مصر ليست الرجل المريض

12-6-2020 | 05:52

 

كان بيان مجلس الأمن المصري بشأن إعادة المفاوضات مع إثيوبيا كاشفًا للغضب المصري، وأن الصبر كاد ينفد من الانتهازية الإثيوبية، وبالفعل فقد انتهت المفاوضات الثلاثية في السودان بمجرد أن بدأت الآن.. 

إثيوبيا تريد فتح النقاش من جديد حول كل القضايا؛ بما في ذلك المقترحات التي قدمتها هي من قبل، لدرجة أنها قدمت مقترحًا جديدًا لقواعد ملء وتشغيل سد النهضة تحت الظروف الهيدرولوجية المختلفة للنيل الأزرق، ضاربة عرض الحائط بكل ما تم الاتفاق عليه مسبقًا فى مفاوضات واشنطن، وكذلك جميع الجداول والأرقام التى شملتها مفاوضات واشنطن؛ بما يعني إطالة مهزلة المفاوضات لفرض الأمر الواقع على الأطراف كلها.

وطالبت مصر إثيوبيا بالتعهد رسميًا بعدم اتخاذ أي إجراء فردي حول سد النهضة قبل التوصل لاتفاق ثلاثي نهائي حوله، وهكذا ففي الوقت الذي تعلن فيه مصر قبولها واستعدادها للتفاوض مع إثيوبيا بشأن سد النهضة تقول إثيوبيا بمنتهى التبجح والغطرسة: "لن نقبل بحقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل"، وكل التصريحات الإثيوبية الأخيرة هي إعلان حرب وتحد واضح للمصالح المصرية وتهديد مباشر لأمنها القومي.

ومع اقتراب السد من الانتهاء، وإصرار إثيوبيا على البدء في الملء في يوليو المقبل، وفرض أمر واقع جديد بالقوة؛ في ظل هذا كله تبدو المفاوضات التي خاضتها مصر منذ تسع سنوات وكأنها عبثية في ظل خداع وعدم جدية الطرف الآخر.

لكن مصر أقامت الحجة على إثيوبيا بالذهاب إلى مجلس الأمن الدولي، بعد رفض إثيوبيا التوقيع على وثيقة واشنطن التي أشرف عليها وزير الخزانة الأمريكي والبنك الدولي، ولا شك أن الرد الإثيوبي على الشكوى المصرية به استهانة واضحة بقواعد القانون الدولي.

وكان خطاب مصر لمجلس الأمن محسوبًا بدقة، فهو ليس شكوى ولكنه تمهيد لها، وفي نفس الوقت يبقى باب التفاوض مفتوحًا.. مع أنه إذا لم يكن هناك استجابة، فإن الأمر سينتقل إلى مربع آخر.

وهكذا فإن مصر لا تزال حريصة على الوصول إلى اتفاق، وتشهد على ذلك جهودها التي يشهد عليها العالم أجمع، والكرة الآن في ملعب إثيوبيا، التي يجب عليها أن تدرك أن مصالح الشعوب لا يجوز أن يتم التلاعب بها كمناورة في صراعات داخلية، ولا أن تكون رهنًا بإمكانية فرض إرادتها المنفردة في شأن بالغ الأهمية والحيوية كمياه النيل.

والغريب هو الادعاء بأن النهر إثيوبي، ومع ملاحظة أن إجمالي الهطول المطري على دول حوض النيل هو 7000 مليار متر مكعب، وما يذهب إلى مجرى النهر ويطلق عليه المياه الزرقاء، هو كمية محدودة للغاية (حوالى 100 مليار تقريبًا) تمثل في المتوسط أقل من 5% من جملة إيراد المياه في حوض النيل، والتركيز على المياه الزرقاء (داخل مجرى النهر) واعتبارها هي كل المياه، وأن مصر تحصل على نصيب الأسد، تاركة الدول الأخرى تعاني من الفقر المائي، هو أمر غير صحيح على الإطلاق وغير منطقي تمامًا، فضلًا عن أن الإصرار عليه يعبر عن سوء نية كامل ومتعمد.

ولكي تكون الصورة واضحة، فإن الاعتمادية على مجرى النهر لدى دول المنابع؛ سواء إثيوبيا أو الهضبة الاستوائية، تتراوح بين 0% و5%، بينما تعتمد مصر على نهر النيل بنسبة تزيد على 95%، لأنها دولة صحراوية، ومن ثم فالمسألة بالنسبة لمصر ليست السعي إلى الهيمنة (وهو أمر غير قائم أصلًا)؛ بل هو الحق في الحياة، وهذا الحق من ناحية القانون الطبيعي والإنساني يعلو على أي حق آخر، كما يحميه القانون الدولي من خلال مبدأ عدم الضرر.. بينما دولة مثل إثيوبيا، لديها هطول مطري يقارب 1000 مليار م٣ سنويًا، وفي الوقت نفسه تصرخ وتولول؛ لأن مصر تحصل على 55 مليار متر مكعب، وترى أن هذا يمثل سيطرة تعوق تنميتها؟

وبرغم الجدل الدائر حول أنصبة الدول المشاطئة من المياه، فإنه لن يصح إلا الصحيح بالنسبة لهذا النهر الدولي العظيم المسمى (النيل الأزرق)، بحكم كونه نهرًا دوليًا تحكمه النظم والقوانين والأعراف الدولية المرعية، ووسط كل هذا تتجاهل إثيوبيا المخاطر الكارثية التي قد تترتب على دولتي المصب - السودان ثم مصر – جراء انهيار السد وامتداداته البنيوية المحيطة.

