"ميريت" هي تطوير لـ"الثقافة الجديدة".. سمير درويش: نحن نحتاج لثورة ثقافية شاملة وليس تجديدًا للخطاب

19-6-2020 | 22:50

سمير درويش

 

محمد حربي

**أقترح الموضوعات بعد المناقشة مع فريق العمل، وأصمم الغلاف وأختار النصوص

**الهزيمة ثقافية قبل أن تكون عسكريةو ولا بد أن نتذكر النكسه لأنها لحظة مفصلية في حياتنا

**نحن مجلة مستقلة للتنوير وتجديد الخطاب الفكري والثقافي، يديرها متطوعون ينفقون عليها من دخولهم الصغيرة

**العرب يمثلون ربع مساحات النشر في المجلة، ونركز على إبداع المغرب العربي ودول الهلال الخصيب

**نصف الساحة الشعرية العربيه لا تزال "تفعيلية" الهوى

منذ ١٨ شهرًا انطلقت في مصر على الفضاء الإلكتروني مجلة ثقافية جديدة عن دار نشر "ميريت"، تحمل الاسم المصري القديم نفسه، وترفع لواء التنوير الثقافي. قدمت المجلة حتى الآن ما يشفع لها بالبقاء في ظل ظروف صعبة للغايه للعمل الثقافي، وفي ظروف اقتصاديه يصعب معها على القطاع الخاص ودار نشر متوسطة الحجم أن تطلق مجلة ثقافية تنافس بها مجلات الدولة. فما الذي قدمته ميريت للحركة الثقافية؟ هل قدمت نهجًا جديدًا يحتلف عما تقدمه مجلات الدوله؟ أم أعادت إنتاج الأفكار ذاتها للمجلات التي تحاول الإطلال على كل شيء، وتتيح مساحة لإنتاج المعرفه من دون تورط في التخصص الذي بات منطق العصر الآن؟

هل نجحت ميريت في أن تكون مجلة مصريه تعبر عن الحراك الإبداعي والثقافي في مصر والعالم العربي وأن تكون ساحة للحوار بلا إقصاء؟

 الاجابات تختلف والجدل مستمر، فهناك من يتهم المجلة بأنها مجلة الدولة في ثوب خاص، وهناك من يتهمها بأنها مجلة الشلة وجماعة أصدقاء تنتمي إلى جيل ثقافي واحد– مع تحفظي على فكرة الأجيال في نسختها العربية، والتي تجعل عمر الجيل عشر سنوات!

 قبل أن نتورط في إطالة حبل الأسئلة نتوقف ونقدم بعض الجدل الدائر في أسئلة للشاعر سمير دويش رئيس تحرير ميريت الثقافية، ليقدم تصوره عن المجلة وكيف انطلقت وكيف يتم النشر فيها وما هي الهوية الثقافية التي تنطلق منها وما هي مواقفها في قضايا تجديد الفكر وقضايا المرأة من منظور ثقافي؟ وما هي الصعوبات التي واجهت ميريت الثقافية؟

هذه بعض أسئلتنا ومحاوفنا من توقف المجلة، وهده إجابات درويش، الذي كانت له تجربة متميزة في إدارة مجلة الثقافة الجديدة، التي تصدر عن قصور الثقافة منذ سنوات، وجاءت ميريت لتحقق له استمرارية التجربة، وهذا نصر.

 الحوار حول "ميريت" وخطابها بدأناه بخطاب العدد الأخير الصادر في الأول من يونيو الجاري وخصص ملفًا عن نكسة يونيو ٦٧:

سؤال النكسة


* لماذا نتذكر النكسة الآن؟ ولماذا قررت في مقالك الافتتاحي أننا لم نخرج بعد من آثارها النفسية وكيف يمكن الخروج؟

- نتذكر الهزيمة الآن، ودائمًا -كما تتذكر كل شعوب الأرض لحظاتها المفصلية- لعدة أسباب، منها: أن وقعها على المصريين والعرب كان صادمًا، فاق توقعات أكثر المتشائمين، على الأقل بحسابات الأعداد التي كانت مهمة في الحروب التقليدية، وحسابات التاريخ والتماسك الاجتماعي والمحيط الجغرافي الذي يلعب في صالح القوى الأكبر دائمًا.

والصدمة -أي صدمة- تكبر وتصغر حسب اتساع الفجوة أو ضيقها بين المتوقع والواقع، فحين تتصور كمصري- عربي أن بإمكانك (إلقاء إسرائيل ومن وراء إسرائيل في البحر)، وأن الإنجليز إذا غضبوا فعليهم أن (يشربوا من البحر، وإن لم يكفهم الأبيض فليشربوا من الأحمر)، وحين يقول الزعيم القوي -في نظر شعبه- أنه (مش خرع) مثل إيدن! فإن هذا الخطاب يرفع توقعات الناس إلى أقصى مدى، فماذا لو استيقظوا على ضياع شبه جزيرة سيناء بالكامل في عدة ساعات؟

لاحظ أنني لا أناقش الأسباب والمعطيات الآن، وقد نتفق ونختلف حولها، لكني أصف حالة المصريين والعرب قبل وبعد الخامس من يونيو 1967، وهو ما أدى إلى دخولنا جميعًا حالة اكتئاب عميقة نتيجة شعورنا بالضعف، وخيبة أملنا في الدولة الصاعدة التي كانت تعد بالكثير، وبالفعل فإن خطابنا تجاه إسرائيل تغير منذ تلك اللحظة.

* لكن البعض سيقول لك وماذا عن انتصار اكتوبر؟

- صحيح أن حرب أكتوبر 1973 أزالت جزءًا مهمًّا من الوقع النفسي للهزيمة الثقيلة، لكنه لم يكن كاملًا لأننا لم نستطيع إزالة العدوان كاملًا بالقوة، كما جاء بالقوة، واضطررنا إلى الذهاب لموائد المفاوضات، وبشروط وتدخلات وسقف طموحات، أقلها وأهمها قبول إسرائيل كواقع، لا أقول لك رأيي هنا كونها واقعًا أم لا، ولكن أشير إلى نتيجة مهمة من نتائج يونيو التي لم تمح في أكتوبر مع الأسف.

