فى روسيا .. «طباخ الرئيس» وتشكيلاته المسلحة فى سوريا وإفريقيا

15-6-2020 | 15:25

جهاز الحراسة الفيدرالية، وكلهم من أصحاب الرتب العسكرية

 

رسالة موسكو : د. سامى عمارة

نستهل الحديث عن « طباخ الرئيس »، بما قاله الرئيس فلاديمير بوتين حول «ان كل طباخيه» من جهاز الحراسة الفيدرالية، وكلهم من أصحاب الرتب العسكرية، ولا علاقة لهم بما يقال حول « طباخ الرئيس ». أكد بوتين عدم صحة ما يقال حول ارتباطه بـ «يفجينى بريجوجين » من يسمونه « طباخ الرئيس »، والمعروف بأنه من يقف وراء دعم وتمويل تشكيلات الحراسة الخاصة التى تحمل اسم « فاجنر ». وكان الرئيس الروسى أفصح عن ذلك فى معرض رده على سؤال حول هذه التشكيلات التى ثمة من إتهمها ويتهمها بالتورط فى عمليات مسلحة فى افريقيا، وكذلك فى سوريا إلى جانب القوات الحكومية، وفى ليبيا ضمن صفوف الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير حفتر . وللمزيد من الإيضاح نفيا ودحضا لمثل هذه المعلومات أو الشائعات ، قال بوتين إن «هذه التشكيلات لا علاقة لها بالدولة الروسية ولا تتقاضى منها أية أموال».


فمن هو إذن « طباخ الرئيس » الذى يتردد إسمه كثيرا مقروناً بمجموعته المسلحة التى إختار لها اسم « فاجنر » وما هى أبعاد نشاط هذه «المجموعة» فى سوريا وليبيا ومواقع أخرى كثيرة، وماذا عما يقال حول ارتباطها بجهات رسمية تقف وراء هذا النشاط بين أنساق السلطة العليا فى موسكو ؟

تقول «الأدبيات» الروسية، ومنها الكثير من المواقع الإلكترونية، إن هناك من الشخصيات التى تدور فى فلك الدوائر الرسمية، من يقف وراء هذه المجموعة المسلحة التى يجرى اللجوء إليها لتنفيذ بعض العمليات «غير الرسمية»، على غرار تشكيلات «بلاك ووتر» الأمريكية المسلحة، التى طالما لجأت وتلجأ اليها القوات المسلحة الأمريكية فى العراق وفى أفغانستان ومواقع أخرى كثيرة، لتغطية أعمالها التى يصفونها بـ«القذرة». وتكشف التصريحات التى تذخر بها المواقع الإلكترونية، وما وجدناه من «صور فوتوغرافية» ومشاهد فيديو، عن أن «رجل الأعمال» الملياردير يفجينى بريجوجين هو من يقف وراء تشكيل « فاجنر ».

فمن يكون « بريجوجين » ؟

تقول المصادر الروسية إن بريجوجين من مواليد لينينجراد ( سان بطرسبورج ، موطن الرئيس بوتين) فى عام 1961. تخرج من إحدى المدارس الرياضية فى المدينة عام 1977، وانزلق فى صباه إلى عالم الجريمة، ما كان سببا فى صدور الحكم عليه بالسجن لمدة 12 عاما ولم يكن تجاوز كثيرا مرحلة الصبا والشباب. ولم يكد بريجوجين يتمتع بحريته بعد الإفراج عنه فى مطلع تسعينيات القرن الماضى، حتى إنزلق إلى عالم «البيزنس» مع زوج أمه، من خلال افتتاحه العديد من «أكشاك» الوجبات السريعة، التى سرعان ما أعقبها بافتتاح عدد من المطاعم الشهيرة ومنها العائمة على ضفاف أنهار « سان بطرسبورج ».

