النموذج الياباني في التصدي لـ"وباء كورونا"

22-6-2020 | 00:08

 

فى مساء يوم 11 يونيو الحالي، تابعت على الهواء مباشرة فرحة اليابانيين، عندما انطفأت الألوان التحذيرية الحمراء، التي كانت تضيء معالمها، إيذانًا بعودة الحياة إلى طبيعتها، وبعد أن أصبح تفشى وباء كورونا الجديد، كوفيد- 19 تحت السيطرة. عودة الحياة إلى طبيعتها في اليابان تعني - باختصار - رفع القيود المفروضة على الأعمال التجارية وإعادة فتح المدارس، والتنقل بين المحافظات، والسماح للمحال والمطاعم ودور السينما وصالات الألعاب الرياضية ومتاجر البيع بالتجزئة وصالات الكاروؤكي (الغناء) والحانات، مع مراقبة الوضع قبل الانتقال للخطوة التالية.

 
الخطوة التالية ظهرت في الإعلان عن تخفيف قيود الدخول إلى الأراضي اليابانية من دول ومناطق تمكنت من السيطرة على عدوى فيروس كورونا مع الإبقاء على شروط محددة، مثل: ألا يستخدم القادمون وسائل النقل العام داخل اليابان، الخضوع لفحوص فيروس كورونا (PCR) قبل القدوم وعند الوصول لإثبات عدم حملهم للفيروس، إبقاء سجلات رقمية لتحركاتهم على هواتفهم المحمولة لمدة أسبوعين.
 
وقد دشنت الحكومة اليابانية تطبيقا إلكترونيا للهواتف المحمولة مصمما لإخطار الناس فى حالة تواصلهم مع أشخاص جرى التأكد من إصابتهم بفيروس كورونا.
 
وبدأت الحكومة اليابانية التفاوض بشأن تخفيف قيود الدخول لأراضيها للقادمين من تايلاند وفيتنام وأستراليا ونيوزيلاندا، ومتوقع تنفيذها مع فيتنام أواخر يونيو.
 
وبمناسبة ذكر اسم نيوزيلاندا ضمن الدول التي تتفاوض معها اليابان بشأن تخفيف شروط دخول القادمين منها، كنت أتمنى أن تشمل قائمة شرف الشعوب الرائدة في احتواء الجائحة، نيوزيلندا، أقصى الحدود الشرقية للعالم، وقد شرفت بزيارة هذه الدولة - النظيفة والآمنة - في عام 2004، ورأيت بعيني في مطار العاصمة، ويلنجتون، مدى الدقة والحرص والتشدد - بغير حدود - في تفتيش القادمين للبلاد.
 
قبل يومين من إعلان اليابان عودة الحياة إلى طبيعتها، رفعت نيوزيلاندا كل القيود المفروضة لاحتواء تفشى فيروس كورونا، باستثناء الإجراءات المشددة لدخول البلاد، والسبب أنه لم يبلغ عن حالات إصابة جديدة منذ 23 مايو، حتى يوم 9 يونيو الحالي، وأن آخر مصاب بالفيروس قد تعافى، وقالت رئيسة الوزراء الشابة، جاسيندا أرديرن: " نحن واثقون من أننا قضينا على عدوى كورونا في نيوزيلندا".
 
وقد تخطى عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا عالميا مستوى 8.5 مليون مصاب، وأظهرت أحدث الأرقام - التي جمّعها باحثون بجامعة جونز هوبكينز بالولايات المتحدة - أن حالات الإصابة حتى الساعة السادسة مساء الجمعة، 19 يونيو، بلغ 8550458 مصابا، بينما بلغ عدد الوفيات 456881 متوفيًا.

وسجلت الولايات المتحدة 2205307 حالات إصابة وهو عدد أكبر من أي دولة أخرى. وتليها البرازيل بـ978142 ثم روسيا بـ568292 ثم الهند بـ380532 ثم بريطانيا بـ303281.
 
