آخر الأخبار

الخبير الإيطالى باولو ماجرى لـ «الأهرام»: أوروبا تفتقد الرؤية والاستعداد لوضع سياسة جديدة نحو الجوار المتوسطى

15-6-2020 | 14:52

الخبير الإيطالى باولو ماجرى

 

هند السيد هانى

تقود إيطاليا جهودا لوضع رؤية إستراتيجية أوروبية جديدة نحو جنوب المتوسط وسط مخاوف مما قد يسفر عنه تفشى فيروس كورونا ، فضلا عن الصراع المستمر فى ليبيا وعدم الاستقرار فى منطقة الساحل الإفريقى . فخلال الأيام القليلة الماضية انعقد مؤتمر عبر «الفيديوكونفرانس» روجت له وزيرة الخارجية الإسبانية أرانتشا جونزاليس حول آفاق الجوار الجنوبى، على ضوء النقاش حول أثر وباء «كوفيد 19» على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.


وخلال المؤتمر قالت مارينا سيرينى نائبة وزير الخارجية الإيطالية إن بلادها شددت باستمرار على مر السنين على ضرورة الاهتمام بالجوار الجنوبى، مؤكدة أنه الآن أصبح من الملح والضرورى العمل معًا، كاتحاد أوروبى، لوضع رؤية استراتيجية جديدة وطموحة .

وأوضحت سيرينى أن «سياسة الجوار الأوروبية الجديدة التى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الإجراءات العالمية للاتحاد الأوروبى، تعد أمرا أساسيا لا على صعيد مواجهة حالة الطوارئ الصحية لـ «كوفيد 19» وحسب، بل ومن ناحية مخاطر عدم الاستقرار الجديدة التى يمكن أن تأتى من السواحل الجنوبية، وذلك بدءًا بالصراع المستمر فى ليبيا وعدم استقرار منطقة الساحل الإفريقى »، على سبيل المثال لا الحصر.

ومنذ إطلاق سياسة الجوار الأوروبى عام 2004 بعد توسعة العضوية ب الاتحاد الأوروبى لتشمل 10 دول جديدة هدف الاتحاد الأوروبى إلى تعزيز الرخاء والاستقرار والأمن فى دول الجوار خاصة جنوب وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط، وارتبط تطوير هذه السياسة بالأحداث الكبرى مثل ما شهده عام 2011 من تغييرات كبيرة. والآن مع تزايد التحذيرات مما قد يخلفه فيروس كورونا من آثار فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدأ التحرك الأوروبى من إيطاليا نحو تطوير إستراتيجية أوروبية جديدة.

وفى تصريحات لـ «الأهرام» أوضح باولو ماجرى، نائب رئيس ومدير معهد الدراسات السياسية الدولية «ايسبى» أحد أعرق المراكز البحثية فى إيطاليا - الذى يرجع تاريخ تأسيسه لعام 1934 ـ أن هناك إدراكا داخل الاتحاد الأوروبى بأنه لا يمكن المجازفة بموجة جديدة من عدم الاستقرار على الحدود الجنوبية للاتحاد، مثل تلك التى حدثت عقب أحداث الربيع العربى. وقال إن وباء كورونا سيتسبب فى خسائر مدمرة لاقتصادات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خاصة فى ضوء مواكبة انتشار هذا الوباء مع أزمة البترول التى أدت إلى انخفاض شديد فى الريع الذى عادة ما توزعه حكومات عديدة فى المنطقة على مواطنيها، تزامن ذلك مع أزمة الأمن الغذائى، وهى تبعة أخرى من تبعات الوباء، مما سيؤدى لا محالة إلى تزايد السخط مع احتمال حدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية. ومع ذلك أضاف ماجرى أنه لا يرى أن الاتحاد الأوروبى يتخذ أى إجراءات عملية لمنع حدوث ذلك. وأشار إلى حزمة المساعدات التى أعلنت عنها دائرة الشئون الخارجية للاتحاد تحت شعار «فريق أوروبا»، مضيفا أنها مخصصة لبعض الدول فقط ولا تضع تصورا لإصلاحات هيكلية. وأعرب ماجرى عن خشيته بأن المخاطرة فى هذا الصدد لا تتعلق بمدى اتحاد الأوروبيين حول الهدف وإنما بقصور الرؤية والاستعداد.

