المتن المقدس والمتون البشرية (5)

14-6-2020 | 14:06

 

هل سأل أحد نفسه ما قول الله تعالي في المتون البشرية؟ أم يكتفون بأقوال أصحاب القداسة المزعومة؟


قال الله تعالي في قوله الفصل في محكم آياته قطعية الثبوت قطعية الدلالة: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء: 82).

إذن فقد حسم القرآن الكريم مسألة المتون البشرية، أيا كان مَن وضعها، حسما مطلقا. وما التراث سوي متون بشرية، وكل ما جاء من عند غير الله به اختلاف كثير، أي به تفاوت في الجودة، وتفاوت في الصواب والخطأ، وتفاوت في الإيجابي والسلبي،وبه القوي وبه الضعيف، وبه اتساق واتزان واضطراب وتضاد وتعارض بدرجة أو أخري، وقابل للمراجعة والتحسين دوما. وهو غير مطلق؛ لأن المطلق ليس به اختلاف ولا تفاوت.والخالي من كل ذلك هو الوحي وحده. وهذا هو الدليل علي كونه من عند الله تعالي؛ لأن كل ما جاء من مصدر غير إلهي لابد أن يكون فيه اختلاف كثير. قال أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ:«... إذَا كَتَبَ كِتَابًا طَوِيلًا مُشْتَمِلًا عَلَي الْمَعَانِي الْكَبِيرَةِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَظْهَرَ التَّفَاوُتُ فِي كَلَامِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُهُ قَوِيًّا مَتِينًا وَبَعْضُهُ سَخِيفًا نَازِلًا، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ المعجز مِنْ عِنْدِ اللَّه تَعَالَي«.

إذن فكل كتاب من عند غير الله به اختلاف كثير بنص قوله تعالي. ومن هنا فإن الحكم بأن التراث البشري به الخطأ وبه الصواب، وقابل للمراجعة والتطوير والتجديد، هو حكم ينسجم مع ما قاله الله تعالي في محكم آياته واصفا به كل متن بشري ليس من عند الله. ومن يزعم أن أي متن بشري في التراث غير قابل للمراجعة العلمية والفحص النقدي، فقد زعم أن هذا النص يملك خصائص ومواصفات النص الإلهي.

إن كل العلوم هي متون بشرية، بها الإيجابي وبها السلبي، ولا يمكنك الزعم أن أي نص بشري كله صواب، وإلا فقد وقعت في تأليهه، ف الوحي فقط هو الصواب بإطلاق لأنه إلهي، والله نفسه قد حكم بأن أي كتاب غير كتابه به اختلاف كثير، ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء: 82).

وأرجو أن يفهم هذا كل حريص علي التوحيد الخالص، ف التوحيد الخالص لله غير ممكن وأنت تقدس كلام أي بشر وتعده حقيقة مطلقة. فكلام الله وحده هو المقدس وهو المطلق ، وكلام غيره من البشر غير مقدس، بل هو نسبي وقابل للصواب والخطأ. والكون نفسه نسبي متغير، والمكان نسبي متغير، والزمان نسبي متغير، وكل ما يوجد في الزمان والمكان نسبي متغير. وللمرة السبعين النسبي ليس مشكوكا فيه، ومَن يرادف بين النسبي والمشكوك فيه، يقع في خطأ علمي جسيم يخالف كل قواميس ومعاجم العالم.

إن المتن المقدس وحي مطلق، بينما المتون البشرية اجتهادات نسبية لأنها إنسانية متغيرة، والبشر يصيبون ويخطئون، فلا يوجد علم مطلق سوي علم الله تعالي؛ لأنه كمال لامتناهي، وهو وحده الذي يمتلك الحقيقة المطلق ة؛ ولذلك فإنه سبحانه هو الذي(يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (البقرة: 113). فهو الحكم العدل ذو العلم بإطلاق، وهو الكمال بلا نهاية، له وحده الأسماء الحسني بمعناها الكامل المطلق بلا قيد ولا شرط، (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْني فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) (الْأَعْرَافِ: 180).

