تكلفتها 150 مليار جنيه.. عودة الروح للسكك الحديدية

28-6-2020 | 15:49

السكك الحديدية

 

هانى عمارة

  • وزير النقل : منظومة التعافي متكاملة وليست «بالحتة» وتشمل جميع مكونات الخدمة
  • المهندس سيد سالم الرئيس السابق لهيئة السكة الحديد: خطة التطوير التى يجرى تنفيذها موجودة
  • منذ سنوات وكان ينقصها الإرادة السياسية والاهتمام بالعمالة الفنية ومنع تسريب الإيراد

سنوات من الإهمال والتدهور شهدها مرفق السكك الحديدية، ذلك المرفق الذى يتولى نقل 500 مليون مواطن سنويا ، تحولت رحلاتهم إلى قطعة من العذاب جراء تعطل القطارات أو توقفها أو موت بعضهم بسبب تكرار الحوادث . فقد كنا نشهد عدة حوادث يوميا وكان الفنيون يبحثون فى مخلفات الخردة بالورش بحثا عن قطع غيار قديمة لإجراء عمليات الصيانة لجرارات تعمل منذ عشرات السنين ناهيك عن إهمال النظافة وعوامل الأمان والراحة للمسافرين . حتى بدأت مرحلة التعافى من خلال رؤية

شاملة لتحديث مرفق النقل بشكل عام ولتشمل كافة مكونات الخدمة بداية بالعربات و الجرارات وصولا إلى البنية الأساسية من شبكة القضبان والإشارات الإلكترونية وورش الصيانة بشكل يعيد الاعتبار للسكة الحديد، ويجعلها مثالا للالتزام والنظام والنظافة والرقى وعنوانا للمرحلة المقبلة بصفقات فى شراء العربات و الجرارات وإعادة الميكنة وصفت بالأضخم فى تاريخ الهيئة.. وتفاصيل أخرى نتعرف عليها فى التحقيق التالي.

لا يخفى على أحد ما كان يحدث فى الماضى وعلى سبيل المثال ما حدث عام 2008 فقد تسلمت هيئة السكك الحديدية 80 جرارا من شركتين أجنبيتين وكانت واحدة من أسوأ الصفقات فى تاريخ الهيئة .. فبعد وصولها بأشهر قليلة تعطلت تلك الجرارات وتوقفت عن العمل بسبب عدم توافر قطع الغيار والكوادر المؤهلة من المهندسين والفنيين فى الورش للتعامل مع اعمال الصيانة بهذه الجرارات ، وكانت محصلة هذه المأساة أن هذا المرفق الذى يتعامل مع الملايين يوميا تعرض لهزة عنيفة ووصلت الأمور إلى الفرز فى مخلفات الخردة بالورش بحثا عن قطع غيار قديمة لاجراء عمليات الصيانة للجرارات الألمانية التى دخلت الخدمة منذ سبعينيات القرن الماضى حتى لا تتوقف حركة القطارات ، إلا أن هذه العمليات ( القيصرية ) لم تنتج إلا مولودا مشوها وانعكس ذلك على التعطل المستمر للقطارات فى منتصف الرحلة ، فضلا عن تأخير موعد التحرك والوصول إلى المحطات، وبالتالى ارتباك جداول التشغيل، ناهيك عن تكرار الحوادث نتيجة تهالك البنية الأساسية من مزلقانات وغيرها من منظومة الإشارات وقد زاد وضاعف من أوجاع هذا المرفق توقف قطارات التوربينى والتى كانت أيقونة الخدمة فى الهيئة من حيث إنها الأكثر نظافة وانضباطا وسرعة فقد كانت تقطع المسافة بين القاهرة والإسكندرية فى ساعتين بالتمام والكمال، وجاء توقف التوربينى بعد الخسائر الكبيرة التى حققها نتيجة أن أعمال صيانة القاطرات الخاصة به كانت تتم فى فرنسا وبأسعار باهظة، وبالتالى قيمة التذكرة كانت لا تغطى إلا نسبة قليلة من تكلفة التشغيل..