كما سجلت الولايات المتحدة - أيضا - أعلى حصيلة وفيات في العالم إذ بلغت 118758 حالة وفاة، وسجلت البرازيل 47748 حالة، تليها بريطانيا 42546 حالة، ثم إيطاليا بـ34561 حالة، ثم فرنسا 29606 حالة.
 
فى الوقت نفسه، توقعت دراسات البنك الدولي أن الاقتصاد العالمي سينكمش بنسبة 5.2% هذا العام 2020، وهو ما يمثل أكبر هبوط منذ الحرب العالمية الثانية، وسوف تصل نسبة الهبوط إلى 6.1% في الولايات المتحدة واليابان، 9.1% فى منطقة اليورو، فيما يحقق الاقتصاد الصيني نموا نسبته 1% فقط، وهو أدنى معدل منذ 44 عاما.
 
أعود للحديث عن تجربة اليابان المميزة في التصدي لـ"وباء كورونا" الجديد، استكمالا لنماذج، ناجحة ومبهرة، كتبتها في المقالات الأربع السابقة، شملت: الصين وفيتنام وكوبا.
 
سر نجاح اليابان في احتواء تفشي فيروس كورونا الجديد يكمن في الإجراءات الفعالة التي اتخذتها الدولة، منها على سبيل المثال وليس الحصر: استخدام أسلوب الاستجواب لتقصى أثر بؤر الإصابات، الطلب من الشعب الامتثال للإجراءات، وعرض تسويات، والضغط الاجتماعي بدلا من إصدار الأوامر وفرض عقوبات قانونية.
 
أيضا، يعود السر إلى أن الممارسات الصحية لأفراد الشعب الياباني مثل: ارتداء الكمامات حتى عند الإصابة بالزكام فقط، وخلع الأحذية عن الدخول للمنزل.
فى الوقت نفسه، جرى إعطاء حكام محافظات اليابان - الـ 47 - قدرًا كبيرًا من السلطة لتنفيذ الإجراءات واتخاذ القرارات وعمل التدابير الواجبة، منها على سبيل المثال: قيام محافظ هوكايدو، سوزوكي ناوميتشي، بإعلان إغلاق جميع المدارس الابتدائية في 26 فبراير 2020، قبل إعلان الدولة، وبعد يومين، أعلن المحافظ سوزوكي (39 سنة) حالة الطوارئ في المحافظة، مما جعل اسمه معروفًا في كل أنحاء اليابان.
 
بقى أن أشير إلى مفارقة إحصائية يابانية، حديثة ولافتة للنظر، في الوقت الذي يزداد فيه الحديث عن الظروف الصعبة التي يعاني منها العاملون بالقطاع الصحي والطبي في مختلف أنحاء العالم.
 
فقد أظهرت نتيجة مسح سنوي تجريه إحدى الشركات اليابانية منذ عام 1999 بخصوص الوظائف التي تحلم بها تلميذات الصف الأول الابتدائي بالمدارس اليابانية، أنهن يفضلن العمل في الوظائف المتعلقة بصحة الناس وسلامتهم، أي أن تصبح الفتاة ممرضة أو صيدلانية أو طبيبة أو إخصائية طبية، أو ضابطة شرطة.
 
الأسبوع المقبل، بإذن الله، سوف أعرض لأهم ما جاء في التقارير القيمة التي أصدرها المركز المصري للدراسات الاقتصادية (ECES) بشأن تداعيات أزمة فيروس كورونا الجديد على مصر، وتحديدا مدى التأثير في القطاعات الإنتاجية والخدمية الحيوية، وعلى أهم المتغيرات الاقتصادية الكلية.
 
Kgaballa@ahram. org. eg

مقالات اخري للكاتب

أبعاد التصعيد الأمريكي ضد الصين

في محاولة للفهم، من وجهات نظر قد تبدو محايدة، أعرض لمقتطفات من رأيين متعارضين نشرهما في جزأين الموقع الإلكتروني الياباني "نيبون دوت كوم"، بعنوان: "مفترق

إطلالة على مسار العائلة المقدسة

في يوم 23 نوفمبر الماضي، لبيت دعوة كريمة، كنت أتوق إليها منذ وقت طويل، لزيارة واحدة من أهم المناطق الروحية المحببة للمصريين عموما، وللأشقاء من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية خصوصا، وهي نفسها إحدى العلامات المضيئة لمسار العائلة المقدسة، التي تستهدف جذب 2.3 مليون حاج مسيحي سنويا.

