أيام مع نجيب محفوظ (20)

24-6-2020 | 08:53

 

بعد انتهاء حفل الجمعية المصرية باستكهولم ، فكرنا أنها الليلة الأخيرة في السويد، وسنكون في القاهرة غدًا، فاتخذت وبعض رفقاء الرحلة قرارًا بالذهاب لرؤية " ملكة النور ".. كنا عشية عيد النور، وتوجهنا إلى منطقة إسكانسين (Skansen) لحضور احتفال (سانت لوسيا Santa Lucia).


ومنطقة إسكانسين عبارة عن "مملكة السويد المصغرة" أو نموذج تراثي لكل عصور هذا البلد، بانوراما مفتوحة وحية.. وهي واحدة من أقدم المتاحف المفتوحة في العالم.. وأقدم من مؤسسة نوبل ذاتها.. ويتم في جنباته عرض أنماط العيش في السويد منذ القدم (منذ أكثر من 300 سنة).. الأزياء والحرف والمأكولات.. وتنزل فيه من الجبل ملكة النور ، وكانت ملكة حقيقية من الجمال والفتنة، والتقطت لها صورة وهي في عربة تجرها الخيول وكأني مصور محترف.. في كل سنة من هذه الليلة تطوف فتاة يعتلي رأسها تاج من الشموع لتوقظ النائمين وهذا رمز للتفاؤل بعودة الضوء بعد عتمة الشتاء.

بالنسبة لكل أفراد البعثة الإعلامية، كان الدكتور جودة والدكتور حمدي المرشدان الأمينان في ثلوج استكهولم، أسئلة واستفسارات ودعوات إلى كافيه أو مطعم، السير معنا وسط المدينة في درجة حرارة تحت الصفر وكأننا نتمشى في وسط البلد في القاهرة.. عرفنا وسط المدينة، وأكلنا في مطعم تحت الأرض في منطقة (هيتوريت) وهي المنطقة التي توجد بها قاعة الاحتفالات ب جوائز نوبل .

وجذبنا مبنى البرلمان المقام فوق جزيرة، وفي الجهة الأخرى من القصر الملكي الرئيسي، هذه البحيرة العميقة يمشي فوقها الناس وليس السيارات في الشتاء.

عدنا إلى القاهرة، أخذنا مقاعدنا على الخطوط الهولندية من استكهولم إلى أمستردام صباح الثلاثاء، بعد قضاء أسبوع حافل في السويد، ثم على الطائرة الخاصة إلى القاهرة، وكنا في حالة نشوة حقيقية.. عدنا من بلد متقدم ومتحضر حاز إعجابنا، ولم نكن نعرف عنه إلا قوسًا من تعبيرات متناثرة عن غناه وتفرده.. وأيضا عن أنه صاحب أعلى نسبة انتحار في العالم ، ولم يكن ذلك صحيحا، كانت شائعة أطلقها الرئيس الأمريكي داويت أيزنهاور، واعتذر عنها فيما بعد.

عرفنا أن نسبة الانتحار هناك متوسطة وقريبة من بلاد كثيرة، وربما تزداد بين المهاجرين إليه بسبب الثلج وفصول الشتاء المظلمة، والغريب أو بالمصادفة أن منظمة الصحة العالمية اختارت فيما بعد يوم توزيع جوائز نوبل "يومًا عالميًا" لمنع الانتحار.

بلد يذهب فيه رئيس الوزراء أولف بالم إلى السينما مع زوجته من دون حراسة، ويُقتل وهما خارجان من دار السينما، وذلك قبل سفرنا لاستلام الجائزة بعامين، قُتل سنة 1986.. وكان يذهب إلى مكتبه بالدراجة.. وتركنا هناك أناسا يتمتعون بروح طيبة وشديدة التواضع، وكنا عندما نقول لهم نحن من بلاد نجيب محفوظ ، يقابلوننا بترحاب وامتنان.

وجدنا كل شيء في القاهرة كما تركناه، أكيد أسبوع واحد ليس بكثير، لكن الاحتفاء ب نجيب محفوظ سار بنفس الوتيرة، وأصدرت الحكومة طابعًا بريدًا تذكاريًا يحمل صورته.

أما كاتبنا الكبير فهو مخلص لعاداته بنفس الأسلوب والدأب والإصرار.. مازال يستيقظ مبكرا ويمشي من بيته في العجوزة حتى مقهى "علي بابا" في ميدان التحرير يطالع الصحف التي اشتراها من أمامه، ويشرب فنجان القهوة السادة، والعودة للبيت نحو العاشرة صباحا أو أكثر قليلا.. أما يوم الخميس فهو في "الأهرام".. ولقاءات الأصدقاء كما هي.. لكن التجمعات التي كانت صغيرة في زمن ما قبل الجائزة توسعت.. ولم يعد ممكنًا الانفراد ب نجيب محفوظ لجلسة خاصة أو حوار إلا بشق الأنفس أو بات من رابع المستحيلات.