* لم تكتف بمقال افتتاحي بل وضعتم ملفًّا ثقافيًّا مميزًا عن النكسة هل ترون أننا في نكسة ثقافية منذ الستينيات؟ وهل ثمة ثقافة وراء الهزيمة وهل تخلصنا منها الآن؟

- الهزيمة -أية هزيمة- ثقافية أولًا، لأن ثقافة المجتمعات وفهمها للعلاقة بين الناس من ناحية، وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم من ناحية أخرى، هي التي تحدد مسار التنمية والحقوق والواجبات وما يجب وما لا يجب، ونحن كمصريين -حسب متابعتي- قصيرو النفس ولا نريد أن ندفع الثمن كاملًا، ونستسهل إلقاء همومنا على أقرب كتف ونوكله بالعمل بدلًا منا، وهي الحالة التي كانت سائدة بوضوح أكبر وقت عبد الناصر، لأن الجموع وجدت فيه صورة الزعيم الوطني الذي تطلعت إليه، لانحيازه للفقراء وإصدار قانون الإصلاح الزراعي، والتأميم والتمصير، وقوانين يوليو الاشتراكية التي أعطت أملًا للفقراء، إلى جانب بناء السد العالي وتأميم القناة، وغيرها من الإنجازات المهمة.

ثقافة الجماهير لم تدرك أن الضمانة الوحيدة لاستمرار نجاح أي تجربة، هي المراقبة والمحاسبة والمساءلة، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة كما يقولون، وعبد الناصر -أو غيره- إن كان ملاكًا ولم يشعر بأن وراءه عيونًا تراقبه، سينحرف عن الطريق. ليس لديَّ -كمثقف- أي إشكال في أن تحب القائد والرئيس وتهتف له، لكن بشرط أن تطالبه بما يجب أن يقدمه من معلومات وشفافية، وأن تحرس المؤسسات بالانفتاح الفكري وإتاحة المجال للأصوات المعارضة، وعدم إضرار الناس على خلفية آرائهم، ما لم يستخدموا العنف.

الثقافة الستينية الطاغية كانت موالية، فقد كتب شاعر كبير يقول: "حلوين أوي كده وحياة ربي.. يا حبايبي بقولها من قلبي"، لكن كانت هناك اضطهادات للأصوات المختلفة، واعتقالات تم الاعتراف بها لاحقًا، وتعذيب أدى إلى إزهاق أرواح مثقفين في السجون، رغم أن بعضهم -وتلك مأساة- لم يكونوا معارضين للتوجه الإشتراكي في العمق، مثل شهدي عطية الشافعي وغيره.. وهذا المشهد أدى إلى كبت أصوات كثيرة انفجرت بعد اختفاء الزعيم.

* وهل تخلصنا منها الآن؟

يؤسفني أن أجيبك بالنفي، فمازالت الأغلبية ترمي حمولها على كتف رجل واحد، ولا تزال تريد مكاسبها -من أجور وعلاوات وحريات- دون أن تشكل درعًا ورقابة للأداء -وأنا هنا لا أقيم هذا الأداء-، ودون أن تطالب بحقها في الحصول على المعلومات، وفي الشفافية واحترام الخصوصيات، وتقديس الحريات العامة والخاصة، وتلك هي الضمانة الوحيدة للتقدم، وإلا فإن أي مكسب سينهار ببساطة، كما انهارت مكاسب ناصر بعد رحيله بشهور!

عن المجلة


 أحب قبل السؤال أن أشير إلى تشاؤمي عندما قررت إطلاقها، لكنني راهنت على شيء واحد يرتبط بك وبعنادك الهادىء، وبتجربتك الجيدة في الثقافة الجديدة، وخفت من نزق صديقنا محمد هاشم. الآن وقد حققت نجاحًا وبددت تشاؤمي وعدم ثقة أصدقاء آخرين.. دعني أسأل عن لحظة البداية:

* كيف فكرتم في المجلة؟ ولماذا اخترتم الاسم؛ هل بسبب اسم دار النشر أم بسبب الأثر التاريخي للاسم وإيحاءاته المصرية؟

- تجربتي في رئاسة تحرير مجلة الثقافة الجديدة لأربع سنوات، هي التي قادتني إلى إنشاء ميريت الثقافية، ففي التجربة الحكومية وجدت نفسي مقيَّدًا بشروط، لم يبلغني بها أحد بشكل مباشر، لكنني أعلم رسالة هيئة قصور الثقافة في مساعدة أدباء الأقاليم وتقديم الأصوات الجديدة، الأمر الذي يجعل سقف أدائك منخفضًا بعض الشيء، ويجعلك تتجنب -قدر المستطاع- مناقشة موضوعات قد تعرض الجميع لمشكلات أكبر منهم.. هذا أولًا.

ثانيًا: كموظف في هيئة قصور الثقافة وجدت نفسي محكومًا بتراتب وظيفي، رغم كل ما يقال عن أن رئاسة التحرير منصب فني لا علاقة له بالوظيفة، لكن إقناع الموظفين بتلك البديهية يحرق الأعصاب، غضافة إلى أني لست جيدًا في إقامة علاقات اجتماعية. أضف إلى ذلك أن تركيبة الأمانة العامة للنشر والإدارة المركزية للشئون الثقافية كان عجيبًا، بحيث يسمح لشخص واحد أن يفعل ما يشاء دون اعتبار للائحة أو لأحد.. وأنا بطبعي لا أطرق أبواب المكاتب، ولا أطالب أحدًا بشيء.

