مكر التاريخ

21-6-2020 | 16:21

 

تأخذ الاحتجاجات الغاضبة بسبب مقتل الشاب الأسود جورج فلويد في طريقها أشياء سيئة وأخري جيدة، وفق ما طرحته في اجتهادات أمس. يحمل الغضب العارم في هذه الاحتجاجات خطر الإبداع الفني الذي لا يصح تقييمه وفق مواقف سياسية، بل علي أساس معايير جمالية. وربما لا يكون فيلم ذهب مع الريح الضحية الوحيدة لهذا الغضب.

فقد تذكره الغاضبون لأن الإعلانات عن إدراجه ضمن العروض السينمائية في باريس، مع إعادة فتح دور السينما ، لفتت الأنظار إليه. وهناك عدد كبير من الأقلام السينمائية، وكذلك الروايات وغيرها من أشكال الإبداع، مستلهمة من مرحلة العبودية التي اتُخذت إطارا تاريخيا لأعمال إبداعية، ولكنها ليست موضوعها.

وربما تدخل هذه الأعمال في دائرة الخطر إذا ازداد جموح بعض المشاركين في الاحتجاجات أو مؤيديها، وهذا دليل جديد علي أن التاريخ لا يمضي في اتجاه واحد، بل في خط بياني متذبذب، كما أن هذا التذبذب لا يحدث فقط في صورة تقدم في مرحلة وتأخر في أخري، بل نجده في اللحظة نفسها كما هو الحال الآن في الاحتجاجات التي تُحرز تقدما في مواجهة استمرار الممارسات العنصرية، ولكنها ربما تعيدنا إلي الوراء في قضية حرية الإبداع والتعبير. إنه مكر التاريخ ، ذلك المفهوم المراوغ الذي كان فريدريك هيجل أول من بلوره، انطلاقا من اعتقاده في أن التاريخ حالة مستقلة عن إرادات الأفراد، ولا يتأثر بها في كل الأحوال، بل يمضي في اتجاه مختلف عنها في غير قليل من الحالات.

وبرغم أن سعي ماركس إلي مارآه تصحيحا لفلسفة هيجل لكي تقف علي رأسها بدل قدميها، يشمل هذا المفهوم، لا نجد اختلافا جوهريا بينهما. فقد تصور ماركس أن البشر يؤثرون في حركة التاريخ ويصنعونه، ولكن بشرط وجود العوامل الاقتصادية والاجتماعية اللازمة عنده لكي يصبح التاريخ رهن ا لإرادة الإنسانية . وهذا شرط لا يتحقق قي كل وقت، ولا يتيسر بالتالي للبشر أن يحددوا مسار التاريخ دائما. فإذا تحركوا لدفعه إلي الأمام في قضية المساواة، قد يأخذونه إلي الوراء في مسألة حرية الإبداع، كما يحدث الآن.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]