مظاهرات بريستول تحيي الجدل حول الإمبراطورية والعبودية.. التمثال البرونزي الذي تخافه بريطانيا

11-6-2020 | 15:25

مظاهرات بريستول تحيى الجدل حول الإمبراطورية والعبودية

 

رسالة لندن : منال لطفى

انقلبت الصورة 180 درجة، فعندما خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين فى بريطانيا على مدار الأيام الماضية، تعبيرا عن الغضب على مقتل المواطن الأمريكى من أصول إفريقية جورج فلويد على يد الشرطة واحتجاجا على العنصرية المؤسسية فى الولايات المتحدة، لم يكن أحد يتوقع أن المظاهرات سرعان ما ستتحول لمساءلة حول دور بريطانيا التاريخى فى تجارة العبيد فى الأمريكتين، واستمرار إرث التمييز والعنصرية حتى اليوم فى بريطانيا، لكن هذا ما حدث.


ولخص جيمس- وهو شاب بريطانى من أصول إفريقية شارك ضمن عشرات الآلاف من المحتجين وأغلبهم من صغار السن فى مظاهرات يومى السبت والأحد الماضيين أمام البرلمان فى ويستمنستر، ومقر الحكومة فى «داوننج ستريت» والسفارة الأمريكية- المشهد لـ «الأهرام» بقوله:«هذا الغضب لا يخص أمريكا فحسب»، موضحا: «عندما كنت أهتف بشعار «حياة السود تهم» على مدار الأسبوعين الماضيين، كان يتضح لى كل يوم أنى أتظاهر ضد ما يحدث هنا أيضا. وأننى غاضب بسبب ما يحدث هنا أيضا. المظاهرات لم تتوقف على مدار أسبوعين لأن الغضب مضاعف. فما يشكو منه الأمريكيون من أصول إفريقية لا يختلف عما يشكو منه البريطانيون من أصول إفريقية وهو تمييز على أساس اللون والعرق يتجلى يوميا وفى كل شيء».

البريطانيون من أصول إفريقية هم الأكثر فقرا، والأقل تعليما، ويعيش أغلبهم فى مناطق مكتظة وفى مبانى الإسكان الشعبى فى ظروف سيئة، وهم الأكثر عرضة للعنف، وللتوقيف من الشرطة ولاستغلال العصابات والسقوط كضحايا للجريمة، وبسبب مجمل أوضاعهم يعملون فى الوظائف الأقل دخلا وأمانا، مثل التمريض وقيادة الأتوبيسات والقطارات ومترو الأنفاق و كعمال فى المتاجر والسوبر ماركت، وبالتالى هم الأكثر عرضة للموت بسبب فيروس كورونا.

ولا غرابة أن يشعر كثير من المتظاهرين فى بريطانيا من الأقليات أنهم يخرجون فى التظاهرات ليس فقط للتضامن مع الأمريكيين من أصل إفريقى، بل وللتعبير عن الظلم والتمييز الذى يشعرون به فى بريطانيا حتى اليوم.

هذا الغضب المكتوم تجلى بشكل واضح فى قيام المتظاهرين فى مدينة بريستول البريطانية بإسقاط تمثال برونزى ضخم لأحد أشهر أبناء المدينة وهو إدوارد كولستون الذى كون ثروته فى القرن السابع عشر من تجارة العبيد. واستخدم كولستون الأموال الطائلة التى حصدها من تلك التجارة فى تطوير بريستول عبر بناء مستشفيات ومدارس وطرق ومصانع. تجمع آلاف المتظاهرين الغاضبين حول التمثال فى وسط المدينة وأسقطوه، وجروه على الأرض وألقوه فى «نهر أيفون» الذى كانت تمر به سفن كولستون القادمة بالعبيد من إفريقيا.

إزالة التماثيل لا تمحو التاريخ

فقد بُنيت شهرة مدينة بريستول وثروتها على تجارة الرقيق. ولم يكن هناك من هو أكثر شهرة أو ثراء من إدوارد كولستون . فحتى بعد مرور ما يقرب من 300 عام على وفاته ما زالت عشرات الشوارع والمبانى باسمه. صنع كولستون ثروته الضخمة فى الفترة ما بين عامى 1672 و1689 من تجارة العبيد، ويُعتقد أن سفنه نقلت نحو 80 ألف رجل وامرأة وطفل من إفريقيا إلى الأمريكتين.

