التفسير التآمرى للتاريخ

23-6-2020 | 17:42

 
سار جدل صاخب فى الشهور القليلة الأخيرة حول نظرية المؤامرة فى تفسير أحداث التاريخ وذلك بمناسبة سيطرة الوباء القاتل على العقول بما يحمله من غموض البداية وكارثية المسار وتضارب الآراء حول النهاية، ولقد انقسم المعنيون بالأمر بين اتجاهين أحدهما يرى أن الوباء هو نمط جديد من أوبئة اجتاحت البشرية فى فترات مختلفة من تاريخها الطويل، فقد عرف الإنسان أنواعًا من الأمراض المعدية كالطاعون، والجدري، والكوليرا، والسل، والإنفلونزا بأنواعها كما عرف أيضًا أمراضًا قاتلة لا تنتقل بالعدوى ولكنها تنشأ عن صراع ذاتى بين الخلايا فى أنسجة الجسد وأقصد بذلك مرض السرطان، كما عرف الإنسان فى العقود الأخيرة مرضًا آخر يأتى غالبًا من خلال العلاقات غير المشروعة أو غير الطبيعية وأعنى به مرض الإيدز، وأمام هذه الأوبئة والأمراض وعشرات مثلها لم نجد فريقًا يخرج عن السياق ويرى مثلما رأى البعض أن الكورونا وباء مستحدث ومصطنع وأنه جاء نتيجة خطأ فى بعض التجارب المعملية لتخليق فيروسات قاتلة تستخدم عند اللزوم، وفى ظنى أن الأمر أكبر من ذلك وأشمل فهو يؤكد بوضوح أن الثقة مفقودة، وأن الشك متبادل، وأن النيات ملتبسة وأحسب أن الأمر يحتاج إلى إجلاء لمفهوم نظرية المؤامرة فى تحديد مسار التاريخ وتفسير أحداثه لذلك فإننا نطرح الآراء التالية:

أولًا: إن التفسير التآمرى على إطلاقه هو جريمة فكرية وعدوان على فلسفة التاريخ التى تستند غالبًا إلى العقل والمنطق وتمضى وسط صراعات تقوم على الفعل ورد الفعل، فدهاء التاريخ أكبر مما نتصور وأخطر مما ندرك؛ كما أن الارتكان إلى التفسير التآمرى للتاريخ يعنى الاستسلام المطلق للتفكير العشوائى والسقوط فى مستنقع اللاوعى والاعتراف بالهزيمة قبل أن تبدأ المعركة؛ إذ إن ذلك التفسير يعنى أن كل شيء يخضع لفكر المؤامرة وثقافة الخديعة وهما بالمناسبة موجودان فى كثير من زوايا التاريخ وخفاياه ولكن من العبث التسليم المطلق بهما والاعتماد الكامل عليهما.

ثانيًا: إنه رغم عدم حماسى للتفسير التآمرى للتاريخ فإننى أزعم أن المؤامرة موجودة فى المسار الإنسانى منذ بدايته بدءًا من الجريمة الأولى فى فجر ميلاد البشرية عندما قتل الأخ أخاه ورأى غرابًا يدفن موتاه فقلده الإنسان فيما فعل كما نص القرآن الكريم، وإلى يومنا هذا والمؤامرة قائمة، فهناك من يرى أن سقوط الخلاقة الإسلامية التى كان العثمانيون يمثلون آخر حلقاتها كانت عملًا تآمريًا ضخمًا شارك فيه مصطفى كمال أتاتورك ابن إقليم سالونيك اليونانى بل ويشكك الكثيرون فى الأصول الدينية للغازى مصطفى كمال، كما أن سقوط الاتحاد السوفيتى السابق وانهيار الكتلة الشيوعية يراه البعض أيضًا نتيجة مؤامرة طويلة بدأت بحركة التضامن التى دق فيها (فاونسا) أول مسمار فى نعش منظومة الدول الشيوعية مدعومًا من البابا الراحل يوحنا بولس الثانى بمساندة من أجهزة الاستخبارات الغربية مع دور بريطانى أسهمت فيه المرأة الحديدة (مارجريت ثاتشر)، وهناك أيضًا عشرات الأحداث التى ينطبق عليها الأمر، فمقتل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (جون كيندي) عام 1963 هو الآخر مؤامرة محبوكة للغاية ومازالت غامضة حتى اليوم وقد تظل كذلك؛ بل إن هناك من غلاة المتطرفين من يشيرون فى تردد وخوف إلى سقوط برجى التجارة فى نيويورك عام 2001 باعتباره أيضًا عملًا تآمريًا واسع الآفاق معقد الأبعاد أدى إلى تحول جذرى فى السياسات الدولية والإقليمية، وأستدرك هنا فأقول ربما لا يكون الأمر كله كذلك ولكننى أدعى أنها تفسيرات تعشش فى عقول كثير من البشر بل ونسبة لا بأس بها من المؤرخين والمعنيين بدراسة فلسفة التاريخ.

ثالثًا: إننا يجب أن نسلم بأن التفسير التآمرى للتاريخ على إطلاقه هو جريمة فكرية كما أن إنكار وجود المؤامرة وراء كثير من أحداثه هى الأخرى جريمة على الجانب الآخر؛ إذ إن الأمر فى ظننا يقوم على أن الصراع بين البشر وصدام المصالح بين الدول بل والأفراد يؤدى بالضرورة إلى ميلاد فكر المؤامرة وتطبيق أبعادها، ولكن ذلك لا يعنى إطلاقًا أنها المتغير المستقل لحركة التاريخ أو أنها المؤشر الأوحد لأحداثه الجسام بل يجب أن نقرر فى شجاعة أن التفسير الحقيقى للتاريخ يقوم على التسليم بوجود المؤامرة أحيانًا ولكنه يرفض إقحامها فى تفسير كل ما جرى بلا وعى أو دراسة، لأن ذلك يعنى عملية تسطيح للواقع وتشويه لإرادة البشر.

هذه رسالة موجزة أوجهها وسط الجدل الدائر بين من يتحمسون للتفسير التآمرى للتاريخ، وبين من ينكرون وجود المؤامرة فيه أصلًا، ولست أزعم أننى أستطيع الانحياز لأى الرأيين انحيازًا كاملًا ولكن دعنى اعترف بأن هواجس كثيرة قد بدأت تتقمص شخصيات عديدة من المثقفين والمفكرين والعلماء الذين بدأوا نتيجة لأحداث كورونا المؤلمة يدركون أن فى الأمر شيئًا لا نعرفه حتى الآن، وأن هناك مسافات فارغة بين السطور تطرح تساؤلات كثيرة تجعلنا نفكر بأسلوب مختلف لا يخلو من قلق وشك وخوف من المستقبل وما يأتى به، إن البشرية فى مفترق الطرق فإما أن تمضى وراء الأوهام والأخبار المرسلة والشائعات المغرضة حتى تنعدم الثقة بين الكيانات البشرية من أمم ودول ومجتمعات أو نصبح فى حالة ضبابية لا يستطيع أحد التنبؤ بما يمكن أن تنتهى إليه، إن الاستغراق فى التفسيرات الهلامية والتحليلات المتضاربة والأخبار المتناقضة قد أصبح عبئًا علينا يفوق عبء الوباء نفسه ذلك فإنه لابد من نظرة موضوعية وفكر سليم لترشيد رؤيتنا حول القضايا الأساسية وفى مقدمتها مستقبل البشرية نفسه والذى أصبح الآن فى مهب الريح!.
نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]