هذه الصورة تشير إلى ما وصل إليه هذا المرفق من تردٍ وتوقف حركة العديد من القطارات ، إلى أن بدأت مرحلة أخرى من التعافى والتخلص التدريجى من أوجاع الماضى عبر منظومة متكاملة، لا تعتمد الإصلاح والتطوير والتحديث (بالحتة) ولكنها تشمل جميع مكونات الخدمة، بداية من العربات و الجرارات وصولا إلى البنية الأساسية من شبكة القضبان والإشارات الإلكترونية وورش الصيانة وكانت ضربة البداية قبل 6 سنوات كما يقول وزير النقل الفريق مهندس كامل الوزير بصدور توجيهات من القيادة السياسية بإعادة الاعتبار للسكة الحديد، وأن ما تم إنفاقه وما يجرى حاليا من استثمارات فى هذا المرفق يتجاوز 150 مليار جنيه.

بشكل أكثر تفصيلا قال وزير النقل ولنبدأ بواحد من أهم مكونات الخدمة وهو العربات فقد تم التعاقد مع شركة روسية على صفقة هى الأكبر والأضخم فى تاريخ السكة الحديد لتوريد 1300 عربة جديدة بتكلفة مليار و16 مليون يورو، ووفقا للاتفاق الموقع بين الجانبين المصرى والروسى فإنه سيتم التوريد بمعدل 35 عربة شهريا، بحيث يتم الانتهاء من الصفقة خلال 3 سنوات، وتتضمن 800 عربة مكيفة فاخرة و500 مكيفة عادية «درجة ثالثة» وهى خدمة جديدة يتم تقديمها للركاب لأول مرة وسوف يسهم ذلك فى تحسين مستوى الخدمة للركاب ورفع كفاءة التشغيل وانتظام حركة المواعيد اليومية للقطارات.

ولكن هل توفير تلك العربات سيحل مشاكل السكة الحديد؟

وهنا يجيب الوزير قائلًا: إن خطة التحديث تتم وفقا لمنظومة متكاملة حتى يتحقق الهدف بالكامل، فقد تزامن مع ذلك التعاقد على توريد 260 جرارًا جديدًا وإعادة تاهيل وتطوير وصيانة شاملة لحوالى 172 من الأسطول الحالى لرفع كفاءة هذه القاطرات وقد شملت هذه التعاقدات شركة أمريكية لتوريد 110 جرارات وقد وصل بالفعل منها 50 جرارا ومتوقع أن يصل 20 أخرى خلال أسابيع، هذا إلى جانب إعادة تأهيل 81 جرارا قديما ويضاف إلى ذلك عقد آخر لتوريد قطع الغيار الأصلية من الشركات المصنعة لمدة 15 سنة بقيمة 602 مليون دولار، وذلك لضمان كفاءة الصيانة، وهناك أيضا عقد آخر لتوريد عدد 50 جرارا جديدا وتحديث 50 آخرين مع شركة أمريكية أخرى بتكلفة 466 مليون دولار.