وأوضح ماجري- مدير «ايسبى» الذى يعد رافدا بحثيا رئيسيا و مغذيا لوزارة الخارجية الايطالية- أنه منذ تعديل سياسة الجوار الأوروبى عام 2011، فقد اختار الاتحاد الأوروبى الاستقرار بدلا من الزعم بالقدرة على إحداث تحولات فى الجوار، مضيفا أن ذلك ما أكدته «الاستراتيجية العالمية» عام 2016 التى اعتمدت «الصمود» (فى دول المتوسط) كمبدأ توجيهى. وأشار إلى أنه بالرغم من التأكيد الشديد على الأمن ، فإنه لا يرى نجاحا كبيرا فى تحركات الاتحاد الأوروبى إزاء جيرانه. وألمح إلى أن الاتحاد الأوروبى طور نهجا يرتكز على احتواء الهجرة ، مما أفضى إلى تطوير الاتحاد لعلاقات مع دول جنوب المتوسط، وهو ما أدى فى النهاية إلى تراجع تأثير الاتحاد على هذه الدول.

وحول الانقسام داخل الاتحاد الأوروبى إزاء الأزمة الاقتصادية التى خلفتها كورونا، قال ماجرى: إن صورة انقسام الاتحاد الأوروبى التى تجلت خلال المرحلة الأولى من تفشى الوباء أضرت بسمعة الاتحاد ليس داخليا فقط وإنما خارجيا أيضا. واعترف ماجرى بأن الاستجابة الأولى كانت بطيئة. وأضاف أنه منذ ذلك الحين وأوروبا تحاول أن تكون هناك استجابة مشتركة، على سبيل المثال بتخصيص موارد كبيرة لشراء معدات الوقاية وإمدادات طبية وأيضا من خلال تخصيص 187 مليون يورو للبحوث الخاصة بفيروس «كوفيد 19». وأضاف أن الإجراءات التى تم اتخاذها لإنقاذ الاقتصادات الأوروبية كانت جريئة: فقد دشن البنك المركزى الأوروبى برنامجا بقيمة 750 مليار يورو، كما أن صندوق الإنعاش الأوروبى الذى اقترحته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون يعد خطوة تاريخية دافعة للأمام للاتحاد الأوروبى. وقال:«نحن لا نعلم بعد إذا كان هذا الاقتراح سيتحول إلى واقع، لكنى أعتقد أن قادة الدول الأعضاء يدركون جيدا فى هذه المرحلة المسئولية التاريخية التى تقع على عاتقهم، فالأمر لم يعد مسألة سمعة فقط وإنما النجاة من هذا التحدى الوجودى».

وحول مدى التغيير الذى سيحدثه فيروس كورونا فى السياسة الدولية، استبعد ماجرى أن يؤدى الوباء إلى تغيير جذرى فى العالم، وإنما سيزيد بشكل جذرى من سرعة التغيير الذى كان يحدث بالفعل. وأضاف أنه يجب توقع أن تسرع الليبرالية من موتها البطىء، وأن يصبح المستبدون الشعبويون أكثر سلطوية. وقال إننا سنرى أمريكا أكثر أحادية خاصة إذا فاز دونالد ترامب بولاية ثانية، وسنرى الصين أكثر طموحا. وأضاف أنه لسوء الحظ فإن أوروبا ستظل على الأرجح ساحة معركة بين القوتين المهيمنتين الطموحتين. وقال إنه يعتقد أن أحد أكثر الاتجاهات إثارة للاهتمام خلال الأشهر المقبلة هو كيف ستكون العلاقة عبر الأطلنطى: إذا كانت أوروبا بدافع من الدول الأعضاء الأقوى مثل فرنسا وألمانيا ستضع إستراتيجية لزيادة استقلاليتها وسيادتها أمام المصالح المتباعدة المتزايدة. أو على العكس من ذلك، فإن أوروبا ستمزقها الانقسامات الداخلية، حيث تنحاز الدول الأعضاء لقوى خارجية تختارها كظهير سواء كانت الولايات المتحدة أو الصين أو حتى روسيا.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]