كورونا.. هل سيغير الناس؟

27-6-2020 | 18:07

 

لا أحب التشاؤم وأسارع دومًا بالهرب من المتشائمين؛ فلا شيء يتسبب في تنغيص الحياة وسرقة الطاقات وإضعاف المناعة النفسية والجسدية وإضاعة العمر كالتشاؤم..


وبنفس القوة لا أحب الخداع وتغييب العقول وتخدير الناس بالادعاء أن كورونا سيغير الناس، وسيصبحون أفضل بكل تصرفاتهم، وسيراعون مشاعر الغير، ويحترمون حقوقهم وو.. وأن العالم كله سيتغير للأحسن، وسنشهد تغييرات جوهرية بكل أنحائه بعد زوال الوباء بمشيئة الرحمن..

ومن الاستخفاف بالعقول الفرح والاحتفال بنقصان نسبة التلوث في العالم، وكأن هذا من (مزايا) كورونا، وتجاهل أنه لا توجد ميزة (مادية) تعوض البشرية عمن رحلوا أو تألموا بشدة بسبب كورونا..

والمؤكد أيضًا أن نقصان التلوث سيكون (مؤقتًا) فقد حدث بسبب تراجع الأنشطة الصناعية بالعالم ولمكوث عدد كبير من البشر في المنازل لأشهر، وتناقص استخدام وسائل النقل بدرجة غير مسبوقة، ولذا فبعد عودة الحياة لطبيعتها السابقة سيعود التلوث لما سبق؛ وهذا ليس تشاؤمًا ولكنه احترام للعقول.

ومن الاستهانة أيضًا القول إن العمل في العالم سيتغير بعد كورونا، وسيعمل معظم الناس من منازلهم، وهذا ليس صحيحًا، فمع وجود كورونا بل وأثناء زيادة حدتها؛ مازال بعض أصحاب الأعمال في كل أنحاء العالم، تختلف النسبة بالطبع من بلد لآخر؛ يصرون على حضور الموظفين والعمال لأماكن عملهم، وللأمانة فالبعض يتعسف؛ إذ بالإمكان إدارة العمل من المنازل ولو في هذه الفترة الحرجة، والآخرون ليس أمامهم سوى إجبار الموظفين على الحضور للعمل؛ فلن تنتقل المصانع والمحلات وغيرها لبيوت الناس.

ونصل للأهم وهو الزعم بأن الناس سيتغيرون ويصبحون أفضل وأكثر تراحمًا، وهو ما تثبت القراءة (الأمينة) للواقع عدم حدوثه حتى الآن، ولا توجد أية علامات تبشر بقرب حدوثه أيضًا.

وأكرر على رفضي للتشاؤم، ولكنني أرفض تجاهل الحقائق؛ فرؤيتها مبكرًا تجعلنا أكثر قدرة على التعامل معها، بينما إخفاؤها ونشر الأوهام بدلًا عنها يجعل الناس تصدق الوهم وتعاني من صدمة (مؤلمة) عندما تفيق يومًا على الحقيقة التي لا يمكن مداراتها بأطنان من الادعاءات.

فلم تقل الجرائم الأسرية ولا المشاكل بالعمل أو الاجتماعية وغيرها مع اشتداد وباء كورونا، ولم تختف الشائعات (احترامًا) لمعاناة الناس ورغبة في عدم زيادتها بأخبار كاذبة، بل إنها انتشرت ومنها الحكايات المتناثرة عن تعرض مرضى كورونا لتعاملات بالغة القبح من المقربين لهم، ولا ننفي وجود بعض الحالات (الشاذة) في قلة من الأسر؛ ولكن المبالغة في تأليف قصص لا يصدقها عقل تضاعفت مؤخرًا.

كما نتوقف عند الشائعات التي تبشر بانتهاء كورونا، بل وعلاجه ببعض الأطعمة!!

وانتشرت منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بها تنشر الترويع واليأس والإحباط.

ويواصل البعض (اختيار) مضايقة الآخرين، ويستمر آخرون في النصب والسرقة والكذب.

لن نتحول إلى المدينة الفاضلة بسبب كورونا أو غيره، فالبعض يرى ما يفعله من اعتداء على حقوق الآخرين، وانتهاك خصوصيتهم بالتطفل أو التحرش على الإنترنت بأن ذلك (شطارة) ولا يفكر أبدًا في التوقف عنه لأنه يرى أنه يكسب بسببه، ولا أحد يتوقف (بإرادته) عما يرى أنه يربحه.

وآخرون يدركون أخطاءهم، ولكنهم يخدعون أنفسهم بتبريرها أو بالادعاء بأنهم لا يقوون على تجنبها، والحقيقة أنهم لا يريدون مصارحة أنفسهم بأنهم لا يرغبون بالتخلص منها؛ فهم كالمدمنين؛ يفتشون عن أية أسباب لمواصلة الإدمان بدلًا من منح أنفسهم (العزة) بالتوقف عنها.

من يتوقع أن الناس سيتغيرون بسبب كورونا؛ (يفترض) أن من يفعلون أمورا سيئة (يشعرون) أنهم يحتاجون لتغييرها؛ الواقع يؤكد أن غالبيتهم "يفخرون" بها.

والحقيقة أن من سيتغير هو "فقط" من يحاسب نفسه، ويرى أنه يمكن أن يكون أفضل؛ ونؤكد أن من ينتبه لحياته بسبب وباء كورونا هم (أقلية)؛ وهم الأقلية في كل زمان ومكان الذين يرون أخطاءهم ويكرهون الاستمرار بها ويسعدون بمن يذكرهم بها ولا يستكبرون ولا يكذبون بالادعاء بأن ليس بالإمكان أحسن مما هو كائن؛ فدوما هناك إمكانية لنكون أفضل في كل جوانب حياتنا؛ بشرط الأمانة مع النفس وكتابة كل ما لا نحبه في تفكيرنا، وكلامنا مع النفس ومع الآخرين وتصرفاتنا، ونضع خطة (متدرجة) لتغييرها برفق وبحسم أيضًا؛ لنغلق أبواب التراجع أولاً بأول.