أما مَن يدعي لغير الله من البشر صفة العلم المطلق وامتلاك الحقيقة المطلق ة، فعليه أن يراجع موقفه علي شروط التوحيد الخالص لله، الله الذي ليس كمثله شيء ولا يشاركه في علمه المطلق أحد، هو وحده الحق المطلق ، وهو وحده ذو العلم اللامتناهي، وهو وحده صاحب الكلمات المطلق ة بلا نهاية، (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً. قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحي إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف: 109- 110). وهنا كأن المقطع الأخير في الآية الكريمة ينبه علي عدم إشراك أحد مع الله تعالي فيما يختص به سبحانه، والملفت أن هذا التنبيه جاء في سياق الحديث عن كلمات الله التي لا تنفد. فكيف يأتي بشر ويزعم أن كلماته البشرية مطلقة أو أن علمه مطلق؟! وكيف يدعي أن آراءه وأحكامه مطلقة؟! فهل عنده علم الله الكامل؟! وكيف يتكلم هذا البشر وكأنه يصيب دوما ولا يخطئ؟! وكيف يزعم أنه يتحدث باسم الحقيقة المطلق ة التي لا يملكها إلا الواحد الأحد؟! والأغرب من ذلك أن بعض الحريصين علي التوحيد الخالص لله تعالي لا يدرون أنهم يقعون في مشاكل حقيقية عندما يتصورون أن بشرا يتبعونه لا يخطئ؟! ألا يعلمون أن (الزعم بأن بشرا لا يخطئ) هو إشراك في عبادة الواحد الأحد؟!

إن وحي الواحد الأحد جاء لكل العصور، وله معان لا تنفد، لكن متون البشر مقيدة بظروف عصرها ومقيدة بعلم من وضعها، ولا يمكن لأحد عاقل أن يزعم أن علم أي بشر علم مطلق. ومَن يزعم ذلك فقد أعطي للبشر ما يجب قصره علي الله تعالي وحده.

لكن ليس معني هذا إنكار جهود العلماء في أي عصر، بل معناه وضعها في حدود التقويم البشري، ومن ثم إخضاعها للفحص العلمي باستمرار، حتي تتقدم العلوم كلها، سواء كانت علوما اجتماعية أو إنسانية أو طبيعية أو رياضية، مع التأكيد علي أن علوم الدين هي علوم إنسانية؛ لأن مَن وضعها وصنف فيها بشر، وعلوم الدين ليست هي الدين نفسه (الوحي)؛ والوحي ليس تراثا،فالوحي إلهي، والوحي مصدره العلم المطلق اللامتناهي لله، بينما العلوم بشرية نسبية متغيرة، مصدرها عقل بشري محدود مهما يبلغ علمه، علي الأقل بدليل اختلاف علماء الدين أنفسهم، والاختلاف يدل علي النسبية ويدل علي التغير ويدل علي أن أحدا منهم لا يملك الحقيقة المطلق ة.
والأعلام من العلماء القدماء أنفسهم، مثل الحسن البصري ومالك والليث بن سعد وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وغيرهم، لم يزعم أحد منهم امتلاك الحقيقة المطلق ة لأنه يعلم أنها فقط عند من يملك العلم المطلق . فكيف يأتي بشر في عصرنا، أو في أي عصر، ويزعم امتلاك العلم المطلق ؟؟ هل يساوي كلامه بالوحي؟!وكيف تأتي جماعة من الجماعات وتزعم أن العالِم الذي تتبعه لا يخطئ في أحكام الدين؟! هل تساويه بالرسول عليه الصلاة والسلام؟!

أقول مجددا، هناك فرق بين الدين المقدس نفسه (الوحي) من ناحية، وعلوم الدين التي أنشأها بشر من ناحية أخري. هناك فرق بين المتن الإلهي والمتون البشرية. الإلهي فقط هو المقدس، والبشري قابل للصواب والخطأ وقابل للمراجعة والتجديد والتطوير. إنها بدهيات، لكن ماذا تفعل إذا كنت تعيش في عصر يغيب فيه البدهي ويغيب فيه الواضح بذاته، وتضطر لتوضيح الواضح؟!

والقول الفصل الذي ليس بعده قول في الحكم علي المتون البشرية: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ). (النساء: 82).إذن لا قداسة لأي متن بشري. قُضي الأمر بالنص الإلهي المحكم.



نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]