موعدنا 2030

24-6-2020 | 16:54

 

نحمد الله أن الصغار والصبية والغافلين فعلوها، ولكن الكبار لم يقعوا فيها؛ علي عكس ما هو شائع عن النيران التي تأتي من مستصغر الشرر، وعن الأفعال والمهاترات التي يقوم بها الصغار والصبية ومن في عقولهم شطط، ولكن الكبار سرعان ما يتورطون فيها فتكون المنازعة والصراع أحيانا. لم يحدث ذلك فيما تعلق بالكويت ومصر مؤخرا عندما جرت اشتباكات وتغريدات لغوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانت تكفي لتسميم كثيرا من انهار العلاقات الحميمة بين البلدين والتي عبرت عن تاريخ طويل من المساندة والتعاضد في مواجهة تحديات صعبة. إذا وضعنا ذلك جانبا مع بعض الراحة من النتيجة، فإننا في مصر علينا ألا نتجاهل حقيقة تزايد هذه الظاهرة خلال الأعوام الأخيرة من قبل أشقاء عرب بات لدي أجيالهم الجديدة نظرة مختلفة لمصر عما كانت عليه نظرة الأجيال الأكبر سنا. الأجيال الجديدة جري تنشئتها في ظل الثورة النفطية، وفي نظم تعليمية انتهت علي الأغلب بالتعلم في جامعات غربية، علي عكس الأجيال القديمة التي تعلمت إما في مصر، أو في جامعات عربية أخري في بغداد أو بيروت. ولكن المسألة لم تعد التنشئة والتعليم فقط، وإنما أيضا النظرة إلي الفوارق الضخمة في الدخول، والكفاءة في إدارة المدن، والتعامل مع العالم الخارجي. الدول العربية في الخليج كانت أكثر قدرة خلال العقدين الأخيرين علي احتضان »العولمة« ونظام السوق الحرة، واستقبال وإرسال الاستثمارات من وإلي العالم الخارجي. وربما كانت البداية في دبي ودولة الإمارات العربية، ولكن نموذجها سرعان ما انتشر في بقية البلدان الخليجية العربية؛ وفي كل الأحوال ترتبت مصالح وطنية لم تعد علي ذات التطابق مع المصالح المصرية الذي كان شائعا حتي نهاية الألفية الثانية حيث أعطيت مصر توكيل الدفاع عما كان يسمي الأمن القومي العربي وإدارة الصراع العربي الإسرائيلي حربا وسلاما. وقبل عشر سنوات نشر د.عبد الخالق عبد الله دراسة صارت كتابا باللغة الإنجليزية وجرت ترجمته مؤخرا للغة العربية تحت عنوان »لحظة الخليج« يوضح فيه مدي التقدم تقريبا في كل مناحي الحياة الذي جري في دول الخليج العربية؛ ولكن من زاوية نهاية »اللحظة المصرية!.


الموضوع ونتائجه بالتأكيد يحتاج المزيد من الشرح والتفاصيل، ولا يفيدنا كثيرا في مصر المحاجاة عما إذا كان ما يقال عنا صحيحا أو غير صحيح، أو أن موقعنا وتاريخنا وعددنا ومؤسسات الدولة لدينا وإمكانياتنا العسكرية والأمنية تكفينا أم لا، وسواء كان الأمر يخص أشقاءنا في الخليج أم أنه أمر يخص مكانة مصر الإقليمية والعالمية بوجه عام؛ فإن مفتاح الأمر كله هو المدي والعنفوان الذي تصل به نهضة مصر الحالية إلي الدرجة التي تكفينا عن القول والحديث والتغريد. والحقيقة هي أن هناك غفلة عربية عما حدث في مصر خلال السنوات الست الماضية، ولكن الغفلة الأكبر هي أن ما حدث في مصر كان إصلاحا اقتصاديا واجتماعيا وبنية أساسية شاملة تجهز لما هو أكثر خلال السنوات العشر المقبلة. وباختصار فإن تنفيذ »رؤية مصر 2030« بكامل تفاصيلها سوف يسترد الكثير من المكانة المصرية في المنطقة وفي العالم، ويترجم عناصر القوة المصرية المشار إليها من قبل إلي واقع حي ومسموع في مشارق العالم العربي ومغاربه أيضا. صحيح أن هذه النهضة تعرضت لضربة عنيفة من جراء وباء كورونا أخذت جزءا غير قليل من مواردنا الحالية، ودفعنا البلاء إلي الاقتراض من صندوق النقد الدولي بعد أن كنا في غير حاجة إليه اللهم إلا في أمور فنية؛ إلا أن التصميم علي الاستمرار في مسار البناء والتنمية وتحقيق معدلات عالية من النمو يشجعه أن كثيرا من الحصاد ينتظرنا مع وصول الكثير من المشروعات الحالية إلي النضج وطرح الثمار.

