لا تقتلوا الخفافيش

18-6-2020 | 08:50

 

على خلفية تحميلها مسئولية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"؛ تتعالى الأصوات في الصين حاليًا ل قتل الخفافيش ، والتقطت البيرو طرف الخيط، وبدأت بالفعل حملة منظمة لقتلها، ويبدو أن العدوى قد وصلت إلى أمريكا أيضًا.

هذه التصرفات تُعيد إلى الأذهان الكوارث التي ارتكبها البشر بحق البيئة، وبدل أن تجلب لهم نفعًا، كما كانوا يظنون، أدخلتهم في دوامة خلل التوازن البيئي ، وأورثتهم عللا وأمراضًا وخسائر اقتصادية لا حصر لها، لأنهم اعتدوا على فطرة الله في خلقه، الذي ( .. خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًا) و(..الَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ)، أي أعطى كل شيء خلقه من المنفعة المنوطة به المطابقة له، وبالتالي فإن غيابه يسبب خللا في التوازن البيئي .
ولنا في التاريخ عظة وعبرة..

فلماذا لم يتعظ الصين يون مما حدث في عام 1958، حين أمر ماو تسى تونج شعبه بقتل جميع أنواع "العصافير البنية"؛ لأنها تأكل المحاصيل وتقلل من الإنتاج الزراعي! فأخذ الفلاحون يقتلون عشرات الآلاف من العصافير البنية، وكان أكثرهم قتلا للعصافير يتلقى جائزة ويُعامل مُعاملة الأبطال الوطنيين!، لكن الجراد الذي كانت تأكله العصافير انتشر لاحقًا بشكل مأساوي في جميع أنحاء البلاد وقضى على المحاصيل؛ فكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية لمجاعة الصين الكبرى عام 1961، حيث توفي 15 مليون إنسان جوعًا.

أستراليا من أكثر قارات العالم التي عانت ومازالت من اختلال كبير في التوازن البيئي ، أبرزها مشكلتها مع الأرانب، حين جلب بريطاني 24 أرنبًا لتربيتها عام 1859، ثم أطلقها في الغابات لتشجيع رياضة القنص والصيد، وبعد أقل من 70 سنة تجاوز عددها 10 مليارات! ولما أعيتهم الحيل في القضاء عليها لأنها باتت تهدد زراعاتهم، لجأوا إلى التقنيات البيولوجية، فتراجع عددها في 2018 إلى 200 ألف أرنب!

كما يحاولون التخلص من سمك المبروك، وهو بالمناسبة من الأسماك التي تم استزراعها في مصر، وكان يتم بيعه على أنه سمك بوري! وآخر الحملات التي تشنها أستراليا منذ 2010 ضد الإبل، حيث تجرى لها عمليات قتل وحشية بالطائرات بحجة أن لها علاقة بالجفاف الذي تعانيه.

ولأنهم تعمدوا الإخلال بتوازن البيئة؛ انقلب السحر على الساحر، فقد أُدخل الضفدع في أستراليا عام 1935 لافتراس الخنافس التي كانت تتلف محاصيل قصب السكر، لكن هذا الإجراء فشل؛ لأن الضفدع لم يتمكن من تسلّق نبات القصب للوصول إلى الحشرة، وتحول الآن إلى آفة متنامية ومزدهرة.

ولم يخل الأمر من طرائف، منها ما وقع أثناء فترة الاحتلال البريطاني للهند، حيث عانت الحكومة البريطانية من زيادة أعداد ثعابين الكوبرا السامة في دلهي، لذلك عرضت مكافأة لكل ثعبان كوبرا ميت، كانت الفكرة ناجحة في البداية وقُتلت أعداد كبيرة من الكوبرا، لكن ما لم يكن في الحسبان أن الناس اتجهوا لتربية هذه الثعابين لتحسين الدخل! وعندما أدركت الحكومة ذلك ألغت المكافآت، ما جعل الثعابين بدون قيمة بالنسبة للمربين فأطلقوها، لذلك تزايدت أعداد الكوبرا.

حالة مشابهة حدثت في هانوي بفيتنام عندما كانت تحت الاحتلال الفرنسي، حيث أقر الفرنسيون مكافأة لكل جرذ مقتول، شريطة إحضار ذيله، لكن بدأ المسئولون يلاحظون وجود الفئران بدون ذيل في الشوارع، فاكتشفوا أن صيادي الفئران الفيتناميين يمسكونها ويقطعون ذيلها ثم يطلقونها مرة أخرى لتتكاثر من جديد وتنجب المزيد من الفئران؛ وبالتالي تزداد مكافآتهم!.

