إسرائيل تواجه خطر «انكشاف الغطاء»

16-6-2020 | 16:16

 

على الرغم من الإدراك الإسرائيلي لمحورية وإستراتيجية الارتباط بالولايات المتحدة الأمريكية باعتباره «ارتباطاً وجودياً» أى يؤمِّن الوجود والبقاء لكيان دولة الاحتلال الإسرائيلى، إلا أن الفكر الاستراتيجى الإسرائيلى اضطر لاستشعار الخطر والتحسب له بخصوص هذه العلاقة الارتباطية خشية حدوث أى تغير فى هذه العلاقة.


دوافع هذا التحسب والتخوف من حدوث أى تغير أو تحول فى هذه العلاقة الارتباطية أخذت تتراكم فى السنوات الأخيرة فى ظل بروز اختلافات فى الرؤى بين تل أبيب وواشنطن حول قضايا وأزمات شرق أوسطية، وفى ظل إدراك الإسرائيليين، مثل غيرهم، لوجود «معالم أفول» للقوة الأمريكية المهيمنة عالمياً وظهور قوى عالمية أخرى باتت قادرة على مناطحة ومنافسة الولايات المتحدة على الزعامة العالمية مما حفزهم على طرح السؤال الصعب: هل يمكن أن يحدث تغير فى علاقة الارتباط الإسرائيلية- الأمريكية؟ وهل تستطيع إسرائيل أن تعيش دون الحماية الأمريكية؟ وهل أمام إسرائيل بدائل لتجنب حدوث أى تغير أو تحول فى الارتباط الإسرائيلى بالولايات المتحدة؟

هذه الأسئلة الصعبة أعاد الجنرال فى الاحتياط عاموس يادلين رئيس معهد دراسات الأمن القومى، طرحها منذ أشهر قليلة مضت أمام مؤتمر هرتسيليا الشهير بعرض «مؤشرات خطر جديدة» تؤثر، من وجهة نظره، سلبياً في مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

فقد طرح يادلين خطرين جديدين يؤثران سلبياً على هذه العلاقة. الخطر الأول هو احتمال أن تشهد الولايات المتحدة، فى السنوات القليلة المقبلة، حدوث حركات احتجاج شعبية ذات جذور مغالية فى النزعة القومية والاتجاهات اليمينية المتطرفة والشعبوية على نحو ما تشهده القارة الأوروبية حالياً، ما يمكن أن يؤدى إلى احتمال ظهور أحزاب أمريكية جديدة أكثر شعبية تتوارى معها، إن لم تسقط كلية، الأحزاب الأساسية الحالية ذات الارتباط التاريخي والاستراتيجي بإسرائيل وبالتحديد الحزبان الجمهورى والديمقراطى. عندها لن تكون لإسرائيل الحظوة التى تتمتع بها حالياً مع الحزبين الحاكمين: الجمهورى والديمقراطى، وعندها سيكون الحديث عن علاقة ارتباط وجودى بين إسرائيل والولايات المتحدة نوعا من أطلال الماضى.