هذا الوضع المربك أدى إلى أن هذه المجلة العريقة تخضع لبعض الضغوط، ثم يقل عدد المطبوع منها لأقل من الثلث، كانت تطبع في بداية تجربتنا كمجلس تحرير منتصف 2012؛ 3300 نسخة، تطرح منها ثلاثة آلاف للبيع، فوصلت إلى 1000 نسخة فقط بقرار شخص واحد لا صلاحية لديه، تطرح منها 700، تباع النسخة بجنيهين، أي أن مردودها المالي إذا بيعت كلها، وبعد خصم نسبة التوزيع 933 جنيهًا، بينما تكلفتها -في هذا الوقت- تصل إلى 40 ألف جنيه.. هذا فارق شاسع كما ترى، غير أن الباعة لا يعرضونها لانخفاض العائد منها، وبعضهم يفضل أن يبيعها بالكيلو لأنه سيكسب أكثر!

والنتيجة أنها صارت مجلة سرية لا يراها أحد! مثلما كل أنشطة هيئة قصور الثقافة ورقية، سرية، لا يحضرها سوى المنفذين، وتتم ضغوطات على الموظفين ليملأوا بعض المقاعد!

هذا الوضع المقلوب جعلني أفكر في مجلة لا يتحكم فيها أحد، وتصل مجانًا لكل من يريدها، على أن تكون حرة في مناقشة ما تريد، وما تريده هو أن تكون منبرًا ليبراليًّا يسمح بمناقشة كل الأفكار بحرية كاملة، بالطبع بدون تجريح أو إساءة، طرح علمي يقوم على أسس المعرفة والانفتاح والتسامح. مجلة لا تضطر إلى نشر إنتاج لا ترضى عنه، وكنت أتمثل عبارة قالها لي صديقي الراحل الشاعر حلمي سالم، قال: في "أدب ونقد" أضطر إلى نشر قصيدة يرسلها لي عضو في اللجنة المركزية للحزب، بينما في "إضاءة 77" ألقيها هي ذاتها في سلة المهملات!

أخذت فكرتي إلى محمد هاشم عن طريق صديقيَّ حمدي أبو جليل ومحمد داود، لأن علاقتي المباشرة به لم تكن قوية، قلت له إننا متطوعون ولدينا رسالة نريد أن تكون ميريت بتاريخها الناصع منصة لتوصيلها، فوافق في خمس دقائق، واقترح أن نكوِّن مجلس تحرير من الصديقين العزيزين بالإضافة إلى الصديق حامد عبد الصمد، وقد كان.

أما عن الاسم فقد كنت أفكر في البداية أن أسميها "التنوير"، وصممت بعض الأغلفة التجريبية بالفعل بهذا الاسم، لكنني وجدته مباشرًا ومكررًا، وصادف أن اسم دار ميريت له جذور مصرية، ونحن في المجلة نحتفي بمصريتنا وبحضارتنا القديمة، لذلك وجدته أفضل كثيرًا.

* مادا تعني بالتنوير هنا؟ فقد انتهى المصطلح تاريخيًّا في أوروبا؛ أم أنك تتحدث عن صيغة عربية أو مصرية لمصطلح قديم؟

- التنوير الذي قصدته -ببساطة ودون الدخول في تعقيدات فكرية- هو ثقافة قبول الاختلاف، وعدم تجريم الآخر المختلف أو معاقبته -بأي شكل- بسبب اختلافه: الثقافي أو الإثني أو الديني، على قاعدة أن لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، كلنا نجتهد، ورأيي خطأ يحتمل الصواب، ورأي الآخر صواب يحتمل الخطأ. كما أن كل الدول المتقدمة لم تتقدم إلا حين تخلت عن محاكم التفتيش، وعن إلزام الناس أن يكونوا شكلًا واحدًا أعد سلفًا!

ثقافتنا في هذا الإطار تختلف عن ثقافة الغرب في نقطتين مهمتين: الأولى أنهم فصلوا العبادات عن المعاملات منذ خمسمائة سنة، فمن حقك أن تعبد من تشاء، وأن تقيم طقوسك وقتما تريد، بشرط ألا تجبر الآخرين على أن يفعلوا مثلك، أو أن ترهبهم لهذا السبب. والثانية أنهم يطبقون القانون على الجميع، لا ينظرون إلى الأسماء أو الوظائف. هاتين النقطتين خلقت مجتمعات منفتحة، فيها فرص عمل لمن يريد، كما أن أبوابها مفتوحة أمام الطموحين، بينما لا نزال نسأل الناس قبل التعيين في بعض الوظائف: ما هو دينك؟ ومن هي أسرتك؟

ديموكتاتورية


* كيف يدور العمل في مجلس التحرير و كيف يتم تقسيم العمل،واتخاذ القرارات الخاصة بالنشر؟

- مجلس تحرير ميريت هو نفسه مجلس تحرير الثقافة الجديدة السابق: عادل سميح وسارة الإسكافي ورنا أشرف للتنفيذ الفني، وأنا، نحن فريق تعود أن يعمل معًا بسلاسة لمدة طويلة، ونعرف من يفعل ماذابشكل أفضل.. ومتى وكيف.

زملائي يتركون لي تحديد المادة واختيار موضوعات الملفات الثقافية، أتناقش معهم فيما أفكر فيه، ونوزع التكليفات، وبالطبع تأتيهم مواد كثيرة من شعراء وكتاب فيحولونها لي لكي أتخذ القرار النهائي بشأنها، فمن المهم في نظري أن تتنوع المادة ويتم تمثيل الأجيال.. وهناك زملاء أفاضل من خارج هيئة التحرير ألجأ إليهم لمعاونتي في إنجاز ملف ما، أو الحصول على قصائد وقصص من أسماء معينة. بالإضافة إلى أنني أشرف على تنفيذ ديزاين " تصميم "اقترحته بنفسي، وأصمم الغلاف.

أقرأ المادة كلها وأحدد ألويات النشر، وعادل سميح له دور كبير في مراجعة المادة لغويًّا، بقراءة ثانية، ويشارك في جمع المادة، كما أنه اكتسب خبرة من عمله لست سنوات مديرًا لتحرير الثقافة الجديدة وعمله في مجال النشر طوال عمره الوظيفي، تمكنه خبرته تلك من التقاط التفاصيل الصغيرة.. وسارة الإسكافي تشارك في استخراج الصور، بالإضافة إلى أنها حلقة الوصل بيننا وبين المنفذة، بعد أن نكون قد اجتمعنا جميعًا كمجلس تحرير كي ننجز البروفة الأولى.