عودة إلى دعاوى قتل الخفافيش ، ففي مواجهة ذلك؛ حذر علماء البيئة من إلقاء اللوم على الخفافيش أو غيرها من الحيوانات البرية الأخرى في تفشي وباء كورونا، تفاديًا لعواقب وخيمة لا يمكن معالجة تبعاتها في المستقبل.

فوفقا للدراسات التي أجريت حتى الآن، فإن الفيروسات التاجية "العائلة التي ينتمي لها فيروس كوفيد 19" المكتشفة في الخفافيش التي تعيش في الصين تتشابه بنسبة 96% مع فيروس كورونا، وبرغم أن الفيروس التاجي المكتشف في تلك الخفافيش يشبه كورونا لدى البشر، فإن حيوانات أخرى أيضًا مثل النمس والقطط البرية والثدييات التي تأكل النمل والثعابين والأسماك، تعتبر أيضًا بين أبرز المشتبه بها في نقل الفيروسات التاجية .

إن تدخل البشر السافر في النظم البيئية أدى إلى انتشار أمراض فيروسية عن طريق حيوانات برية مثل الشمبانزي والطيور؛ لأن تدمير الحياة البرية أثر بشكل سلبي على احتمالات زيادة الاتصال ومعدلات انتقال الأمراض المعدية بين الحيوانات البرية الحاضنة للفيروسات من جهة، وبين البشر والحيوانات الأليفة من جهة أخرى.

لذلك طرأت في العقود الأخيرة زيادة كبيرة في الأمراض المعدية مثل فيروسات الإيدز وإيبولا وكورونا وسارس، وفيروس هانتا، الذي ينتقل من الفئران، وسببت حالة إصابة به في الصين في ظل أزمة كورونا حالة من الرعب والخوف من أن يتحول إلى وباء على غرار كورونا.

إن إعلان الحرب على الخفافيش أو غيرها من الحيوانات البرية الأخرى على خلفية تفشي كورونا، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تفشي الأمراض..
فسبحان من خلق هذا الكون بتوازن يُذّهل العقول.

 

مقالات اخري للكاتب

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

ولكم في الكتابة .. علاج!

هل تخيلت يومًا أن ينصحك طبيبك بالكتابة؛ سواء على الورق أو على حسابك الإلكتروني، للبوح لنفسك أو للآخرين بما يعكر عليك صفو حياتك، أو ما يثير قلقك ويؤرقك ويزيد معاناتك مع مرض ما؟

عندما يصمت الربيع!

ترى كيف يكون الربيع صامتا؟.. وإذا كتبت الأقدار الصمت على الربيع، فأين تذهب شقشقة العصافير.. وهديل الحمام وسجع اليمام.. وانتفاضة الشجر بالأزهار والبراعم

توابع كورونا النفسية!

بعدما صارت حميمية اللقاءات بين الناس في الشوارع وطقوسها من سلام وعناق شيئا من الماضي، وضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم بسبب الحصار الذي فرضه عليهم فيروس كورونا..

سينما الفيروسات والأوبئة!

إن من يمتلك التكنولوجيا يحكم العالم، فالإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس كانت بفضل عصر الاستكشاف الأوروبي الذي بدأ مع الاكتشافات البحرية العالمية، وأمريكا بسطت سيطرتها على العالم مع تفجير أول قنبلة نووية عام 1945..

تكنولوجيا زمن الكورونا

يبدو أن التكنولوجيا التى طالما واجهت اتهامات بالمسئولية عن التباعد الاجتماعي، وجدت في كورونا فرصة لتبييض وجهها، بعدما دخلت على الخط بقوة لمحاربة عدو لم يكن في الحسبان، وباتت وسيلة الناس الأكثر أمنًا وآمانًا في استعادة التواصل الاجتماعي المفقود في ظل أطول حجر صحي عرفه العالم..

إنسان 8 جيجا؟!

ربما يكون "اللمبى 8 جيجا" الفيلم المصرى الوحيد الذى يمكن اعتباره ـ إلى حد ما ـ من أفلام الخيال العلمى، حقيقة فى خلال 5 سنوات من الآن!!

عودة مشروطة للحياة!

ما أشبه الليلة بالبارحة فى التصدى لوباء كورونا مقارنة بما فعله العالم قبل مائة عام فى تصديه لجائحة إنفلونزا 1918..

في الثقافة الغذائية

رمضان شهر الطاعات والعبادات، بدل أن يكون فرصة للاقتصاد في النفقات، بات مصريا وعربيا شهرا لالتهام الطعام ومتابعة الفوازير والمسلسلات.. هكذا حولنا رمضان،

ماذا بعد كورونا؟!

يبدو أن حديث المؤامرة الذى سيطر فى بداية ظهور فيروس كورونا وتنحى قليلا مع تفشى الفيروس، عاد إلى الواجهة من جديد، فكلما ازدادت وطأة تفشى الفيروس فى أمريكا،

مادة إعلانية

[x]