وثمة من يقول إن مطاعمه الشهيرة كانت لقيت إعجاب قيادات المدينة، ومنها الرئيس بوتين الذى استضاف فى أحد هذه المطاعم رئيس الوزراء الفرنسى جاك شيراك فى صيف عام 2001. وفى حديث نشرته مطبوعة «المدينة 812» الصادرة فى سان بطرسبورج قال بريجوجين (ان فلاديمير بوتين شاهد بنفسه كيف استطعت تحويل «أكشاك» الطعام الصغيرة الى «بيزنس» يُعتد به). ومضى ليقول ::

«إن بوتين لمس شخصيا كيف إننى لا أتورع عن القيام بنفسى على خدمة الزبائن، الذين أعتبرهم بمثابة ضيوف شخصيين».

وقالت الصحيفة إن بريجوجين كان ولا يزال يقوم بنفسه بخدمة ضيوفه من «كبار الزوار». أمًا عن كيفية تسلله الى «حاشية» الرئيس، يقول الموقع الالكترونى «ميدوزا»، إنه وجد الطريق إلى ذلك عبر عدد من أفراد طاقم خدمة الرئيس، من السائقين وحتى رجال الحراسة. ونقل موقع «ميدوزا» عن مجلة «فوربس» ما نشرته فى عام 2013 حول «إن بريجوجين نسج علاقة صداقة مع رئيس جهاز حراسة الرئيس بوتين، فيكتور زولوتوف أحد كبار رجال الحراسة السابقين للرئيس، والقائد الحالى لقوات «الحرس الوطنى». وكان بريجوجين وجد الطريق أيضا إلى رومان تسيبوف، الذى عمل حارسا شخصيا لبوتين خلال سنوات عمله نائبا لعمدة سان بطرسبورج فى مطلع تسعينيات القرن الماضى».

ومضت المصادر لتقول إن بوتين استضاف فى أحد أشهر المطاعم العائمة المملوكة ل بريجوجين ، الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش الإبن فى مايو عام 2003 ، كما انه احتفل بعيد ميلاده فى نفس المطعم فى خريف عام 2003. واستطاع بريجوجين المضى إلى ما هو أبعد فى علاقاته مع ممثلى الكرملين، بعد أن تمكن من التسلل الى حاشية الرئيس السابق دميترى ميدفيديف، الذى خلف بوتين فى عام 2008. وتلك كلها خطوات تكفى وحدها لنسج علاقات استطاع من خلالها تمهيد الطريق المناسب للفوز بالعديد من الصفقات الخاصة باحتكاره لعمليات إمداد مختلف مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية بالأطعمة والمواد الغذائية، بما فيها المدارس والمؤسسات التعليمية، بل ووحدات القوات المسلحة الروسية، وهو ما عاد على «صاحب سلسلة المطاعم » بمئات المليارات.

ما يهمنا هنا، ليس أكثر من محاولة إلقاء الضوء على خطوات ومحطات مسيرة رجل أعمال استطاع تجاوز كبوات صباه وشبابه، ليخرج منها إلى عالم «البيزنس» الرحب، ومنه إلى عالم السياسة والاقتصاد فى مدينة كانت ولا تزال هى الأكثر تأثيرا والأعلى قيمة ومعنى فى تاريخ روسيا، وهى التى جاءت منها الغالبية الساحقة التى تمسك بكل مقاليد الإدارة والحكم فى الدولة الروسية المترامية الأطراف!.