لكن إسقاط التمثال وإلقاءه فى النهر أثار ردود أفعال متباينة، فوزيرة الداخلية البريطانية بريتى باتال أدانت ما قام به المتظاهرون، واعتبرته عملا غير قانونى ودعت الشرطة للتحقيق فى الإطاحة «المشينة للغاية» بالتمثال، مضيفة: «التخريب وأعمال الشغب غير مقبولين على الإطلاق». كما أدان الخطوة أيضا وزير الصحة مات هانكوك، ووزير الخزانة السابق ساجد جاويد، وهو من مواليد بريستول، رغم اعتراف جاويد، وهو من أصول آسيوية، باستمرار العنصرية بأشكال عديدة فى المجتمع البريطانى.

ويرى المنتقدون لما قام به المتظاهرون، أن «التمثال جزء من تاريخ المدينة» وبرغم أنه تاريخ مشين، لكن مع ذلك يجب إبقاؤه ظاهرا وفى العلن، وإخفاء التمثال فى متحف أو سرداب لن يلغى ما حدث. «فإزالة التماثيل لا تمحو التاريخ»، كما يقولون.

لكن آخرين حاججوا بأن التمثال كان يجب إزالته منذ فترة طويلة أو على الأقل وضع لوحة معدنية تحت التمثال تشير لدور صاحبه فى تقنين تجارة العبودية. فاللوحة المعدنية الموجودة حاليا أسفل التمثال لا تشير ولو بكلمة لدور كولستون فى تجارة العبيد أو تعتذر عما فعل خصوصا وأن التمثال موجود فى مدينة نحو 15% من سكانها بريطانيين من أصول إفريقية، أى أنهم أحفاد الأفارقة الذين احضرهم كولستون معه عبر شركته «رويال افريقيا» التى قامت بشراء وبيع أفارقة أكثر من أى جهة أو شركة فى التاريخ البريطانى.

أحد المدافعين عن إزالة التمثال، ديفيد أولوسوجا، المذيع المرموق الحائز على جائزة «بافتا» العريقة قال «إن المتظاهرين لم يكن عليهم أبدا أن يطيحوا بالتمثال البرونزى لأنه كان يجب إزالته قبل سنوات من قبل سلطات المدينة». ورفض أولوسوجا فكرة أن بقاء هذا التمثال، وغيره من تماثيل السياسيين والتجار البريطانيين الذين عملوا بتجارة العبيد فى الميادين العامة بمثابة «تذكار تاريخى»، موضحا أن التماثيل فى الميادين العامة يكون هدفها «إثارة الإعجاب» و«التخليد» وليس لـ«إعطاء درس فى التاريخ». وأشار أولوسوجا إلى أنه لو كان هدف التمثال تعليميا لتم وضعه فى متحف مع ذكر تاريخ صاحبه لجعل الأجيال الجديدة من البريطانيين أكثر وعيا بمن هو كولستون، ففى المتاحف وليس الميادين العامة «نتذكر التاريخ بشكل صحيح. فالتماثيل ليست الأداة التى نفهم بها التاريخ. نحن نتعلم التاريخ من خلال المتاحف والكتب».

مستعمرة بيضاء من كيب تاون إلى القاهرة

إسقاط تمثال كولستون فتح الباب مجددا أمام جدل لا يهدأ فى بريطانيا حول التماثيل التى تملأ الميادين العامة فى كل المدن البريطانية لشخصيات لديها تاريخ مثير للانقسام ومشين. فخلال مظاهرات الأيام الماضية فى وسط لندن كتب البعض على تمثال رئيس الوزراء البريطانى الراحل وينستون تشرشل كلمة «عنصرى» فى إشارة إلى المعاناة التى سببها تشرشل لسكان المستعمرات البريطانية فى إفريقيا وآسيا خلال الحرب العالمية الثانية. فلكى يتم تمويل المجهود الحربى البريطانى تعامل تشرشل مع المستعمرات كـ«بقرة حلوب» لإدرار الجنود والمواد الخام وحتى الطعام من تلك المستعمرات إلى بريطانيا أو جبهات القتال، ما أدى لموت مئات الآلاف من سكان مناطق تلك المستعمرات جوعا، خاصة فى منطقة البنغال.

