أمريكا ونبوءة يوسف الشريف

14-6-2020 | 14:06

 

بعد أحداث الشغب الواسعة في الولايات المتحدة، عقب مقتل مواطن أسود عمدا علي يد الشرطة، هلل مشاهدو مسلسل النهاية واحتفلوا علي صفحات التواصل الاجتماعي ، فأحداث المسلسل دارت في القرن الحادي والعشرين، بعد تفكيك الولايات المتحدة و اختفاء إسرائيل ، وبدا كما لو أن الفصل الأول من نبوءة المسلسل هبط من فضاء الخيال إلي أرض الواقع بسرعة الضوء.


وفي الحقيقة النبوءة ليست من إبداع النجم يوسف الشريف صاحب فكرة المسلسل، الفكرة قديمة منذ نشوب الحرب الأهلية الأمريكية في ستينيات القرن الثامن عشر، تبرق ثم تخفت دون أن تموت، وقد صدرت كتب كثيرة عنها في الولايات المتحدة نفسها وفي أوروبا، ناهيك عن دراسات في مجلات متخصصة شرقا وغربا، بل ثمة حركات انفصالية فعلية ، وصلت إلي حد إن 15 ولاية أمريكية قدمت طلبا للانفصال في نوفمبر 2012، بعد أيام قليلة من انتهاء الانتخابات الرئاسية. وبعدها بثلاث سنوات، أرسلت مجموعة من سكان ولايتي ألاسكا وهاواي بيانا ناشدوا فيه الأمم المتحدة، إجراء استفتاء لتقرير المصير، تصحيحا لما سموه ضم أراضيهم إلي الولايات المتحدة بطريقة غير مشروعة، وعن طريق الخداع. فهل الولايات المتحدة فعلا علي وشك التفكك كما حدث مع الاتحاد السوفيتي؟

رغم الكتب والدراسات التي ترجح اختفاء الولايات المتحدة وإحلال ما بين ست إلي إحدي عشرة دولة محلها، فإن ثمة فوارق كثيرة بين طبيعة تكوين الولايات المتحدة المحتمل تفككها والاتحاد السوفيتي الذي انهار فعلا، فوارق جغرافية وتاريخية وثقافية واقتصادية وسياسية، تجعل من تفكك الولايات المتحدة أمرا أكثر صعوبة مما حدث للاتحاد السوفيتي، أولا لأن: درجة الترابط بين هجرة الأمريكان وتحركاتهم بين الولايات ومصالحهم علي امتداد القارة عالية جدا، ثانيا: أغلبية الأمريكان مرتبطون نفسيا بفكرة القوة العظمي ولم تكسرها بعد العنصرية والتفاوتات الاقتصادية الاجتماعية المتصاعدة.

إذن لماذا تتصاعد فكرة التحلل إلي مجموعة دول؟ قرأت أول كتاب عن تقسيم أمريكا في صيف عام 1992، كنت أدرس في كلية الصحافة بجامعة بوسطن لثلاثة أشهر، كتاب الأمم التسع لأمريكا الشمالية، الصادر في عام 1981، وكتبه جويل جارو، وكان رئيسا لتحرير واشنطن جلوب، ويري أن الولايات المتحدة يمكن أن تنقسم إلي تسع أمم منفصلة، بسبب اختلافات كبيرة بين ولاياتها في الاقتصاد والثقافة، واعتبر الكتاب نوعا من الفانتازيا السياسية، شطط في التصورات: هل يمكن لمجتمع بهذه الوفرة المادية والقوة العسكرية أن ينقسم دون أسباب ضرورية؟، خاصة أن هذه الاختلافات التي استند إليها تكاد تكون سمة شائعة في كل دولة خاصة بين مناطق الشمال والجنوب، أو الغرب والشرق، كما هو الحال في إيطاليا وألمانيا وفرنسا والهند. والأهم أن الفرصة أتاحت لي زيارة أكثر من عشر ولايات مختلفة ومتباعدة جدا، صادفت اختلافات كالتي يوجد مثلها في أغلب دول العالم التي تتشكل من أعراق ولغات مختلفة. لكن الصحفي الأمريكي اللامع كولن وودارد فسر أفكار جويل جارو عن الاختلافات الثقافية والاقتصادية بين الولايات بطريقة أوضح بعد 30 سنة، في كتاب مثير بعنوان الأمم الأمريكية: تاريخ الأقاليم الثقافية الأحد عشر المتنافسة في أمريكا الشمالية، يسأل في مقدمته سؤالا صعبا في عبارة طويلة حاولت المحافظة عليها حرفيا دون تبسيط في الترجمة حرصا علي الدقة: هل الاختلافات الاجتماعية الحادة متجذرة في الواقع الأمريكي إلي حد ما ؟، هل الولايات المتحدة الدولة الواحدة المتوافقة هي بالفعل 11 أمة كل منها لها قيم ووجهات نظر خاصة وثقافة متابينة بشدة؟