ولم يقتصر الأمر على توفير العربات و الجرارات كما يؤكد الوزير، ولكنه شمل أهم مكونات الأمن والسلامة لحركة القطارات ومنظومة الإشارات ويكفى التنويه هنا إلى أن هذا المشروع فقط تصل تكلفته إلى 37 مليار جنيه ويتم من خلاله استبدال العنصر البشرى من العاملين فى البلوكات والتحويلات بمنظومة إلكترونية محكمة تعمل وفقا لزحدث النظم العالمية، بمعنى أنه إذا كان هناك أى أعطال ومخاطر على شبكة القضبان فإنه يتم اكتشاف ذلك ووقف حركة القطارات إلكترونيا، ومن هنا يتم الحد من الحوادث والتصادمات وتشمل هذه المنظومة خطوط القاهرة الإسكندرية بطول 208 كيلومترات وخط بنها - الزقازيق - الإسماعيلية بورسعيد والوصلة من الزقازيق حتى أبو كبير بطول 214 كيلومترا وبنى سويف أسيوط بطول 250 كيلومترا وأسيوط نجع حمادى بطول 181 كيلومترا وخط نجع حمادى - الأقصر بطول 118كم، ويتم أيضا رقابة حركة القطارات والتحكم فيها من خلال المنظومة الجديدة على هذه الخطوط وقد بلغت نسبة تنفيذ المشروع 74% تم حتى الآن دخول 7 أبراج رئيسية فى قويسنا وبركة السبع وكفر الزيات وإيتاى البارود وأبوحمص وطوخ وسندنهور ويجرى تباعا إدخال هذه الأبراج إلى الخدمة وهو ما أدى إلى تأمين الحركة على أكثر من 34 مزلقانا، بعد تزويدها بأجراس وأنوار وبوابات أوتوماتيكية للحد من الحوادث وتحقيق الأمان للمركبات العابرة، وقد بدأت بالفعل تظهر بوادر هذا التطوير بالأرقام وقد جاء ذلك فى أحدث تقرير للتعبئة والاحصاء فقد انخفض عدد حوادث القطارات من 2044 عام 2018 إلى 1863 فى 2019 ، وفى حالة الانتهاء من هذه المنظومة سيؤدى ذلك إلى زيادة عدد الرحلات، حيث يمكن تشغيل قطار كل 15 دقيقة، وبالتإلى توفير خدمة سريعة تواجه الطلب المتزايد من جانب المسافرين خاصة فى الصعيد.

رد الاعتبار لهذا المرفق لم يتوقف فقط عند هذا الحد بل يتم تعظيم العائد من القدرات والإمكانات المتاحة حيث تتم إعادة إحياء وتطوير خط سكة حديد أبو طرطور - سفاجا الذى سيخدم مشروع المثلث الذهبى، والمساهمة فى نقل خام الفوسفات، ويسهم بشكل إيجابى فى تنمية الوادى الجديد وإنعاش حركة السياحة بين الأقصر والغردقة، خاصة أنه من المخطط إنشاء خط جديد يربط بين سفاجا والغردقة بطول 60 كم، لتشغيل قطارات للركاب لخدمة السياحة بين الأقصر والغردقة.

ودفعا لعجلة دوران هذا المشروع يقول الوزير إنه تم تشكيل لجنة مشتركة موسعة من وزارتى النقل والصناعة تضم عددا من المسئولين والفنيين والمهندسين والمتخصصين وممثلين من إحدى شركات القطاع الخاص التى تم اختيارها لسرعة وضع المشروع حيز التنفيذ، بالإضافة إلى إنشاء خط السكة الحديد الذى يربط بين المناشى فى الجيزة و6 أكتوبر ويمتد إلى الميناء الجاف الذى يجرى إنشاؤه حاليا على مساحة 400 فدان لخدمة حركة البضائع للمنطقة الصناعية وربطه أيضا بميناء الإسكندرية لاستغلاله فى تشغيل قطارات البضائع فضلا عن ازدواج خط إمبابة - الإسكندرية.

خطة التطوير

وعندما سألت المهندس سيد سالم الرئيس السابق لهيئة السكك الحديدية عن رؤيته للتطوير الذى يجرى تنفيذه حاليا فى ضوء ما شهدته السكك الحديدية من مشاكل وكوارث على مر الأزمنة، قال إن هذه الخطط كانت موجودة منذ سنوات ولكن هذه المرحلة تتميز بأن هناك إرادة سياسية للتنفيذ وتسارعت الخطى مع تولى الفريق كامل الوزير المسئولية، فإلى جانب الاهتمام بالعربات و الجرارات والإشارات تم أيضا توفير الاحتياجات من العنصر البشرى المؤهل، والكفء بعد تحديد الاحتياجات الفعلية من العمالة الفنية والهندسية وتم التصديق على تعيين 150 مهندسا لسد العجز فى هذه الوظائف إلى جانب الاهتمام بنظافة المحطات وعربات القطارات والتوسع فى منافذ صرف التذاكر وإحكام السيطرة لمنع تسرب الإيرادات نتيجة لتطبيق إجراءات صارمة لمنع دخول المحطة إلا لمن يحمل تذكرة سفر.