نقطة البداية ربما تكون مراجعة الرؤية المصرية مرة أخري علي ضوء ما تحقق بالفعل علي الأرض والاستفادة منه في توليد قوة دفع كبيرة للعمل خلال السنوات العشر القادمة. قبل أسبوع أصدر «مجلس الأطلنطي Atlantic Council» تقريرا بعنوان « تقييم رؤية السعودية 2030 »، علي الأرجح بتمويل المملكة لكي تحدد هي الأخري مدي التقدم الذي جري إحرازه والاستفادة منه فيما يجب عمله خلال المرحلة المقبلة. وفي مصر فإنه لا توجد ندرة في الأفكار التي تناولت تعظيم الاستفادة من البنية الأساسية المصرية التي أنجزت بالفعل حتي ولو كنا ما زلنا نبني ونمد الكثير منها؛ ومنها الاستفادة الكبري في مجال الاستثمار الكبير المصري والعربي والأجنبي، والتوسعات العظيمة في مجال السياحة الإقليمية والعالمية مع تنمية القاهرة التراثية وسلاسل المتاحف والمواقع الأثرية وتجهيزات الشواطئ علي سواحل مصر وخلجانها. تفاصيل كل ذلك وردت من قبل، والمرجح أننا لن نكف عن العودة إليها في إطار توطين التنمية في المحافظات المصرية المختلفة. ولكن هذه قصة أخري، وما يهمنا هنا تأكيده هو إعطاء الاهتمام الكبير لقوة مصر الناعمة في مجالات الثقافة والفنون والآداب التي تمثل الإطلالة الأولي في عالم المتحدثين باللغة العربية علي مصر. لقد خسرنا الكثير، نحن وبقية العالم العربي، عندما باتت الجزيرة، منصة الإرهاب الكبري، هي نافذة العروبة علي العرب والعالم، وعندما سبقت المسلسلات التركية تلك المصرية، وعندما غادرت مهرجانات السينما، ومعارض الرسم، ومسابقات الشعر والرواية، مكانها في مصر إلي دول عربية أخري.

كيف نفعل ذلك تلك هي المسألة هناك بالطبع المؤسسات المصرية من أول وزارة الثقافة إلي هيئات ومجالس الثقافة والحضارة الأخري التي لها خططها ورؤاها؛ ولكن كل هؤلاء مع شكر ما يقومون به من جهد، إلا أننا نحتاج إلي ما يستعيد للقاهرة مكانتها التي تستحقها. الأمر يحتاج إلي دفعة سياسية كبري تماثل تلك الدفعة التي حصلت عليها العاصمة الإدارية، وأنفاق قناة السويس، والمتحف المصري الكبير، وإنهاء وجود فيروس سي في مصر، ومشروعات مقاومة العشوائيات والبناء للفقراء ومحدودي الدخل. الثقافة المصرية هي الطليعة الأولي التي لها آلياتها الخاصة في الانتشار وتوليد عوائد اقتصادية غير قليلة إذا ما جري التعامل معها كصناعات كبري.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]