أما الخطر الثانى، فهو الحرج المتنامى فى العلاقة الإسرائيلية ــ الأمريكية بسبب التوجه الإسرائيلي لنسج «علاقات مصالح» اقتصادية مع الصين، حرصاً على عدم تفويت الفرصة لتأسيس علاقات قوية مع الصين كقوة عظمى صاعدة، إن لم تكن من أجل الاحتماء بها ضد أعدائها فيكون من أجل تفويت الفرصة على أعدائها الإقليميين للتحالف استراتيجياً مع الصين. عاموس يادلين أشار إلى وجود تحفظات، ترقى إلى درجة الرفض، من جانب الولايات المتحدة ضد هذه العلاقة الإسرائيلية مع الصين ، وأشار إلى الرفض الأمريكى لإعطاء إسرائيل توكيلاً للصين لإدارة أحد أرصفة ميناء حيفا البحرى خشية أن يؤثر الوجود الصينى فى ميناء حيفا على أمن القاعدة العسكرية الأمريكية القريبة من هذا الميناء، كما أشار إلى التحفظ الأمريكى على تنامى الاستثمارات الصينية فى إسرائيل وخاصة مشروع بناء الصين لمحطة تحلية المياه المسماة بـ «شورك-2» الكبرى من نوعها فى العالم الذى تستعد الصين لإقامتها فى إسرائيل بتكلفة أكثر من 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار) وستكون قادرة على إنتاج 200 مليون قدم مكعب من المياه المحلاة سنوياً. تحذيرات عاموس يادلين وغيره من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين تجد أصداءها الآن فى ظل حدثين مهمين هزا بعنف القناعات الإسرائيلية حول «علاقة الارتباط الأبدية بين إسرائيل والولايات المتحدة». الحدث الأول هو النظرة الأحادية الأمريكية المفرطة فى أنانيتها فى إدارة ملف «جائحة فيروس كورونا»، فلأول مرة تجد إسرائيل نفسها وحيدة أمام أزمة خطيرة دون وجود الظهير أو الحليف الأمريكى، واضطرت إلى طلب المساعدة من أطراف أخرى.

هذا الحدث كان بمثابة جرس إنذار للإسرائيليين يقول «احذروا أمريكا لن تدوم لكم». أما الحدث الثانى فهو تفجر الاحتجاجات الشعبية داخل معظم الولايات والمدن الأمريكية الكبرى جراء عملية الاغتيال البشعة للمواطن الأمريكى (أسود البشرة) جورج فلويد فى مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا (25 مايو الفائت) فقد هز هذا الحراك بعنف، ومازال، مكانة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لسوء إدارته هذه الأزمة واستعانته بقوات «الحرس الوطنى» العسكرية لإخماد التظاهرات وتهديده المتظاهرين بالاستعانة بالجيش. لم يؤد هذا الحراك وتداعياته، التى مازالت فى طور التفاعل فقط، إلى تهديد فرص الرئيس ترامب فى الانتخابات الرئاسية المقبلة (3 نوفمبر 2020) لصالح منافسه الديمقراطى جون بايدن الذي انحاز وحزبه إلى هذا الحراك، بل أدى أيضاً إلى انفضاض رجال الرئيس من حوله وتبرئهم من تصرفاته الرعناء خاصة وزير الدفاع مارك أسبر ورئيس الأركان الجنرال مارك ميلي ورفضهما أي أمر من الرئيس لإقحام الجيش فى التصدى لهذا الحراك الشعبى. أمريكا من المحتمل أن تواجه قريباً أفول عصرها، ودونالد ترامب بات مؤكداً سقوطه فى الانتخابات المقبلة، وفقاً لتقدم بايدن المتصاعد فى استطلاعات الرأى فماذا عسى إسرائيل أن تفعل؟

انكشاف الغطاء، ربما يكون هذا هو أفضل توصيف للعهد الجديد الذى سيواجه إسرائيل فى سنواتها المقبلة، وسيفرض عليها أن تجيب: كيف يمكنها أن تعيش دون الحماية الأمريكية؟ عبر مارتن إنديك صديق إسرائيل الحميم وسفير الولايات المتحدة الأسبق فى تل أبيب بقوله لراديو الجيش الإسرائيلى الخميس الفائت عندما سئل عما إذا كان نيتانياهو جاداً بشأن خطته لضم الكتل الاستيطانية بالضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية قال أنه «يعتقد أن ذلك ( ضم المستوطنات ) يحظى بدعم أمريكي»، وأضاف أن «نيتانياهو مدعوم من رئيس أمريكي لن يكون هنا (فى واشنطن) قريباً».