مع أهمية مكافأة النفس معنويًا وماديًا عند أي تقدم، لنعطي أنفسنا حقها أولًا ثم لنفرح بالتقدم، ويكون وقودًا للمزيد والمزيد وألا نكتفي بما حققناه وباستطاعتنا الفوز بالأفضل.

ولنتذكر أن الأزمات تخرج أجمل أو أسوأ ما بالإنسان فلنحرص على صنع الأولى، ونجتهد في تجنب الثانية ولنتراجع فورا عندما نقترب منها ولا نبررها أبدا ونؤذي أنفسنا؛ فستصبح عادة ولو بعد حين؛ ودوما يسهل اقتلاع الحشائش الضارة فور ظهورها وألا ننتظر أن تمتد وتتجذر.

نوصي ألا نخبر أحدًا برغبتنا وسعينا وتخطيطنا للتغيير للأفضل؛ فما أكثر مثبطي الهمم أو مرددي التعليقات غير اللطيفة، وليكن كل منا التغيير الجميل الذي يود رؤيته في الحياة أثناء كورونا وبعدها أيضًا، وبذا تتسع حياته وحياة من يحب أيضًا، أليس كذلك؟

مقالات اخري للكاتب

النجاح وتسلق الجبال

شاهدت فيلمًا أمريكيًا عن قصة حقيقية لمجموعة من متسلقي الجبال، تألمت بشدة لرؤيتي معاناتهم وتعرضهم لصعوبات قاسية جدًا وتكبدهم لمشاكل صحية ونفسية، بداية من

السعادة والعمر الضائع

كثيرًا ما نقضي أوقاتًا ونحن نبحث عن أشياء ثم نكتشف أنها كانت أمام أعيننا ولم ننتبه لوجودها..

الامتنان .. طوق النجاة

تضيق الحياة وتختفي الابتسامة من القلب ومن الوجه ويزحف التعب النفسي بألوانه ويجهد الجسد ونكاد نغرق، فنبحث عن طوق للنجاة، وعندما نجده "ونسارع" بالتشبث به وباحتضانه تتسع الحياة وتشرق القلوب والوجوه بنور لطيف يزيح الوجع ويفسح المجال للفرح وللبراح بأنواعه..

ورود وأشواك العلاقات

أدعو لكم بالفوز بأجمل الورود من التعامل مع الآخرين والنجاة من أشواكهم؛ فيندر الورد بدون أشواك.

فرويد والاضطرابات النفسية

في 23 سبتمبر عام 1939 غادر فرويد الحياة وترك تراثًا هائلًا اختزله الكثيرون بنظرياته عن الكبت الجنسي ودور الغريزة الجنسية في الأمراض النفسية وتأثيرها على

شباب تحت المائة

تستطيع دومًا أن تعيش شابًا؛ هذا ما يثبته متابعة شباب تحت المائة؛ تمتعوا بالرغبة بالاحتفاظ بالحياة داخلهم ورفضوا الموت وهم أحياء؛ وزرعوا بعقولهم أن الشباب "اختيار" وليس عمرًا..

جبر الخواطر والأذى

جبر الخواطر نور لطيف وجميل ينير حياة من يقوم به قبل أن يصل لمن يجبر بخاطره، وكيف لا؟؛ وفعل الخير يوسع حياة صاحبه، وأثبتت أحدث الدراسات الطبية أن فعل الخير يزيد المناعة ويفيد صاحبه، لأنه يمنحه الرضا النفسي فيجعله أهدأ نفسيا وينعكس بالخير على صحته الجسدية.

حواء وآدم والفضفضة

من منا لم يشعر يوما بالحاجة للفضفضة وللتخلص من أحمال نفسية يحملها؛ طوعا أو كرها، ومن منا لم يندم على فضفضة قام بها ظنا أنها ستمنحه قدرا من الارتياح "يساعده" على مواجهة ما يؤلمه، وإذا بها تزيد من مشاكله وتضاعف معاناته.

عن التحرش والمتحرشين

لا يقتصر التحرش على الاعتداء الجسدي؛ ويشمل النظرة المسيئة والكلمة الخادشة للحياء، والتلميحات الجارحة.

العنف بين المتزوجين

مساحات شاسعة تفصل بين الفرحة التي تملأ عيون العروسين بحفل الزفاف وما قد يلي ذلك، حيث الحزن والغضب بالعيون والقلوب يقيمون بحياة بعض المتزوجين..

الوحدة وجحيم الآخرين

"الجحيم هو الآخرون" قالها الفيلسوف والأديب الفرنسي "جان بول سارتر"؛ ويعتقد بها البعض ويتجاهلها آخرون ويؤمن بها غيرهم.. ينبهنا "سارتر" للحذر من علاقاتنا؛ فلا نلقي بأنفسنا في الجحيم بأيدينا في إشارة للتعاملات المؤذية للنفس..

الأميرة ديانا والرهانات الخاسرة

لا يختلف إثنان على جاذبية وجمال الأميرة ديانا وعلى إسهاماتها الخيرية "وبراعتها" الاجتماعية وقدرتها الهائلة على التعامل مع كل الطبقات بود ولطف.. وهذا أول رهان ربحته ديانا؛ فقد صرحت بأنها لن تصبح ملكة ولكنها ستصبح أميرة القلوب..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]