ولقاء الجمعة انفجر وتحول إلى ست لقاءات أسبوعية معلومة الوقت.. تذهب إلى أي لقاء فيهم لتجد أناسا كثيرة وضجيحا رهيبا.. وشعرت أن نجيب محفوظ الذي كنا نعرفه لم يعد كما كان.. إذا أردت التحدث معه في شيء فهو لا يسمع جيدا ويطلب إعادة ما قلت.. فتقول ثانيةً بصوت عال كثيرا ما كان يتحول إلى ترديد بصوت أحد آخر قريب منه.. وشكوت للأستاذ رجاء النقاش واعتبرت أن الرجل يعيش في جحيم لا يطاق.. أين كان كل هؤلاء الناس قبل نوبل.. فقال لي النقاش: "لا تشك في ذكاء نجيب محفوظ .. هم يسلونه ويساعدونه على الاتصال بالعالم.. ولا يضرونه في شيء تأكد من هذا"، بينما زادت فلاشات الكاميرات من حوله والتي ما فتأ يشكو منها.. وقلت في نفسي إن الضجيج حوله سيتراجع ولن يبقى بعدها سوى الأصدقاء والمحبون الحقيقيون.

وعرفنا أنه فور أن وصل التحويل البنكي بالقيمة المالية للجائزة.. نحو مليون جنيه مصري.. فقد جاء تصرفه فوريًا ومذهلاً.. كنا دائما نسأل جادين أو مازحين والبعض طامعين عما سيفعل بأموال الجائزة.. كان السؤال يُطرح لأول مرة بعد إعلان فوزه بساعتين أو ثلاثة، وفي بيته سألته: "ح تعمل إيه بالفلوس" رد قائلا: اسأل المدام.. وذات مرة قال أمامي فيما بعد وهو يصدر ضحكته المجلجلة، لو جاءت وهو أصغر قليلاً في السن.. والحقيقة لم تظهر عليه أعراض الثراء.

مقالات اخري للكاتب

لمسات الرئيس وحزبه

يبدو أن كثيرين مع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية باتوا يفضلون طرح السؤال عن تأثير فوز أحد المرشحين على العلاقات مع مصر..

التوسع التركي إلى أين؟

من حق الرئيس التركي أردوغان - بل من واجبه - أن يمد ذراعيه لتطال أوسع دائرة ممكنة في الإقليم، وهو لم يخفِ الغايات، وهي أنه لا ينبغي تجاهل تركيا، كما لم يحرص على مداراة الوسائل، وإن كانت لا تكترث بأي أحد أو أي تصورات عند البعض..

في ذكرى يوم العبور

اتخذ النصر في 6 أكتوبر 1973 مسميات كثيرة على لسان المصريين ولكن ظل "يوم العبور" واحدًا من أهمها معنى ومبنى، وصفًا وتجسيدًا، ودقة واتساعًا وشمولاً.. وبات

ضيقة الأزقة مرتفعة البناء

"ضيقة الأزقة مرتفعة البناء"، من كتاب "الفسطاط وضاحيتاها العسكر والقطائع" لعبدالرحمن زكي نقرأ: وقد قال روفس (طبيب إغريقي مشهور نشأ في أفسوس وازدهر اسمه في الإسكندرية في أثناء القرن الأول الميلادي): إذا ما دخلت مدينة فرأيتها ضيقة الأزقة مرتفعة البناء فاهرب منها لأنها وبيئة.

حدائق الفيس بوك

في جلسة خاصة جمعتني بالأستاذ السيد ياسين في معرض القاهرة الدولي للكتاب سألته: كيف يرى استعاضة المصريين عن اللقاء المباشر الحميم بإرسال التهاني والتعازي

القاهرة ـ الخرطوم رايح جاي

أن تستقل قطارًا من محطة مصر في القاهرة يحملك إلى الخرطوم هو حلم صعب ولكنه ليس مستحيلاً.. وهذا الحلم قديم، كما أنه فوق كل مائدة مباحثات بين الحكومتين المصرية والسودانية، حتى تلك الأخيرة في 15 أغسطس الماضي.

سيرة حمدي أحمد .. الفنان والسياسي

حياة الفنان حمدي أحمد تعد نموذجًا لشخصية أسطورية انطبعت على الأيام التي عاشها، ولم تتخل أبدًا عن سماتها المميزة، فهي مزيج من الشخصية المصرية التي تتراوح

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (25)

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل، حيث الندوة الأسبوعية لنجيب محفوظ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.

أيام مع نجيب محفوظ (24)

تشبث منتقدو الأستاذ نجيب محفوظ بسبب رواية "أولاد حارتنا" بتفسيرهم الأحادي للرواية، وهو أنها تطعن في الدين.. وكان لنقاد كثر رأيا آخر في الرواية، لأن "الحارة"

أيام مع نجيب محفوظ (23)

بعد جائزة نوبل التي لم يسافر لاستلامها، جاءت إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ جوائز أخرى إلى باب بيته، ففي العام 1995 زاره سفير فرنسا باتريك لوكلي في منزله،

أيام مع نجيب محفوظ (22)

في تلك الأيام من شهر أغسطس 1990 كان الصديق الأستاذ رجاء النقاش يبدأ في مقهى "علي بابا" تسجيل سيرة حياة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، واستمر التسجيل حتى الأيام الأولى من ديسمبر 91، لتصدر المذكرات بعد ست سنوات في كتاب بات المرجع الأساسي عن حياة محفوظ.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]