فقد أوضحت الدراسات ورود هذا الاحتمال بدرجة كبيرة ومخيفة، بالنظر للواقع الطبوغرافي المعقد لمنطقة السد ولبعض الحقائق الهندسية المتصلة بمناعة السد في مواجهة الضغوط المائية المتوقعة، ونظرًا كذلك لتعجل الإثيوبيين في إنجاز المشروع و“كلفتته” وتجاوز مطالب الأمان في سبيل كسب الوقت، لأسباب سياسية داخلية أو الانتهازية.

ولكل هذا فإن على الذين يدقون طبول الحرب في المنابع ويعيشون أمجاد الماضي الزائفة أن يثوبوا إلى رشدهم ويعلموا أن الزمن قد تغير؛ فمصر ليست الرجل المريض، وليست بدون أنياب، والشعب يضحي باحتياجاته الضرورية ليحصل الجيش على أفضل الأسلحة في العالم، وهذه ليست دعوة لشن حرب، لكن المواقف الضعيفة تكون أحيانًا أقصر الطرق إلى الحرب.

مقالات اخري للكاتب

إفريقيا الأخرى

لاتزال إفريقيا مخزن حكايات وسرديات شعبية تجذبنا دائمًا إلى طبيعة الأدغال والغابة والنهر والطبيعة الاستوائية، فضلًا عن طبيعة الإفريقي نفسه العاشق للألوان

الدين الرابع المزعوم

الفكرة ببساطة تقوم على جمع الناس تحت راية لا يختلف عليها اثنان، من خلال جمع أهم التعاليم المشتركة بين الديانات السماوية الثلاث، ونبذ مواطن الاختلاف بينها، ووضعها فى قالب جديد يسمى الدين الإبراهيمي، بهدف تجريد الديانات من خصوصياتها وحدودها.

تربية الأبناء مشروع مصر القومي

هناك جيل كامل ضايع ولا يعرف شيئا عن التربية والأخلاق والنخوة.. جيل كامل من بنات وولاد حياتهم في انحلال كامل وكل شيء مباح من مخدرات لعري لسهر .. والأهالي لا يريدون حرمانهم وهي رسالة بأن كل الأمور سهلة ومباحة نسوا الدين، والتربية وأسموها "عقد".

الثورة الإصلاحية الصامتة

ما أعلنه الدكتور طارق شوقي هو ثورة إصلاحية للتعليم ستنقل مصر نقلة جبارة، وهي الأساس الحقيقي لأي نهضة وأي إصلاح، وفي تصنيف دول العالم بالنسبة لجودة الطرق

التنسيق وعلوم المستقبل

عادة ما يهرول الطلاب وأولياء أمورهم لما يسمى بكليات القمة دون التحسب للمستقبل وما يتطلبه سوق العمل والنصيحة لخريجي الثانوية العامة هذا العام: أهم الكليات

ثغرات في قانون التصالح

أثار قانون التصالح جدلاً كبيراً فى الشارع المصرى بين مؤيدٍ ومعارض وذلك لاحتوائه على حلول لأزمات عديدة تؤرق الشارع المصري، كما أنه لا يخلو من بعض العيوب. وقد عانت مصر على مر العقود الماضية أزمة التوسع العشوائى، الأمر الذى جعلها تحتل المركز الأول عالمياً فى معدلات التصحر عقب أحداث يناير 2011.

قوة مصر الاحتياطية

مصر أصل الدنيا ومبدأ التاريخ وهي كنانة الله في أرضة وسميت بأم الدنيا ليس تباهياً ونعرة لكنها حقيقة نحن أصل العرب بسيدتنا هاجر أم العرب وأصل التاريخ بحضارة عظيمة لقدماء المصريين بل وهناك أقاويل أنه عندما هبطت الملائكة إلى الأرض لجلب طينة البشر كان من ضفاف نيلها الأبي.

حدود الدور المصرى الإقليمي

يوما ما كشفت دبلوماسية أمريكية رؤيتها لمصر بقولها نريدها كقطعة الفلين كبيرة الحجم خفيفة الوزن تطفو ولاتغرق.

الانتخابات إليكترونية وإن طال الزمن

بغض النظر عن كل الملاحظات التي صاحبت انتخابات مجلس الشيوخ ونسب المشاركة، فقد كانت انتخابات نصف إليكترونية؛ بمعنى أن المرشحين لم ينزلوا للناس، ولكن تعاملوا معهم عن بعد من خلال الدعاية الرقمية واللافتات، وطال الزمن أم قصر

شبهات الإفراط في الحصانة

ربما يكون الإفراط في تحصين النواب من مجرد الملاحقة القانونية على جرائم ليس لها علاقة بموقعهم كنواب يثير من الشبهات أكثر مما كان يستهدفه المشرع من حماية

المحليات الأولى بالرعاية

كانت هناك وعود كثيرة وحاسمة بإجراء الانتخابات المحلية أكثر من مرة، ولكن لأسباب إجرائية تعطلت نتيجة النصوص غير العملية في الدستور، ووقف الجميع عاجزا عن فك شفراتها، وكانت التعديلات الدستورية الأخيرة فرصة من السماء لتعديل تلك النصوص وصياغة نصوص منضبطة واقعية، ولكن فيما يبدو لم ينتبه المشرعون لها.

المشروع العربي الغائب

سئِل أحد حكماء بني أمية عن سبب سقوط دولتهم فقال: "أمورٌ صغار سلمناها لكبار، وأمورٌ كبار سلمناها لصغار فضعنا بين إفراطٍ وتفريط، قرّبنا العدو طمعًا في كسب وده، وبعّدنا الصديق ضامنين ولاءه، فنالنا غدر الأول وخسرنا ولاء الثاني"!!

مادة إعلانية

[x]