لماذا ما زال الفساد زاهيا؟ (1)

18-6-2020 | 08:50

 

للفساد تاريخ طويل وحافل بالكوارث، قد يكون لكل منا حكاية، أو طرفة يمكن أن يرويها، والطرفة المقصود بها هنا، إلى أي مدى أصبح الفساد متجذراً لدرجة أننا بتنا نلقب واقعة الفساد بالطرفة، ربما يقول أحدنا إنه بدأ مع الانفتاح الاقتصادى ، وعصر التحولات الكبير، بعد أن ترعرع عدد من الناس، وأمسى يسبق اسمه رجل الأعمال، وبعد فترة، تغير لرجل المال، وبتنا نشاهد أسماء كثيرة جدا جدا، لأٌناس لم يكن لهم تاريخ، ونشأوا كما الزرع الشيطاني، بلا مقدمات، لذلك كانت النتائج غير متوقعة.


وربما يرجع بنا أحد آخر لتاريخ أسبق وحقبة مختلفة، لكن الثابت والذي لن يختلف عليه أحدنا، أن الفساد ينمو ويزدهر ويترعرع، حتى بات واقعا نعايشه ونتعايش معه، وتحول إلى ما أشبه بقصة ما قبل النوم التي تٌحكى للأطفال كل ليلة، فلا تأتي ليلة إلا ومعها حكايات وروايات نرددها عن الفساد دون انزعاج أو كلل أو ملل، ولما يمكن أن يحدث أي من هذا، فنحن بشكل أو آخر طرف أصيل في معادلة الفساد ، وأرجو ألا تفهم حديثي بشكل خطأ، فلم أقصد أنك فاسد، ولكن من المؤكد أنك تعلم به وتتحدث عنه، وأضعف الإيمان أنك شاهدته، حينما كنت تنجز إجراءً ما في مكان ما!

سأروي على حضراتكم عددا من الروايات قد تكون إحداها بمثابة الطرفة، ولنبدأ بها، أتذكر أننى كنت جالسا على أحد المقاهي منذ عدة سنوات، منتظرا أحد الأصدقاء، وفي تلك الأثناء، حضرت مجموعة من الرواد، وكانت جلستهم لسوء أو لحسن الحظ على المقعد المجاور لي، ولأني كنت منتظر الصديق ولا أفعل شيئًا غير الانتظار، وكان صوت المجموعة عاليا لدرجة واضحة فكان الحل في متابعة الحديث مثلي مثل باقي رواد المقهى.

كان أحد الجالسين مهندسا في أحد الأحياء، يتحدث ببجاحة عجيبة جدًا عن كيفية تنفيذ بناء مخالف، وأخذ يشرح خطة التنفيذ ودوره، وهو يعلن عن عمولته أو مبلغ رشوته التي سوف يتقاضاها، وموعد تلقيه المبلغ، وحينما عارضه أحد الجالسين خوفًا من ارتفاع الصوت، جاء رد المرتشي مزلزلاً، "احنا ما بنخافش، إللي يقدر يعمل حاجة يورينا"، وبعد أن زال أثر الصدمة من جرأته، تيقنت أنه يزرع الثقة في نفوس زبائنه، هذا من جانب أما الآخر، فهو فرط ثقته في سلامة موقفه، لأنه فيما يبدو أنه خبير بفنون عمله.

وقتها أدركت أن فساد المحليات تخطى كل حدود المنطق والعقل، وتيقنت أن المخالفات التي تنمو كل يوم وهي واضحة تمامًا، تفرض نفسها علينا جميعا، وفي دراسة أعدت منذ عدة سنوات حول عدد المخالفات، حينما بدأ يدور الحديث عن قانون للتصالح في مخالفات البناء ، قٌدرت بـ 20 مليون وحدة مخالفة!!

احتاجت لسنوات كثيرة، حتى تزهو وتظهر وتٌبهر بهذا الشكل، وبات من الطبيعي وجود أٌناس يقطنون تلك الوحدات، وفيما بعد احتاجت تلك الوحدات للكهرباء، فباتت هناك شرطة للكهرباء، تقدر قيمة الكهرباء، وعلى المخالف دفعها، ولإدارة الشرطة المختصة نصيب جيد من المكافآت نتيجة الجهود المضنية، وفي تلك النقطة تحديداً ستسمع وستروي عزيزي القارئ روايات لا حصر لها عن قيم الكهرباء ومقاياساتها!!!

ولكن أليس من الغريب عدم وجود إدارة لمنع ومتابعة المخالفات، حتى يتم استئصالها، وماذا عن المياه المسروقة؟ وماذا أيضًا عن المقاهي التي تسرق الكهرباء، لماذا لم تتوجه إليها شرطة الكهرباء لاتخاذ ما يلزم حيالها، وإذا كان ذلك يحدث فما هي النتائج؟

حتى بعد اختراع العدادات الكودية ، التى تحسب بالضبط قيمة الكهرباء المستهلكة ، توقف المشروع، وحينما تم الإعلان عن عودته توقف مرة أخرى، فما من شك أن هناك من له مصلحة في استمرار الوضع على ما هو عليه، أليس هذا من أنواع الفساد ؟!