حصاد وافر وسخي لفيتنام في عيدها الماسي

مناسبتان أنتظرهما بفارغ الصبر كل عام لرصد نهضة جمهورية فيتنام الاشتراكية، أولاهما: تتعلق بحلول الذكرى السنوية لإقامة العلاقات الرسمية والثنائية بين مصر وهذه الدولة الآسيوية الفتية، والثانية: الاحتفال بيوم عيدها الوطني وتقديم ما يمكن وصفه بكشف حساب شامل وحصري لمظاهر وأسباب نموها المتسارع والمدهش.

لو كان نيكسون على قيد الحياة؟!

هنيئا لشعوب الدول الفقيرة والنامية، حيث تبدأ كوبا اليوم، 24 أغسطس، التجارب السريرية للقاحها ضد كوفيد-19، والتي ستكون نتائجها متاحة في يناير المقبل.

كورونا .. الالتزام الشعبي أقوى من القانون

هذا العنوان أنقله نصا عن موقع إلكترونى ياباني، في معرض رصده للالتزام الطوعي بالبقاء في المنزل، مقارنة بلجوء دول أخرى لإصدار الأوامر وحظر التجوال وتشديد العقوبات وفرض الإغلاق الكامل، للحد من انتشار فيروس كورونا.

توماس فريدمان .. وأسوأ وزير خارجية أمريكي

قابلت الكاتب الشهير توماس فريدمان مرة واحدة، كان ذلك فى حفل استقبال محدود للغاية، جرى تنظيمه بمقر إقامة ملحق الإعلام الأمريكى بالقاهرة، عقب صدور كتاب فريدمان "السيارة لكزس وغصن الزيتون" فى عام 1999.

هل تشتعل الحرب بين أمريكا والصين؟

طبول الحرب بدأت تتردد عاليا على ألسنة مسئولين أمريكيين، وفي مقدمتهم، التصريح الأخير لوزير الدفاع الأمريكى، مارك إسبر، بأن واشنطن تقوم بتجهيز قواتها فى جميع أرجاء آسيا وتعيد تمركزها استعدادا لمواجهة محتملة مع الصين.

هونج كونج وعمرو موسى .. وأنا

فى مشوارى الصحفى الممتد لأكثر من أربعة عقود، قابلت، واستمعت إلى السيد عمرو موسى فى مناسبات عديدة ، غير أن المرة الوحيدة التى أجريت فيها حوارا صحفيا معه للنشر بـ"الأهرام" كان فى هونج كونج، يوم 30 يونيو عام 1997.

نحو حرب باردة جديدة

بفضل رسالة رقيقة، تلقيتها من السفيرة منحة باخوم، المتحدث الرسمى الأسبق باسم وزارة الخارجية، جاءتني فكرة كتابة هذا المقال لاستشراف ما ألمحت إليه الدبلوماسية القديرة منحة بـما أسمته "الآفاق السياسية والإستراتيجية.. فى ظل نظام عالمى جديد يتشكل .. تلعب فيه الصين دورا محوريا".

اليوم .. العرب والصينيون في انتظار المزيد

ماذا يريد العرب من الصين.. وماذا تريد الصين من العرب؟ سؤال مطروح للنقاش اليوم، أمام الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي - الصيني عبر دائرة الفيديو؟

دروس مستفادة للقضاء على الفيروس والفقر

هل تصلح تجربة الصين فى الانتصار على فيروس كورونا، والقضاء على الفقر، وتحقيق أعلى معدلات للنمو المتواصل،على مدى العقود الأربعة الماضية، للاقتداء بها في عدد من دول العالم، ومن بينها مصر؟

[x]