* هل نحن أمام طاغية تنويري يقوم بكل شيء في المجلة؟ وهل هي مجلة سمير دويش؟

- لا.. على الإطلاق. أنا أتناقش من النقطة صفر، وأصل مع زملائي إلى نقطة لم تكن في خيالي في معظم الحالات، كما أنني لا أملك ما أعطيه لهم مقابل ممارسة الديكتاتورية عليهم! عادل سميح مثقف ثقافة عميقة، وتقني من الطراز الأول، وبالتأكيد خسرته الهيئة العامة لقصور الثقافة لأسباب عبيطة، وهو شريك كامل في ميريت الثقافية، وسارة الإسكافي دينامو أي عمل تشارك فيه، هي ذاكرة بشرية وإليكترونية معًا، إن سألتها عن أي شيء يخص المجلة منذ سنوات خمس تجيبك في عدة دقائق، كما أن علاقاتها في الوسط الأدبي والثقافي ممتازة.

أضف إلى ذلك أننا أصدقاء قريبين جدًّا على المستوى الشخصي، نتحدث يوميًّا ونتناقش في الأمور العامة والخاصة، وتربطنا علاقة ود عميقة، اكتسبناها من العمل معًا كفريق، كل منا يعرف قيمة الآخر وقدره، ويستفيد منه إلى أقصى حد.

* ماهي معايير النشر في الدراسات والنصوص الإبداعية؟

- أي مطبوعة تحترم قارئها تهدف دائمًا إلى نشر الإنتاج الجيد، ومعيار الجودة في الآداب والفنون ليست صارمة، فالأمر في النهاية يرتبط بفهمي وتذوقي للجيد، وأنا أنحاز إلى الأدب الحديث في الشعر والقصة، والتجارب الفارقة، بما في ذلك فتح المجال أمام التجارب الواعدة. وفي الدراسات النقدية أفضِّل -بنسبة عظيمة- أن تكون لأساتذة كاديميين متخصصين، لذلك أنشأت بابًا في الثلث الأخير لعروض الكتب التي يكتبها الأدباء عن الأدباء، هذا الشكل من الكتابة يكون مفيدًا في حالات كثيرة، لكن الدراسات الأكاديمية تعطي للمطبوعة عمقها العلمي الرصين.

مجلتنا لا تدفع مكافآت نشر، كما لا تدفع لهيئة التحرير، بل تأخذ منهم! وهذا كان يخيفني في البداية لأن أي ناقد أو كاتب أو شاعر لن يضعني أولوية أولى، سيذهب لمن يدفع له.. لكن ما حدث أن أساتذة كبارًا في مجالاتهم أصبحوا يفضلون الظهور من ميريت الثقافية، خاصة بعد أن أثبتت أنها تحترم الثقافة وتحترم قراءها وكتابها.

شمال المغرب يفيض بدراسات أدبية جادة يكتبها أساتذة وباحثون محترمون، والعراق والشام فيهما وفرة شعرية لأسماء تبدأ من وديع سعادة وشربل داغر، ولا تنتهي عند شباب الشعراء، وتذخر مصر بكل ذلك من قبل ومن بعد، لذلك أكون سعيدًا حين تلعب ميريت الثقافية دورًا مفقودًا في النشر المصري، وهو إنتاج مجلة ثقافية رصينة تمثل فيها البعد العربي.

أظن أن هذه التوليفة لم تكن موجودة قبلها، فمجلة فصول مثلًا تعد أهم المجلات النقدية العربية خاصة في إصدارها الأول، لكنها تقتصر على النقد، ومجلة إبداع -في عهد د.عبد القادر القط- كانت ممتازة، لكنها أدبية فقط، ومجلة عالم الفكر الكويتية واحدة من المجلات الثقيلة، لكنها تغلِّب الدراسات الفكرية على الجانب الأدبي، وهناك مجلات أخرى أدبية ثقافية عامة، تهتم بنشر القصص والأشعار والدراسات الخفيفة مثل مجلات الخليج: العربي والدوحى والشارقة، ومجلات محلية فقط.. لكن ميريت استطاعت أن تكون مجلة ثقيلة، فكرية أدبية، تعكس الواقع العربي، وتنتشر في كل مكان يعرف اللغة العربية وبد شبكة إنترنت، ومجانيَّة.

التجديد والمرأة


* ركزتم في إعداد المجلة خلال العام الأول على ملفين: الأول هو تجديد الخطاب الديني والثاني وضع المرأة، لدرجة أنكم تعدون ملفات خاصة بإبداع المرأة.. لماذا الإصرار على الملفين؟

- ذكرت لك أن "التنوير" هو الهدف الأساسي من إنشاء ميريت الثقافية، وفي ظني أن الخطابات الدينية المتشابكة والمتضادة والكثيرة جدًّا، والتي يتم بثها عبر آلاف المنابر بواسطة كثيرين من غير المؤهلين، تعد أحد أهم معوقات التطور على المستويات كافة، وخذ مثلًا: ففي العالم كله قامت التنمية على فكرة المدخرات الصغيرة، حيث يضع الناس فوائض دخولهم في البنوك مقابل فوائد صغيرة، تستغلها البنوك والدول في القيام بمشروعات كبرى مربحة، يحصل صاحب المال على جزء من أرباحها، بينما عندنا فتاوى تقول إن فائدة البنوك حرام باعتبارها ربا، وهذا تسبب في هروب تلك المدخرات إلى ما يسمونه "البنوك الإسلامية"، وإلى جيوب المغامرين، والأغلب يتم تخزينه بطرق بدائية غير مفيدة، مما حرمنا من فرص عظيمة للتنمية الاقتصادية.