يقول وودارد: لا توجد أمريكا ثقافة واحدة، وإنما أمريكات متعددة، لأنها لم تنشأ أصلا كمؤسسة واحدة، بل مجموعات منفصلة كليا كونت عناقيد من مستعمرات منفصلة لها مثل عليا وأهداف مختلفة..وأحفاد المؤسسين لهذه الأقاليم علي امتداد أجيالهم لا يستوعبون ثقافة أمريكية محددة، بقدر ما يستوعبون ثقافة هذه الأقاليم، وهي التي تقود روح الشعب والسمات العامة المستمرة لهذه الأمم.

وضرب وودارد مثلا بالجزء الجنوبي من الولايات المتحدة، الذي تشكل عبر العبودية والتحرر، وهو حتي اليوم يقاوم أي محاولات لزيادة السطوة الفيدرالية عليه.

صنف وودارد الأمم المتميزة من الشرق إلي الغرب ومن الشمال إلي الجنوب علي هذا النحو : اليانكيز، هولندا الجديدة، إقليم المد والجزر، الأرض المتوسطة، أبالاشيا الكبري ، الجنوب العميق، فرنسا الجديدة ، الأمة الأولي، الغرب البعيد، الساحل الأيسر، والنورت. لكن الكتابات الخارجية عن تفكك الولايات المتحدة لا تشغلها هذه الاختلافات الثقافية والاقتصادية، وإنما تهتم بالدور الإمبراطوري الاستعماري الذي تلعبه واشنطن في العالم، ومنهم عالم الاجتماع الدنماركي الدكتور يوهان جالتونج، الذي أصدر كتابه المهم سقوط الإمبراطورية الأمريكية..ماذا بعد في عام 2008، وجزم فيه بأن السقوط سيبدأ فعليا في عام 2020 وينتهي في عام 2025، وطبعا هو يتحدث عن انتشار القوات الأمريكية في أربعة ارجاء المعمورة، وانغماسها في القتال منفردة دون حلفائها الذين انسحبوا بالتدريج، وأنها لن تستطيع تحمل هذه التكاليف الباهظة، في الوقت الذي ستنمو اقتصاديات أخري نموا هائلا، مما يسبب لها مشكلات داخلية لن تستطيع التعايش معها. المدهش أن بيو مركز الأبحاث الأمريكي الشهير أصدر دراسة في مارس 2019 عن تصورات الأمريكيين عن حال بلادهم في عام 2050، وجاءت النبوءات متشائمة جدا في جانبين: دور أضعف لأمريكا في الخارج، ومصاعب اقتصادية أكبر في الداخل. أما الخبير الروسي إيجور بانارين ففي بداية الألفية الثالثة توقع انهيارا اقتصاديا وأخلاقيا للولايات المتحدة ودخولها في حرب أهلية ينتج عنها انقسام البلاد إلي ست دول خلال عام 2010، ولم يصدق. لكن احتمال التفكك وارد، والمسألة لا تتعلق بما نرغب أو لا نرغب، مع أو ضد، وإنما بالمعرفة.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]