وقبل أن أختم هذا الجزء من المقال ونستكمل الأسبوع القادم، أٌذكر نفسي وحضراتكم بما أعلنته سابقا وزارة الكهرباء بأن هناك هدرًا في الكهرباء، اختلفت النسب المعلنة بصدده، أليس من الأفضل منعه، قبل زيادة تعريفة سعرها، أم أننا اعتدنا اللجوء للحلول الأسهل، وبالتبعية سيكون المواطن من يدفع ثمنها، رغم قناعتنا بضرورة تقديم الخدمة بما تستحق من ثمن، ولكن هل تٌؤدى بنفس الجودة؟

،،، والله من وراء القصد

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

صانع الأمل (4)

صانع الأمل (4)

صانع الأمل (3)

عطفا على ما سبق نواصل الحديث عما شهدته مصر من إنجازات على مدار الأعوام الست المنقضية؛ لأنها شكلت واقعا مغايرا تماما لما قبل تلك المدة؛ فكانت مصر على شفا اختناقات كثيرة في مجالات متنوعة؛ منها أزمة الكهرباء كما شرحناها في المقال السابق؛ ومنها اهتراء الوضع الصحي وفشل المنظومة الصحية بالكامل.

صانع الأمل (2)

تحدثنا في مقالنا السابق عن أحد أهم الإنجازات، التي تحققت في تاريخ مصر الحديث، ألا وهو "إنجاز القضاء على العشوائيات"، وذكرنا أن هذا الملف يحتوي على آلاف

صانع الأمل (1)

بحثت كثيرا عن كتابة عنوان يليق بقدر هذا المقال؛ حتى قررت أن يكون "صانع الأمل"؛ لأنه حديث عن شخص الرئيس؛ الذي بذل جهودا خارقة؛ حتى يعيد مصر رونقها وبريقها ويحقق له مكانة تستحقها.

قوة مصر الناعمة .. كنز يجب استثماره

تاريخ الولايات المتحدة يقارب الـ 200 عام؛ وبرغم ذلك صنعت لنفسها مكانة عالمية فريدة في كل شيء؛ نعم امتلكت أدوات التقدم في مناح متباينة؛ مما جعلها تتبوأ تلك المكانة؛ ولكن هل لنا في البحث عن تلك الأدوات؟

أهكذا السبيل لمواجهة كورونا؟

مازال تصريح د. خالد عبدالغفار، بتوقعه بوصولنا إلى صفر إصابات بحلول منتصف يوليو الحالي، يقفز إلى ذهني بين الحين والآخر ونحن نتابع أعداد الإصابات التي تعلنها

من يسمع أنين الناس؟

ونحن نستكمل ما بدأناه في المقال السابق؛ أرى أنه لقد لفت نظرنا جميعًا النشاط الكبير الذي تبذله الجهات المعنية في دحر المخالفات؛ لاسيما بعد ما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عن تكليف المختصين بإزالة كل أعمال البناء التي تمت بالمخالفة؛ وفي ظروف انشغال الدولة بأزمة كورونا.

قبل أن نلوم المستشفيات الخاصة

هل كشفت كورونا سوءات قطاع الصحة في مصر؛ وبخاصة الخاصة والاستثمارية؟

طلاب التعليم الدولي يستغيثون (2)

في مقالين غير متتابعين؛ تحدثت فيهم عن التعليم؛ الأول كان عن طلاب التعليم الدولي؛ والثاني عن إمكانية تأجيل امتحانات الثانوية العامة لمرة أخرى؛ تباينت ردود الفعل بشكل واضح؛ ما بين مؤيد ومعارض.

هل تتأجل امتحانات الثانوية العامة مرة أخرى؟

غيرت جائحة كورونا كل المفاهيم والأنماط السائدة؛ ولما لا وهي حدث فريد من نوعه؛ ربما لا يتكرر مرة أخرى خلال هذا القرن على الأقل؛ وبات التعامل معها مشوباً بالحذر والحرص البالغين؛ فهي لا تستثني أحدا؛ والجميع معرض للإصابة بها.

فما ابتلاك إلا لأنه أحبك

ونحن على أعتاب نهاية الشهر الكريم؛ بفضائله ونعمه التي لا تٌحصى؛ وكلٌ منا يتقرب إلى الله سبحانه و تعالى بالعبادات والنوافل؛ في سباق لحصد أجر طال انتظاره؛ كما طال الشوق له.

أعمال تدخل بها إلى الجنة

مع زيادة عدد سكان الكرة الأرضية؛ وتجاوزها لما يفوق الـ 8 مليارات نسمة؛ ومع جائحة كورونا؛ وما تفعله بنا؛ حتى جعلت التباعد سمة الحياة الأفضل؛ تجنبًا للإصابة؛ ومن ثم حفظًا من الوفاة؛ لأنها الناتج الطبيعي للإصابة بفيروس كورونا.

[x]