ملف " تجديد الخطاب الديني " أضفته إلى أبواب مجلة الثقافة الجديدة في العامين الأخيرين من عملي فيها، كنت أرى -ومازلت- أن الثقافة يجب أن تكون في المواجهة، تحارب التطرف باعتباره فكرة، لا يمكن للتصدي الأمني أن ينالها، فالأفكار لا تنقضها إلا الأفكار.. لكنني في ميريت الثقافية جعلته "تجديد الخطاب" فقط، لأعطيه مجالًا أوسع في مناقشة الأفكار الثقافية والدينية والسياسية حتى، باعتبار أن كل شيء يبدأ وينتهي بالثقافة.

أما عن المرأة، فأتصور أن كل نهضة دونها تظل منقوصة، لأنها نصف المجتمع. لكن الثقافة السائدة لدينا تقمعها باعتبارها أقل من الرجل، لا تستطيع أن تعلن عن نفسها وأفكارها، حتى حينما تكتب أدبًا تتجنب الخوض في موضوعات بعينها، ولا تقترب من ألفاظ بذاتها، حفاظًا على أمانها الشخصي -طبعًا باستثناءات تؤكد القاعدة-، فمن السهل أن يعصف بها رجل، سواء تربطها به صلة أو لا.. ناهيك عن القهر المجتمعي.

هذا ما جعلني أفكر في إنشاء باب خاص عن النساء الكاتبات في المجالات جميعًا، نون النسوة، أعمل فيه على إلقاء الضوء على التجارب النسائية الجادة، وأتصور أن المجلة نجحت في إعداد ونشر مجموعة مهمة من الملفات تضاف إلى رصيد الأديبات.

* هل نحن بحاجة لتجديد خطاب أم إلى خطاب جديد يثور على الفكر والمنهج أكثر ما يطور آليات التواصل وفق طرق الخطاب التقليدية؟

- نحن نعاني من أزمة هوية، ومن لا يعرف ذلك ينكر الواقع، فتاريخنا المصري ضارب في القدم ودولتنا أقدم دولة في التاريخ المعروف، لدينا عمارتنا وأدبنا ولغتنا وطرق التجارة والزراعة والهندسة والتحنيط.. إلخ، استمر ذلك حتى بداية الدولة الفاطمية التي استقر حكمها في مصر قبل ألف عام تقريبًا، هذه الدولة استوعبت هجرات كبيرة من عرب الجزيرة، وأجبرت المصريين على تعلم اللغة العربية، وأهملت لغتنا القديمة حتى جاء شامبليون وفريقه ليعيدوا لها بريقها. هذا الانقطاع الحضاري أضرنا كثيرًا مهما قيل غير ذلك.

* كيف وقع هذا الضرر وما هي ملامحه؟

- من سوء حظنا أن العرب الذين غزوا مصر عام 638- 641 ميلادية؛ لم يكونوا أهل حضارة أو ثقافة، فليسوا سوى قبائل بدو يعيشون على الرعي وتربية الأغنام، والاستفادة من قوافل التجارة التي تمر بأرضهم، ومن خدمة حجاج الكعبة، فلم يعرف عنهم أنهم يمتلكون نظمًا إدارية أو هندسة معمارية، فقط الشعر الذي كان عشوائيًّا في معظمه، يُستخدم وسيلة للدعاية والفخر بين القبائل، لذلك لم يغيروا نظم الدول التي غزوها، وكل ما استهدفوه هو الخراج، أو الضرائب التي كانوا يجمعونها عنوة من الأغنياء والفقراء، ويرسلونها إلى مقر الحكم في المدينة أو الشام أو بغداد، وحتى هذا لم يستخدم في التنمية وتحصيل العلم، بل كان يوزع على القبائل بنسب معروفة.

الضرر الأكبر حدث حين هجرنا لغتنا -عنوة- وتحدثنا لغتهم، فأحدثت القطيعة اللغوية قطيعة مع حضارتنا المصرية القديمة التي كانت متقدمة بشكل كبير، واستبدلناها بقناعات البدو المحتلين، لدرجة أن كثيرين من المتدينين المصريين يدافعون عن جزيرة العرب ضد مصر ويسمون الغزو فتحًا، كما يعتبرون أن (القراءة) حرام إن لم تكن في القرآن، ناهيك عن الدلائل الكبيرة التي تقودنا إلى أنهم أحرقوا مكتبة الإسكندرية القديمة، التي كانت أهم مكتبة ثقافية وعلمية في العالم. كل هذا جعلنا نتراجع قرونًا كثيرة على مقياس الحضارة والتقدم، عكس الدول التي قبلت الإسلام وظلت على لغتها، مثل إيران وبعض مناطق الهند وباكستان.. وغيرها.

* ماذا نفعل لوصل ما انقطع من ثقافتنا؟

- لو كنت مسئولًا أول ما سأفعله هو تدريس اللغة المصرية القديمة في المدارس منذ الحضانة حتى الجامعة، وسأنشئ كليات خاصة بها، فكثيرون لا يعرفون أن نصف عاميتنا منها أصلًا، وأن الغالبية الكاسحة منا لا تتقن اللغة العربية كنحو وصرف وإملاء، حتى كثيرين من أساتذتها بالجامعات يلحنون، ببساطة لأننا ممزقون بين عاميتنا التي نتحدث بها في البيوت والشوارع، والتي هي خليط من المصرية القديمة والعربية والإنجليزية والفرنسية والتركية، وبين العربية الفصحى التي نضطر إلى الكتابة بها في الدواوين وقاعات الدرس، تلك التي يجاهد كثيرون كي لا تتطور لخوفهم من اندثار الدين!

* ولكن نجيب محفوظ قدم حلًّا لهذه المشكله وكتب بالفصحي البسيطة عن زيطه صانع العاهات، ولم يقف أمام ما تراه ازدواج اللغة؟

ليس نجيب محفوظ فقط، فمعظم الأدباء والشعراء المصريين يستخدمون مفردات عامية لها أصول مصرية قديمة، أو -الآن- يكتبون مفردات إنجليزية وفرنسية وغيرها، وصولًا إلى هذه الفصحى البسيطة التي تتحدث عنها، وأرجو أن تلاحظ أنهم يفعلون ذلك لأن الفصحى الأصلية غير معروفة بشكل عميق في مصر، لا لدى القراء ولا الكُتَّاب أنفسهم!