ولم تسلم جامعة اكسفورد من الجدل، ففى الجامعة العريقة تمثال برونزى كبير لسيسيل رودس، مهندس نظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا والمغامر البريطانى الذى ذهب لإفريقيا وهو لم يبلغ العشرين من العمر وسيطر على 90% من تجارة الماس فى القارة وكون ثروة طائلة أرسلها لبريطانيا .وكان حلم عمره تحويل افريقيا لمستعمرة بريطانية بيضاء تمتد من كيب تاون إلى القاهرة يسكنها الأوروبيون ويأسسون «كونفيدرالية موحدة» على غرار ما فعلته موجات الهجرة الأوروبية للأمريكتين وتكوين الكونفيدرالية الأمريكية. فطلاب جامعة أكسفورد تظاهروا مرارا وتكرارا وكتبوا عرائض لرفع التمثال من الجامعة، لكن إدارة الجامعة ما زالت ترفض على أساس أن «إزالة التماثيل لا تمحو التاريخ». لكن هذا المنطق يبدو أنه يفقد تدريجيا الزخم وقوة الإقناع ليس فقط فى بريطانيا لكن حول العالم.

وسيترتب على «الإسقاط الدرامى» لتمثال إدوارد كولستون فى بريستول، والذى يشبه إسقاط تمثال جوزيف ستالين فى روسيا أو صدام حسين فى العراق، إسقاط المزيد من التماثيل فى بريطانيا وفى أمريكا أيضا. ففى جميع أنحاء الجنوب الأمريكى، يطالب المواطنون والمناهضون للعنصرية بإزالة رموز العبودية وتجار العبيد. ولم تنتظر ولايات أمريكية تحركات الشارع أو ضغوطه لإزالة التماثيل، فحكام عدة ولايات قاموا بالفعل بإزالة تماثيل رموز العبودية والتمييز العنصرى.

ووسط الاحتجاجات على مقتل جورج فلويد، وافق حاكم ولاية فرجينيا على إزالة تمثال شاهق للجنرال الكونفيدرالى روبرت إى لى، الذى يقع حاليًا فى قلب منطقة ريتشموند. وقال حاكم الولاية إن فيرجينيا لن تتسامح بعد الآن مع «نسخة زائفة من التاريخ». لكن الولاية نفسها فى 2017 عندما أرادت إزالة تمثال آخر لروبرت أى لى، نشبت أعمال عنف عنيفة بين مؤيدى الخطوة ومعارضيها من أنصار اليمين القومى المتطرف فى شارلوتسفيل فى فيرجينيا. وحاجج مؤيدو بقاء تماثيل روبرت أى لى المنتشرة فى الولاية بأنه من حقهم وحق أبنائهم التعرف إلى تراثهم السياسى كأمريكيين ينتمون للولايات الجنوبية التى كانت ضد إنهاء تجارة العبيد والعنصرية وخاضت حربا أهلية أمريكية دامية بسبب ذلك.

حالة إنكار

وبينما تغلى أمريكا بالغضب والمظاهرات، حتى بعد أكثر من أسبوعين على وفاة جورج فلويد، لا يريد كثير من السياسيين فى بريطانيا أن يشهدوا غضبا مماثلا فى بريطانيا. ويقول كثير منهم إنه برغم المشاكل التى تعانى منها بريطانيا «إلا أنها ليست أمريكا». وربما هذا ما يعزز غضب المتظاهرين البريطانيين فى الشارع، فهناك حالة إنكار للمعاناة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية للبريطانيين من أصول إفريقية. وكشف تقرير الحكومة الأخير حول أسباب تسجيل نحو ثلثى وفيات كورونا بين الأقليات من أصول إفريقية وآسيوية وكاريبية، عن أن نسبة كبيرة من أبناء الأقليات يعانون من أمراض مزمنة مثل السمنة والسكرى وهى أمراض تزيد خطورة كورونا. كما أن معدلات انتشار العدوى بينهم أعلى لأنهم يعيشون كعائلات ممتدة. لكن فى واقع الحال ، السمنة والسكرى والعيش فى عائلات ممتدة ليس اختيارا اجتماعيا بل «وضع سياسي». فأمراض السمنة والسكرى ناجمة عن وضع اقتصادى وانتماء طبقى يجبر غالبية البريطانيون من أصول إفريقية على الاعتماد على نمط غذائى غير صحى ورخيص. أما العيش فى عائلات ممتدة، فهو ظرف اضطرارى يلجأ إليه كثيرون بسبب الفقر وتردى مستوى المعيشة وقلة الفرص. بعبارة أخرى السكرى والسمنة «أمراض سياسية» فى جوهرها وهذا ما لا تريد الحكومة البريطانية الاعتراف به حتى والشوارع مليئة بالمتظاهرين الغاضبين.


نقلا عن صحيفة الأهرام

[x]