تقول «الأدبيات الروسية» إن ما نسجه بريجوجين من علاقات مع كبار رجال الدولة وفى مقدمتهم آنذاك أناتولى سيرديوكوف وزير الدفاع السابق (2007-2012) ، وخريج معهد التجارة السوفيتية فى عام 1984، والمسئول الأسبق عن عالم تجارة الأثاث فى سان بطرسبورج فى تسعينيات القرن الماضى، وزوج ابنة فيكتور زوبكوف رئيس الحكومة الروسية الأسبق (2007-2008)، ساعده كثيرا فى الفوز بثقة كبار رجال الدولة والحكومة. وتشير أيضا إلى أن بريجوجين اكتنز القسط الأكبر من ثرواته المالية التى تراكمت على مر السنين، من علاقاته والعقود التى وقعها مع وزارة الدفاع الروسية خلال رئاسة سيرديوكوف لهذه الوزارة، أى خلال الفترة من 2007 وحتى 2012. وأضافت المصادر أن ما افتتحه بريجوجين من «نقاط التغذية» التابعة لرئاسة الأركان ووزارة الدفاع كانت تستأثر بنسبة 90% من كل العقود التى توقعها هذه المؤسسات العسكرية. وقد استغل بريجوجين ذلك فى الترويج لذاته وما يستأثر به من نفوذ ومواقع، ما ساهم فى ترويج «شائعة» انه «مستشار إدارة الرئيس». لكن وما أن جرت تنحية سيرديوكوف من منصب وزارة الدفاع فى ظروف مأساوية فى عام 2012 قادته لاحقا مع إحدى مرؤوسيه إلى ساحات القضاء، حتى صدر القرار الذى نص على إلغاء «احتكارات» بريجوجين لإمدادات التغذية والأطعمة، وعدم مد عقوده الموقعة مع القوات المسلحة. وكان ذلك هو القرار الذى أصدره وزير الدفاع الروسى الجديد سيرجى شويجو. آنذاك واعتبارا من ذلك التاريخ بدأ بريجوجين و«مؤسساته» مسيرة محاولاته التسلل إلى صفوف المعارضة، والفوز بثقتها عبر المشاركة بنقاطه «للتغذية»، خلال تحركاتها الاحتجاجية ضد النظام. كما نجح فى تشكيل «كتائبه الإلكترونية» التى سرعان ما تحولت إلى خدمة السياسة الرسمية للدولة، بينما قام بتشكيل وكالاته الإعلامية العابرة للحدود، ومنها فى أوكرانيا اعتبارا من عام 2013 أى قبيل اشتعال الأزمة الأوكرانية التى انتهت بالاطاحة بالرئيس الأوكرانى الأسبق يانوكوفيتش فى عام 2014. وأشارت صحيفة «نوفايا جازيتا» الروسية المعارضة إلى أن نشرات «الوكالة الإعلامية» التى وقف بريجوجين وراء تأسيسها وتمويلها، وأطلق عليها اسم «خاركوف» (نسبة إلى إحدى أهم المدن الأوكرانية التاريخية) ، وافتتح فرعا لها فى القرم، اتسمت بطابع أقرب إلى الموالاة للسياسات والتوجهات الروسية الرسمية. وأضافت الصحيفة إن «الكتائب الإلكترونية» التابعة ل بريجوجين لعبت أيضا دورا مماثلا خلال زيارة الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما ل سان بطرسبورج للمشاركة فى قمة العشرين فى عام 2013، من خلال تسللها إلى صفوف حركات «المثليين» التى طالما حظيت بتعاطف الرئيس الأمريكى. وهناك من الوقائع الكثير الذى تطرقت اليه المصادر الروسية حول دور بريجوجين وتشكيلاته الإلكترونية وكما أشرنا عاليه، فى إختراق تنظيمات المعارضة الروسية ومطبوعاتها الورقية والالكترونية. وكشف موقع «ميدوزا» الإلكترونى عن بعض مشاهد اجتماع عقده الرئيس بوتين مع رؤساء عدد من رؤساء الصحف الروسية فى مارس 2015 لمناقشة تطورات الوضع الراهن. وأشار إلى أن بريجوجين كان من قام بنفسه على خدمة الضيوف من رؤساء التحرير، ومنهم عدد من رؤساء تحرير الصحف المستقلة الذين اكتشفوا ذلك، وهو ما أزعجهم وأثار حفيظتهم نظرا لإدراكهم تبعات ما يقوم به من أدوار لا تتفق مع توجهاتهم.

