شدة الغربال .. ويقظة النخوة الإنسانية؟!

23-6-2020 | 00:04

 

يبدو أن بعض الكلمات المأثورة المتداولة على لسان الشعب المصري وصارت في حكم "الأمثال" المُعتمدة من الذائقة الوجدانية الشعبية؛ يكاد أن يكون لها ظل مؤكد من الحقيقة ينعكس على واقع الأحداث التي نكابدها خلال معاملاتنا اليومية؛ فهناك المقولة المتوارثة عن الأجيال السابقة وفحواها يقول: "الغُربال الجديد.. لهُ شدَّة"!



والغُربال الجديد هُنا.. هو الساعات الأولى من الإعلان عن هجوم "فيروس كورونا" على ملايين البشر في جنبات الكرة الأرضية ومنها مصر بالطبع؛ ومع متابعة ردود الأفعال المتباينة ـ كالمعتاد ـ من شتى شرائح المجتمع؛ رأينا تسابق ـ بعض/أقول بعض ـ رموز الفن والرياضة و رجال الأعمال والنقابات؛ إلى التبرع بالأجهزة الخاصة بالمستشفيات والمعامل؛ أو الإعلان ـ المُتباهي ـ من بعض الفنانين أو نجوم كرة القدم؛ عن إعانة ـ بعض ـ الأسر الفقيرة التي أصيب عائلها الوحيد وتقطعت بهم سُبُل الرزق في ظل فترة الحظر ومحاصرة الوباء لتحركاتهم ـ مع مراعاة ظهور "غُـدَّة النخوة الإنسانية" ـ المتورِّمة ـ التي تصاحب شهر رمضان المعظم ـ ثم سرعان ماخَبَتْ وانطفأت جذوة الحماس والمساندة الوقتية جراء "شدِّة الغربال"، وعاد الجميع إلى الهدوء والسكينة وكأن شيئًا لم يكُن، أو أن لسان حالهم يقول: إحنا عملنا اللي علينا.. وعلى الدولة أن تُكمل المشوار إلى النهاية !

وفي اعتقادي أن هذا الانصراف عن مساندة الدولة في هذا الوقت العصيب؛ إن دل على شيء فإنه يدل على طبيعة البشر التي تتفاعل ـ لحظيًا ـ بشدَّة أمام الخطر المُحدق كلحظة الزلزال؛ فيتم التلاحم بين قلوبهم ومشاعرهم وسلوكياتهم؛ حتى لتظن أنه لا فكاك إلى الأبد من هذا الشعور الجميل والنبيل والأصيل، ثم تصطدم بتفشي الفتور والتكاسل وذهاب كلٌ إلى حال سبيله؛ برغم وجود شبح الموت على باب كل بيتٍ في المدينة !

وإذا جاز لكل منا أن يراقب ويسجل من موقعه ملاحظاته على ما يدور فإنني من موقعي الذي أرصده ـ وهذا ليس تحيزًا أو تملقًا ـ لأنني أعمل في جنباته كأستاذ بأكاديمية الفنون؛ رأيت مدى المعاناة التي قام بها الزملاء بقيادة وتوجيهات الفنان/د.أشرف زكي؛ رئيس الأكاديمية ـ وبوصفه أيضًا نقيبًا للفنانين ـ في محاولات توفير أماكن العزل الصحي للمصابين بالفيروس اللعين، ومتابعة احتياجات أسر "المتوفين" منهم داخل وخارج المستشفيات.

وهو الأمر الذي حدا بي إلى التفكير في طرح بعض الأفكار التي تخفِّف العبء عن كاهل الدولة وقت الأزمات الطارئة والفجائية؛ وتلقي بالمسئولية الكاملة على منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية بتكوين تجمعات لكل فئة.. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: "تخصيص" مستشفى مركزي بجميع التخصصات لكل من: الفنانين (الممثلين) مع إيجاد فروع بالمحافظات، الموسيقيين والمطربين، الفنيين العاملين بصناعة السينما ؛ مع توفير وتجهيز فروع لكل فئة بالمحافظات.

وفي حال تطبيق وتفعيل هذه المطالب المشروعة؛ لن يكون هناك مجال لأية اعتذارات عن عدم وجود مستشفيات تكفي لهذا الغرض؛ فمن الممكن تخصيص "أجنحة ملحقة" متكاملة ـ في المستشفى الواحد ـ لكل فئة على حدة؛ لضمان وصول الخدمات الصحية لمستحقيها بالسرعة نفسها والأمانة الواجبة للحفاظ على كرامة وقيمة الفنان في شتى المجالات الفنية.

والدعوة ـ بالطبع ـ مفتوحة لكل تشكيلات النقابات المهنية في الصحافة والتليفزيون والقضاء، لإثبات تضافر وتلاحم كل الشرفاء في المشاركة الإيجابية الجادة مع الدولة فيما تمر به من عقبات.