غير أن جيل أولادي لا يعرفون العربية أساسًا لأنهم تعلموا في مدارس أجنبية، لأن اللغات الأجنبية مطلوبة في سوق العمل عكس اللغة العربية.. ابني قال لي مرة إنه كان يحلم باللغة العربية وهو صغير، والآن يحلم بالإنجليزية!

وقد سألت الروائي الكبير فتحي امبابي وقد قاد ثورة على اللغة في روايته مراعي القتل-: هل تتعمد كسر اللغة، أم لا تعرفها؟ فقال ببساطة إنه لا يعرفها، مثل كثيرين غيره. يا صديقي أنا رئيس تحرير مجلة أدبية منذ ثماني سنوات، أتلقى مقالات وقصصًا وقصائد من مختلف الاتجاهات والأجيال، وأقول لك ما أقوله عن جهل العرب باللغة بثقة تامة وبمسئولية كبيرة.

رأيي أننا نحتاج إلى ثورة ثقافية مفاهيمية كبرى، لا تحسب حسابًا للاعتبارات القبْلية أو البعْدية، كأن تقول إن هذا سيضر بالقرآن.. إلخ، فالله أنزل الذكر وتعهد بحفظه لو كنت تؤمن بالكتاب حقًّا.

عن منهجية المجلة


* على الرغم من أنكم مجلة حداثوية يتم بثها عبر الإنترنت؛ إلا أنكم تقدمون نموذجًا للمجلة الورقية التي لا تسمح بالتفاعل بين القارىء والمجلة، هل ثمة تناقض؟ أم أنكم كلاسيكيون يجربون الفضاء الإلكتروني؟

- تستطيع أن تقول إننا حداثيون -بحكم ما ذكرت سابقًا- نعمل بالأدوات المتاحة!

لكنني سأعود وأقول لك إننا نعمل انطلاقًا من الواقع، وفي حدود المتاح، نريد أن نصل -مبدئيًّا- إلى فكرة التسامح، أن تكون متدينًا كما تشاء، بشرط ألا تجبر الآخرين على أن يكونوا مثلك، فهذا مستحيل وضد طبائع البشر أساسًا.

سأذكر لك شيئًا لم أقله إلا لشخصين فقط: حين بدأنا المشروع كان أمامنا احتمالان الأول هو الغالب بالتأكيد: أن نبدأ ونستمر بالشكل نفسه حتى نتعب أو نموت، والثاني أن يلتقط أحد الخيط منا ويشاركنا بالدعم، كأن يجهز موقعًا للمجلة يليق بها وبدورها، أو يطبعها، أو حتى يسوِّقها على الإنترنت، أو يدفع المبالغ التي نجمعها من جيوبنا كل شهر لنساهم في التكاليف الضرورية، لكنك تعلم أن هذا صعب في بلاد لا تعير الثقافة اهتمامها بالرياضة والفن.

تستطيع وزارة الثقافة أن تطبع 1000 نسخة شهريًّا بالمشاركة بين دار ميريت وهيئة الكتاب، مثلما تفعل مع أدب ونقد، لكنها لا تفعل، هناك حسابات معقدة تبقينا على ما نحن عليه من قلة الإمكانيات، وهذا يجعلنا نفكر في بلوغ أقصى قمة نستطيع بلوغها.

* هل يمكن أن تشرح باختصار هذه الحسابات أو بعضًا منها؟

- من ناحية موقف الدولة من محمد هخاشم ودار ميريت معروف، خصوصًا بعد دوره في يناير 2011، وهذا يصعِّب الوصول إلى صيغة تعاون بين الدار والوزارة فيما يخص ميريت الثقافية، على غرار الاتفاق بين حزب التجمع وبينها فيما يخص أدب ونقد، بالإضافة إلى أن هناك مسائل مالية ليس لديَّ خلفية كاملة عنها.

أضف إلى ذلك أننا نواجه الخطاب الديني الظلامي، والذي يدَّعي الوسطية، بشكل سافر، وأظن أن الدولة يمكن أن تسكت على هذا، لكنها لا تشارك في دعمه، على الرغم من الكلام الكثير عن ضرورة تجديد الخطاب الديني ، الذي يأتي على لسان رئيس الجمهورية نفسه، وبرغم المواجهات مع التكفيريين التي ترهق الدولة وميزانيتها، وتتسبب في فقدان أبنائنا من ضباط وجنود الجيش والشرطة، ناهيك عن التفجيرات في الأحياء الشعبية وبين المدنيين.

باختصار: الدولة تحتاج دورنا في المواجهة الثقافية والفكرية لخطاب الإرهاب، لكنها ليست مستعدة لدعمنا.. مع أن مجلتنا تسد فراغًا مهمًّا في الثقافة والنشر، وتساهم -كثيرًا أو قليلًا- في وضع مصر في مكانها الثقافي الذي يليق بها.

* ولماذا لا تفتحون فرصة للجمهور للتفاعل مع الموضوعات يتسق وطبيعة العالم الافتراضي؟

- قلت لك إن التفاعل يحتاج إلى أدوات لا نملكها، ومع ذلك لم نغلق الباب أمام الردود التي تصلنا، كما أننا ننشر الأراء التي تنتمي إلى كل الاتجاهات مادامت في حدود العلم.

* البعض يقول إن المجلة ليس لها خطاب فكري واضح.. هل أنتم مجلة يسارية بحكم انتماء الناشر وبحكم كثير من الدراسات المنشورة؟ أم أنكم مجلة ليبرالية بمعنى التعدد وليس بمنطق الاقتناص على الليبراليين؟ من أنتم؟

- من يقل إننا لا نمتلك خطًّا واضحًا يظلمنا.. انظر يا صديقي: منذ البداية وأنا أفكر في مجلة اسمها التنوير، وشعارها "مجلة كل التنويرين العرب"، صحيح أنني غيرت الاسم ولم أكتب الشعار، لكن الفكرة راسخة. التنوير في رأيي هو قبول كل الأفكار مهما كانت، بالطبع غير الأفكار التي تدعو للعنف أو التمييز العنصري.. الليبرالي الحقيقي هو الذي يتقبل الأفكار ويناقشها بصدر مفتوح باعتبار أنه ليس ثمة حقيقة مطلقة، بل اجتهادات تتناطح للوصول إلى أقرب نقطة لما نعتقد أنه الحقيقة.