أما عن الأهمية المحورية لهذا المرفق فى منظومة الاقتصاد القومى فقد قال الدكتور خالد السقطى عميد كلية النقل واللوجستيات بإحدى الأكاديميات إن السكك الحديدية تعد واحدة من اهم وسائل النقل فى جميع أنحاء العالم منذ أن اخترع ريتشارد تريفيثيك الإنجليزى القاطرة البخارية فى عام 1804 وتنافس القطارات بعد زيادة سرعتها الكثير من وسائل النقل الأخرى حيث وصلت سرعة بعضها إلى ما يقرب من 370كم فى الساعة، فضلا عن الكميات الكبيرة المنقولة من البضائع أو عدد الركاب وانتظام الرحلات وتغطيتها لمناطق جغرافية واسعة.

ويوضح أن هذا المرفق يعتبر من أعرق واقدم مرافق النقل فى مصر حيث بدأت فى الخدمة منذ 169 سنة وتحديدا عام 1851 وكانت الدولة الثانية بعد بريطانيا العظمى وأول خطوط سكك حديد فى إفريقيا والشرق الأوسط. وتعتبر الهيئة القومية لسكة حديد مصر من أكبر المؤسسات الاقتصادية فى مصر والعالم العربي، فى مجال خدمات النقل وتعتبر العمود الفقرى لنقل الركاب فى مصر حيث يبلغ حجم نقل الركاب حوالى 500 مليون راكب سنوياً، أى ما يعادل حوإلى 1.4 مليون راكب يومياً إلى جانب ما يقرب من 6 ملايين طن سنوياً من البضائع.

ويضيف السقطى أن خطة الدولة للنهوض بهذا المرفق جاءت انطلاقا من الرؤية الإستراتيجية لتطوير منظومة النقل بوجه عام، ولقطاع السكك الحديدية بشكل خاص لما يمثله من أهمية إستراتيجية وقومية لمصر من خلال ربط الموانئ البحرية والمطارات بالمراكز اللوجستية والمدن الصناعية والأسواق، وتماشيا مع رؤية مصر للتحول إلى محور لوجستى عالمى سواء فى الطاقة أو بضائع الترانزيت أو الربط بالأسواق الإفريقية.

2019 شهد انخفاضا ملحوظا فى حوادث القطارات

أصدر الجهـــاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى 15 يونيو الحالى 2020 نشرته السنوية لحوادث السيارات و القطارات لعام 2019 وكـان مـن أهـم مؤشراتها: انخفاض عدد حوادث القطارات إلى 1863 حادثة عام 2019 مقابل 2044 حادثة عام 2018 بنسبة انخفاض قدرها 8.9 %.

وقال التقرير الرسمى إن هناك ارتفـاعا فى معدل حوادث القطارات الى 42.4 متوفى /100 مصاب عـام 2019 مقابل 34.3 متوفى/100 مصاب عام 2018 وكذلك انخفاض معدل حـوادث القطارات 6.3 حادثة / مليون راكب عام 2019 مقـــابل 7.9 حادثه /مليون راكب عام 2018وأن أكبر حالات حوادث القطارات هى اصطدام المركبات ببوابة المنافذ (المزلقانات) حيث بلغت 1641 حـــالة بنسبة 88.1% من إجمالى حالات حوادث القطـارات عام 2019 ، مقابل 1696 حالة بنسبة 83 % عام 2018. وهى أرقام تستدعى التوقف.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]