وبهذا يصبح من حق كل مريض التوجه مباشرة وتلقائيًا إلى أقرب مركز علاجي تابع له؛ متوجها (بتحقيق الشخصية وكارت المتابعة العلاجية)؛ دون انتظار مرافقة "مسئول"، أو تحويلات مالية، أو توقيعات، أو موافقات نمطية؛ تستهلك الوقت والجهد والمال والصحة.. وربما العُمر في حال اتباع الخطوات الروتينية البيروقراطية المكتبية العقيمة؛ وهي التي باتت لا تصلح في عصر الميكنة والتكنولوجيا وشبكات التواصل العنكبوتية !

لابد من صحوة شرفاء الوطن ويقظة النخوة الإنسانية طوال العام، فنحن في شدة حقيقية لا وقت لنضيعه على التباهي الظاهري فلا أحد في مأمن من الإصابة بخطر صحي يقعده عن ممارسة حياته الطبيعية، وقتئذ سيندم القادرون من أغنياء هذا البلد و رجال الأعمال الذين يجنون ثرواتهم من خيرات مصر، على سرسبة الفرصة من بين أيديهم حين كان بمقدورهم تقديم يد العون للدولة تحسبًا لوقوعهم تحت براثن الخطر والمرض حينها سيجدون كل معين.. فمن قدم السبت.. وجد الأحد في انتظاره.. ألا توافقونني؟!
...................................................................
أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

مقالات اخري للكاتب

الشرطة والقوات المسلحة .. وجهان لعملة الحماية لمصر

سيهل علينا عيد الأضحى المبارك، وسيظل رجال الشرطة والقوات المسلحة يمارسون عملهم في توفير الأمن والحماية لمواطني هذا الشعب بكل التفاني والإخلاص، في حين ننعم نحن بقضاء عطلة العيد مع أسرنا، بفضل الإحساس بالطمأنينة بفضلهم..

التحرش وسنينه!

التحرش وسنينه!

"حنو" الرئيس .. و"ثمار" العدالة الاجتماعية

لماذا اختار الرئيس عبدالفتاح السيسي كلمة "الحنو" حين وجه حديث الطمأنة إلى المصريين في وقت عصيب قائلا، إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه! من يحتاج إلى الحنو

ثورة الفـن .. وثورة يونيو!

أكتب إليكم كلماتي .. مع رشفاتٍ هانئة من فنجان قهوتي المُفعمة بطعم الهيل؛ وأنا بحجرة مكتبي وحولي صحبتي وأصدقائي الأعزاء من أمهات الكتب التي صنعت الوجدان المصري وقوته الناعمة.

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

تسونامي كورونا.. شكرًا!

يجب أن نعترف أننا لم نعطِ اهتمامًا واجبًا وكافيًا لصرخة الأديب الروائي الكبير/يحيى حقي؛ في روايته التي تُعد بمثابة النبوءة والمعجزة في الحياة الأدبية الثقافية

الإعلام .. رسالة والتزام!

أعتقد اعتقادًا راسخًا - وبقناعة تامة - أن المجتمع المصري في المرحلة الحالية - وبخاصة في ظل اجتياح فيروس "كورونا" - أصبح في أشد الحاجة إلى الكوادر المؤمنة

عن الدراما .. والمسئولية الوطنية!

أغلب الظن أن الفنانين من صناع الدراما في التليفزيون المصري؛ سيتوقفون طويلا - بالنقد والتحليل - أمام تداعيات رجع الصدى في الإحساس الجمعي المصري والعربي؛

دماء الشهداء .. والحُزن النبيل!

بادئ ذي بدء.. أنا لست من دُعاة التجهُّم والحُزن وارتداء قناع الكآبة؛ للإعلان عما يعتمل في أعماقي من مشاعر تجاه حادث (ما) جلل؛ يقع على ساحة الشارع المصري

رمضان (الكريم) .. والتنمر!

في مقولة شهيرة للعارفين ببواطن أمور وأسرار العقلية العربية بشكلٍ عام، والمصرية بشكلٍ خاص إن "الجواب يقرأ من عنوانه"؛ أي أنه ينبئ عن المحتوى قبل فض المظروف!

البالطو الأبيض .. وتأثير الأغنية في الوجدان الشعبي

اعتاد الشعب المصري والعربي في كل العصور؛ أن يلجأ بوجدانه التلقائي إلى ترجمة انفعالاته ومشاعره في الأحداث التي تمر به من تقلبات الحياة اليومية الاجتماعية

ماذا جرى لكم .. يامصريين؟!

رجاءً من القلب.. ألا تقطِّبوا جبينكم دهشةً واستنكارًا لما حدث في مسألة الاعتراض على دفن الطبيبة المتوفاة بـ "فيروس كورونا" بإحدى القرى في محافظة الدقهلية

مادة إعلانية

[x]