الفهــم النبــــوي لقــــوة الـــــــردع

12-6-2020 | 16:32

الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية

 

شوقي علام

لا شك أن أبطال القوات المسلحة المصرية يقومون بمهام مقدسة في شمال سيناء وعلى جميع الاتجاهات الإستراتيجية في مواجهة وافد جديد ظهر بين أفراد الأمة المصرية والإسلامية في العقود الأخيرة يعمل وفق أساليب ماكرة لإحياء فكر الخوارج القديم القائم على التكفير والعنف في صورة ثوب جديد تختزل فيها المفاهيم الدينية النقية في صورة بغيضة متطرفة وإرهابية، ولكنهم يجعلونه في شكل المشروعية الدينية.


وقيام هؤلاء الأبطال بتلك المهمة يعتبر مسارا أول لبرنامج متكامل حكيم يوازيه في العمل والإنجاز المسار الثاني، وهو تنمية هذه الأرض المباركة وتعمير ربوعها.

إن هؤلاء الإرهابيين والمتطرفين يوصمون بتفريغ نصوص السنة النبوية المطهرة من سياقاتها ومواردها حتى تدعم اتجاهاتهم وتناسب أهواءهم وتؤيد أفعالهم الإجرامية، ومن الأمثلة على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري»(مسند الإمام أحمد)، حيث يرسخون من خلاله أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي رسالة السيف والقتل، والمعيشة على عوائد الحرب من المغانم، وهو ما لم ينجح فيه العائبون على الإسلام من أعدائه وخصومه عبر القرون المتطاولة.

ورغم أن هذا الحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه بين محدثي الأمة المحققين فإننا نبرز في مقالنا هذا دلالاته النقية وفق مقررات الإسلام ومقاصده وواقع المسلمين عبر التاريخ؛ لأنه لا يجوز أن نفهم ألفاظا مثل هذه النصوص بطريقة منفردة، دون مراعاة بقية الأدلة الشرعيَّة، والضوابط القويمة، والاعتبار بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة وسنته العمليَّة ومسيرة المسلمين وحضارتهم.

إنه لم يرد مطلقًا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أكره أحدًا على الدخول في الإسلام أو قتل على الهوية أو بعنصرية أو قاتل من أجل المغنم ومتاع الدنيا أو حيازة المناصب واستعباد الناس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صاحب اللطف الجميل والرأفة التامة والإشفاق الكامل بالناس والرحمة العامة بالخلق. وقد حثَّ صلى الله عليه وسلم أتباعه على عدم تمني الحرب ولقاء العدو إلا في حالة الاضطرار والضرورة بقوله: «أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»(متفق عليه).

وتشير الدلالات الظاهرة لقوله صلى الله عليه وسلم: «وجُعِل رزقي في ظل رمحي» بالأصالة إلى أهمية مبدأ «قوة الردع» التي لا تنتج إلا عن توفر قوتين: قوة السلاح المعبَّر عنها بـ»الرمح»، وقوة الجندي وجاهزية الفرد المقاتل الذي يجيد استخدام سلاحه في مختلف الميادين والمعارك والمهام بحرفية عالية يتمكن من خلالها من المحافظة على حياته فيرجع صحيحًا سليمًا.

وهو أمر ليس بمستغرب في العلوم العسكرية والتجارب الحربية التي تقرر أن استخدام أي طرف للوسائل والأساليب التي منها الترهيب بالقوة، والردع بالعتاد والسلاح، والجاهزية والقدرة على إضعاف الطرف الآخر ودفعه للتسليم بالتفاوض والجنوح لخيار السِلم واستبعاد الحرب والعنف، وهذا ما يؤسس لإبعاد التحديات التي تواجه نهضة المجتمع واستقرار مؤسساته ودستوره وقوانينه، فضلا عن توفير المناخ الآمن للاستثمار والتنمية اللذين يساعدان على رفع مستوى المعيشة بزيادة رقعة الزراعة أو ببناء المصانع والعمل على التعمير والتحضر، كما يشهد التاريخ الحالي في سيناء المباركة، من عمل دؤوب وجهد مستمر في زيادة إعمارها والاستفادة من مقوماتها الطبيعية الكبيرة في شتى المجالات، ولم يكن ليتحقق كل ذلك إلا بعد الجهاد الذي تقوم به القوات المسلحة المصرية في اجتثاث براثن الإرهاب وكسر شوكة المجرمين من أعداء الدولة المصرية.

إذن؛ فإن ما سبق يكشف ضلال جماعات الإرهاب والتطرف الذين يمثلون في حقيقتهم- حربًا على السنة باسم السنة؛ لما لديهم من خلل كبير واضطراب عظيم في مناهج وآليات الاستمداد من نصوص الوحي الشريف، فهم يفهمون هذه النصوص فهمًا قاصرا ومجتزئًا يجعل عصر الرسالة وأحداثه إذا ما نُظر إليه بعيون العصر الحاضر منفرًا للإنسانية كافة.

نقلًا عن صحيفة الأهرام

[x]