نبوءات إنديك أكدها فرانكلين فوير فى مجلة «اتلانتك» بقوله «أن نظام ترامب بدأ بالانهيار»، وأنه «انغمس خلال فترة رئاسته فى غرائزه الاستبدادية، وهو الآن يقابل المصير نفسه للمستبدين الذين ينقلب شعبهم ضدهم». حقائق باتت تفرض نفسها كواقع من الصعب على إسرائيل الهروب منه، ومن الصعب عليها أن تتهرب من دفع أثمانه.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

تحول إستراتيجي في معادلة الصراع الإقليمي

قبل أشهر معدودة من بدء انخراط إسرائيل فى موجة تطبيعها الجديدة مع دول عربية خليجية (حتى الآن) كانت قد صدرت دراسة مهمة عن مركز أبحاث «بيجن ــ السادات» فى

التفوق العسكرى النوعي وحصانة السلام

تكشف ردود الفعل الإسرائيلية العصبية عن ما جرى تسريبه من معلومات بخصوص وجود بنود سرية فيما يسمى «اتفاق السلام» بين الإمارات وإسرائيل من بينها تعهد الولايات المتحدة بإمداد دولة الإمارات بكمية كبيرة من الأسلحة الأمريكية المتطورة، إلى أى مدى يعيش كيان الاحتلال الإسرائيلى «خطر تهديد وجوده».

عودة اضطرارية لسياسة «اصطياد النمر»

يوماً بعد يوم ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية فى الثالث من نوفمبر المقبل يزداد توتر وعصبية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وإدارته خشية

ثلاثة أيام ساخنة في سباق الانتخابات الأمريكية

وطأة تطورات الحملات الانتخابية الرئاسية التى من المقرر إجراؤها فى الولايات المتحدة يوم الثلاثاء الثالث من نوفمبر المقبل تبدو ثقيلة على المرشحين المتقدمين

مسئوليات ما بعد «الصدمة»

من الخطأ التوسع والتمادى فى الترويج لحديث «الصدمة» كاستخلاص لإعلان الحكومة الإثيوبية نجاحها فى اكتمال مرحلة الملء الأولي لبحيرة «سد النهضة» الإثيوبى فى

معركة حول النيل في بيئة غير مواتية

بكل المعانى يجب أن نكون فى مصر مدركين أننا «نخوض حرباً واسعة متعددة الأبعاد والمستويات» مع إثيوبيا حول حقوقنا «الحياتية» فى مياه نهر النيل. لم تعد الأزمة

أشباح «الاحتراق الكبير» تحوم بين إيران وإسرائيل

يبدو أن الأحداث بدأت تتسارع بصورة مخيفة لتنبئ عن احتمالات حرب موسعة بين إسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة، وبين إيران. دوافع التفكير الإسرائيلي بشن هذه

المسكوت عنه في ملف السد الإثيوبي

المتابع لمسار التفاوض بين مصر وإثيوبيا حول مشروع «سد النهضة» على مدى أكثر من عشرين عاماً، في مقدوره أن يخرج بنتيجتين مهمتين يجب ألا تغيبا عن المفاوض المصري.

أجندة مصر في معركة السد الإثيوبي

انتهت القمة الافتراضية المصغرة التى عقدت عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» يوم الجمعة الماضى (26/6/2020) بمشاركة كلٍ من الرئيس المصرى ورئيس الوزراء الإثيوبى

استحالة انتصار الوهم

عندما أكد بنيامين نيتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية ــ عقب توقيعه على اتفاق تشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة مع شريكه بينى جانتس ــ عزمه على فرض السيادة

معركة اقتلاع الأمل

قد يعتقد البعض، عن سوء تقدير لحقيقة «الحالة الصراعية» التى تخوضها إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 وحتى الآن لفرض وتثبيت وجودها كدولة طبيعية على أرض فلسطين، أن «المعارك الثلاث» التى اتفق عليها بين كل من بنيامين نيتانياهو زعيم حزب «الليكود» وبينى جانتس زعيم حزب «حوسين ليسرائيل»

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]