مثلًا.. أنا أنشر مقالًا لحامد عبد الصمد، وأعد حوارًا فكريًّا معه لا يقف عند حد، وبعدها أنشر تعقيبًا لمثقف يعتقد أن حامد جانبه الصواب، يستطيع حامد أن يرد، ويستطيع غيره، وأنا لا أقفل الباب مادامت الأفكار علمية وتحترم حق الاختلاف. وقل الشيء نفسه عن الدراسات الأدبية والإبداع الشعري والقصصي.

* البعض يري ان ميريت مجلة كشكول تركز في خطابها على الملف الرئيس فقط وتبقى بقية الصفحات كشكولا يضم الكثير من الموضوعات كما في العدد الأخير هل تخشى مجلة الملف الواحد مثلا؟

- لا أخشى شيئًا.. بالفعل أصدرنا بعض الملفات التي ملأت المجلة جميعًا مثل عدد الجسد وعدد رواية جوخة الحارثي، وفعلت ذلك قبلًا في الثقافة الجديدة، لكن أرجو أن تضع في اعتبارك شيئين: الأول أن متوسط عدد صفحات ميريت 280 صفحة شهريًّا، يعني بحسبة بسيطة نقول إننا أصدرنا أكثر من 5000 صفحة في العام ونصف، وأننا لا ندفع مكافآت للنشر ونعتمد -بالمقابل- على جديتنا واحترامنا للثقافة والإبداع ولكل الناس وللاختلافات العلمية والثقافية، وأننا -كفريق عمل- غير متفرغين، كل منا له أعماله الكثيرة التي يقوم بها، ونجهز ميريت مع ذلك.

الثاني: أن كلمة "كشكول" تنطبق على المجلات العشوائية التي تنشر ما يصلها كيفما اتفق، ونحن -أتصور- لا نفعل ذلك في ميريت، بل نقسم المجلة إلى أبواب ثابتة رصينة نجمع المادة على أساسها، تبدو مختلفة ظاهريًّا، لكنها -في العمق- أذرع لفكرة واحدة هي فكرة الليبرالية الثقافية.

* مجلة مصرية الهوية بدءًا من الاسم ويحظى العرب بفرص نشر لا تقل عن المصريين؟

- لا. تقل كثيرًا.

الحضور العربي في ميريت الثقافية يوازي حوالي 25% من المنشور، وهو يركز على المراكز الثقافية القديمة في المغرب العربي ودول الهلال الخصيب واليمن، وهناك غياب نسبي للبعد الخليجي، ربما لأن لديهم مجلاتهم الكثيرة والغنية، وهي نسبة معقولة لمن لا يريد أن ينعزل عن محيطه، كما أننا نقبل الإنتاج الأدبي والثقافي المصري بصدر مفتوح أكثر.. لا أعرف كيف أشرح هذا، لكن أرجو أن يكون واضحًا ما قصدته.

 ثمة غياب للإبداع السوادني؟ أليس كذلك؟

- لم تغب دولة عربية سوى قطر.. وبالعكس، نشرنا إبداعًا سودانيًّا بكثافة في كل أعداد المجلة تقريبًا، كما تصلني تقييمات للأعداد من مثقفين وكتاب سودانيين باستمرار. أرجو أن تلاحظ أنني كنت أدير الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب لمدة 13 عامًا تقريبًا، مكنتني من التواصل مع تجمعات الأدباء والشعراء العرب في كل الدول العربية، أيضًا ما عدا قطر.

كما نشرنا مقالات لمستشرقة صينية تدرس المسرح عند توفيق الحكيم، وأخرى تدرس الأدب الحديث، كما تصلنا مقالات من الهند لأساتذة جامعيين يكتبون باللغة العربية، كما ننشر ترجمات قديمة وحديثة لكتاب من كل قارات الأرض، لمترجمين مصريين وعرب، وهدفنا أن نفتح الباب على مصراعيه بقدر ما نستطيع، فرسالتنا هي التنوع كما ذكرت، مع الاحتفاء بمصريتنا وتاريخنا وآدابنا وفنوننا، التنوع ليس العشوائية، فالتنوع منضبط بإطار شامل عام.. وأنا سعيد كذلك لأن أكاديميين لم أكن أعرفهم يكتبون في ميريت باستمرار، دون سابق معرفة، بالإضافة إلى شعراء وأدباء عرب لهم أوزانهم يحبون الظهور من نافذتنا.

* في الإبداع الشعري تنشرون قصيدة النثر وتهتمون بها؛ لكنكم تنشرون أيضًا قصيدة التفعيلة بكثافة.. هل ثمة تناقض في الخطاب أم أنكم مجلة ليبرالية تؤمن بالتعدد؟ وهل كل كاتب نشر يمثل خطابكم أم تنشرونه بمنطق افساح المجال للحوار؟

- أنت تعرف أنني أكتب قصيدة النثر، ومنذ انتقلت إليها لم أكتب التفعيلة أبدًا، رغم أن دواويني الثلاثة الأولى كانت مفعلة، وربما لا تعرف أنني أدافع عن قصيدة النثر في اللقاءات والندوات والمقالات باعتبارها المستقبل الحقيقي للشعر، لأنها ثورة جمالية بالأساس، قبل أن تكون ثورة إيقاعيه، فالذي لا يكتب النثر يسجن نفسه في تاريخ القصيدة الموزونة ومفرداتها وتراكيبها النحوية والصورية، ويحرم نفسه من إمكانيات متعددة لصنع الدهشة.