ورغم ما اتخذه وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو من قرارات اتسمت فى حينها بطابع «رافض» لأى دور يقوم به بريجوجين داخل المؤسسة العسكرية، حتى وإن اقتصر على التغذية وخدمة مساكن الجنود والضباط، فقد كشفت السنوات التالية عن عودة «حميدة» لمن يسمونه بـ«طباخ الكرملين« والذى تجاوز كثيرا أدواره السابقة. وكشفت صحيفة «فونتانكا. رو» الإلكترونية التى تصدر فى سان بطرسبورج عن تفاصيل كثير من التجاوزات التى وقعت فى عام 2015 من جراء تكرار تسلل التشكيلات الاقتصادية التابعة لـ« بريجوجين » إلى صفوف المؤسسات الخدمية للقوات المسلحة.

لكن ما قد يستحق الاهتمام أكثر، هو ما تناولته صحيفة «نوفايا جازيتا» المعارضة التى كشفت عما قامت وتقوم به «شركات الحراسة المسلحة» التى تحمل اسم « فاجنر » والمنسوبة إلى الملياردير يفجينى بريجوجين الذى يسمونه بـ« طباخ الرئيس ». وأماطت الصحيفة المعارضة اللثام عن توقيع عقود لاستثمارات شركتين روسيتين هما «فيلادا» و«ميركورى» فى مجال التنقيب عن النفط والغاز فى سوريا، وقالت إن الشركتين تابعتان لـ« طباخ الرئيس ». وأضافت أن البرلمان السورى صدق فى 16 ديسمبر 2019 على العقود الموقعة بهذا الشأن. وذكرت فى عددها الصادر فى 19 يناير الماضى ان الشركتين جديدتان فى مجال التنقيب عن الغاز والنفط، ومع ذلك فقد حظيتا بحق العمل فى مساحات تقدر بـ12 الف كيلومتر مربع. ولعل ذلك قد يكون الثمن الذى تقاضته قيادة هاتين الشركتين مقابل دورها الذى ذكرت مصادر المعارضة السورية، انها قامت به فى دعم القوات السورية فى معاركها المسلحة مع فصائل المقاتين المسلحين ممن يعملون فى شمال غربى سوريا، حسب مصادر سورية.

ونتوجه إلى ليبيا شرقاً لنتابع ما يقال حول دور « فاجنر » فى دعم الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير حفتر . وننقل عن قسطنطين إيجيرت المستعرب الذى عمل فى السابق كضابط اتصال ومترجم فى منطقة الشرق الأوسط، ويعمل فى إذاعة «بى بى سى» البريطانية إلى جانب عمله فى قناة تليفزيون «دوجد» الروسية المعارضة، ما كتبه حول «ان مقاتلى شركة الحراسة الروسية والذين وصفهم بانهم «مرتزقة بريجوجين »، صاروا الأداة الفعالة غير باهظة الثمن للدفاع عن مصالح الانساق الروسية العليا، والذين لا يتورع الكرملين فى استخدامهم». وأضاف إيجيرت فى مقالته التى نشرها على موقع قناة «دويتشى فيللا» الإلكترونى، انه شاهد بنفسه عددا منهم فى أحد مطارات موسكو الدولية «شيريميتيفو»، واستطاع بخبراته السابقة كضابط اتصال، أن يميز بينهم أولئك القادمين من مجاهل روسيا ممن تكسو رسوم «الوشم» أجسادهم، ما يشير إلى أنهم من خريجى السجون الروسية، وبما قد يعنى ضمنا انهم يغادرون روسيا لآداء «مهام غير رسمية»، تستند إلى ما اكتسبوه من خبرات ونشاط أفضى بهم إلى غياهب تلك السجون. وقال إنه تذكر هذا المشهد حين طالع أخيرا تقرير الأمم المتحدة حول مشاركة من 800 الى 1200 من مقاتلى « فاجنر » إلى جانب الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر. أما عن الدوافع والدلالات حول نشاط « فاجنر » فى ليبيا ومساهماتها فى المعارك الدائرة هناك، ومقارنتها بما كان عليه الحال إبان سنوات حكم الرئيس الراحل القذافى وتفاصيل استعانته بالخبراء السوفييت ثم الروس وما كان يحصل عليه من إمدادات عسكرية هائلة، فتلك «قصة أخرى» يمكن تناولها فى وقت لاحق.



نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]