو الله أن تكون آمنا فى معزلك بمدينة برلين، تابعت فحوصات المستشارة ميركل عن إصابتها بالفيروس اللعين، ودعوت الله لها، وألا تكون إصابة بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا وداعا أخيرا لأحبابه، وترحمت على مدير مستشفى العزل بووهان، ونائب رئيس الحرس الإيراني، وشهداء جيشنا الأبيض،

مادة إعلانية

[x]