لكن دعنا نعترف أن نصف الساحة الشعرية في الوطن العربي لا تزال تحتفي بالإيقاع القديم، وبجماليات التفعيلة، وهناك اجتهادات مهمة تحاول تطوير هذا الشكل من داخله وتقترب به من روح الكتابة العادية اليومية، ومن الصعب أن تغمض عينك عن هذا، خاصة أن ميريت ليست مجلة متخصصة في قصيدة النثر، ميريت مجلة ثقافية بالأساس.

أما عن تمثل وجهة نظرنا فلا أحد -بشكل عام- يمثل أحدًا، كل كاتب مسئول عن آرائه وصياغاته، ونحن مسئولون عن صهر كل الكتابات معًا بالشكل الذي يخدم رسالتنا.. أرجو أن تدرك أن المنشور بالفعل لا يزيد على ربع ما يصلنا، كما أن كثيرين ممن كانوا ينشرون في الثقافة الجديدة وقت رئاستي، تصوروا أن ميريت الثقافية هي نفسها الثقافة الجديدة، باعتبار أن مجلس التحرير لم يتغير، وراسلونا بكثافة، لكنهم استمروا في مجلتهم بعد بعض الوقت.

 

صعوبات ومخاوف

* في ثلاث مرات قلت: نصدر المجلة رغم كل الصعوبات التي نواجهها.. هل لك أن توضح لنا أهم الصعوبات؟ ومتى تتوقع أن تتوقف ميريت؟ وما هي الأسباب التي قد تدفع الشاعر سمير درويش للتوقف؟

- كل المضايقات التي يمكن أن تتصورها ولا تتصورها، وسأحاول أن أضغطها في نقاط سريعة:

1- ميريت الثقافية ليس لها مقر نجتمع فيه بين آن وآن لنتشاور ونعمل، وليس لديها جهاز كمبيوتر ننفذ العمل عليه، لذلك يعمل كل منا في بيته وعلى جهازه الشخصي ونكتفي بالمكالمات التليفونية ورسائل الواتس آب والإيميلات، وبالتالي تحول اللاب توب الخاص بي إلى سجل لمجلة أتصور أنها مهمة. نحن أربعة أفراد، رجلان وامرأتان، من الصعب أن نجتمع في بيتي مثلًا أو بيت أي أحد منا لاعتبارات اجتماعية وثقافية تعرفها.

في البداية عملنا العدد الأول في مقر دار ميريت، لكنه ليس مجهزًا، لا توجد به احتياجاتنا اللوجستية البسيطة، فتذكرت أنني عضو بمجلس إدارة اتحاد الكتاب، الذي هو بين كل المثقفين، استأذنت أن أعمل به ست ساعات كل شهر، ورحبوا بي، لكن كوني معارضًا للمجلس الحالي جعلني أشعر أنه غير مرغوب بوجودي، لم يقل لي أحد ذلك بشكل مباشر، لكن يكفي أن يعطيك أحد ظهره أو يكتب تلميحًا على صفحتك لكي تتوقف، فتوقفت. وبعدها جربنا أن نذهب للكافيهات التي تخصص غرفًا للعمل، لكن الوضع لم يكن مناسبًا، وأخيرًا جاءت كورونا التي اضطرتنا ألا نلتقي المرة الوحيدة تلك، مما جعل الجهود مضاعفة لنعمل أون لاين، ونحصل على نتيجة أقرب لما نريد وأقل مما نطمح إليه.

2- ليس لدينا أي مصدر تمويل، ولو جنيه واحد، بل نعمل كلنا متطوعين، وزيادة على ذلك نجمع من بعضنا البعض مبلغًا ضئيلًا ندفعه للمنفذة لا يكفي ثمن مواصلاتها، كان محمد هاشم تكفل بدفعه لكنه لم يفعل، فكنت أدفعه وحدي لشهور كثيرة، حتى خرجت على المعاش وتضاءل دخلي إلى الربع، وأصبح هذا المبلغ الضئيل يشكل حملًا ثقيلًا عليَّ!

التطوع معناه أنه لو حدث ظرف طارئ لأي منا سنكون في مشكلة كبيرة، وهو ما حدث مؤخرًا بالفعل، فقد اعتذرت المنفذة بعد إنجاز عدد يونيو 2020، ولم نجد (متطوعًا بديلًا)، يحصل على ضعف المبلغ الذي كنا نجمعه بصعوبة، فربك يسترها.

أريد أن أقول لك هنا إني حاولت إيجاد خطاط متطوع يكتب لنا عناوين المقالات وأسماء الكتاب، وفشلت، الحياة ضيقة أمام الناس، وكل واحد له ظروفه!

3- بعض أعضاء هيئة التحرير يتعرضون لمضايقات في وظائفهم الأصلية بسبب نجاح ميريت، يتصورون أن اختفاءها يصب في صالح مطبوعاتهم!

4- رغم الثورة التكنولوجية الكبيرة في العالم كله، خصوصًا في مجال النشر، فإن الكُتَّاب والقراء العرب بشكل عام لا يزالون مرتبطين بالورق، فالشاعر لا يحس أن قصيدته نشرت إلا حين يحتفظ بـ(جسد) المجلة في مكتبته، ويريها لأهله وأصدقائه، فنشر الإنترنت لا يزال مرتبطا بفكرة السهولة !

5- كثيرون لا يساعدوننا فقط، بل لا يكفون أذاهم عنا، بتعليقات سمجة، وبتقليل حجم الدور الذي نحاول أن نقوم به.

أما لماذا تتوقف المجلة ومتى، فإنني أفكر أن كل عدد هو الأخير، لكنني أتراجع أمام إشادات من مثقفين مهمين في المشهدين المصري والعربي، وأتأمل السبب الذي يجعل ناقدًا مهمًّا، أو شاعرًا ذا صيت، يفضل أن يرسل إنتاجه لميريت الثقافية مجانًا، وهو يعلم أنه سيكون أولوية في المجلات التي تدفع مبالغ كبيرة.

باختصار نحن صامدون حتى نجد أنه لا جدوى مما نفعله.

مادة إعلانية

[x]