توابع كورونا النفسية!

11-6-2020 | 04:51

 

بعدما صارت حميمية اللقاءات بين الناس في الشوارع وطقوسها من سلام وعناق شيئا من الماضي، وضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم بسبب الحصار الذي فرضه عليهم فيروس كورونا ..


وبعدما صار مجرد التفكير في الخروج من المنزل "همّا" يستدعي إجراءات تعقيم احترازية، وبعدما صار الكل يتوجس من الكل في البيت والشارع وأماكن العمل والتسوق..

وبعدما صار الشغل الشاغل في أغلب بيوتنا غسل الأيدي بالصابون لمجرد لمس أي شيء، وبعدما علا الشك كل ما يأتي من خارج البيت حتى أكياس التسوق وكأن فيها "فيروس متخفي"..

وهكذا أصابت كورونا الكثيرين منا بالهوس، لكن الأكثر إيلاما أن تحيي هذه الجائحة "خلايا الشك النائمة" ممن لديهم استعداد لأن يتحول هوس النظافة إلى حالة مرضية..

قد لا ندركهم من حولنا، لكنهم من دون شك أكثر المتضررين من تفشى الجائحة، وقصص وسائل التواصل الاجتماعي ملأى بحكاياتهم المؤلمة، فما قولك بربك حين تجد تعليقا لأحدهم تعقيبا على البوست الخاص بـ" الحملة الوطنية لإزالة وصمة المرض النفساني" أنه لم يغادر منزله منذ أن ظهر وباء كورونا في الصين!

مثل هذا الشخص وغيره الكثيرون، برأيي هم الفئات الأولى بالرعاية في هذه المرحلة، جنبًا إلى جنب مع ضحايا فيروس كورونا ، فوفقًا لما تؤكده "الحملة الوطنية لإزالة وصمة المرض النفساني"، فإن من أكثر الناس تضررًا من فيروس كورونا من يعانون الوسواس القهري، خاصة إن كان متعلقًا بالنظافة الشخصية..

في هذه الأيام، تعالت تحذيرات أطباء نفسيين من موجة "تسونامي" هائلة من الأمراض النفسية والعقلية التي تنتج بسبب المشكلات التي تتراكم أثناء فترة الإغلاق والحجر المنزلي بسبب جائحة كورونا، خاصة بين الأطفال بسبب إغلاق المدارس، وبين كبار السن الذين يخشون الذهاب للمستشفيات.

تصريح قاس جاء على لسان الدكتورة ويندى بيرن، رئيس الكلية الملكية للأطباء النفسيين: "إننا نشهد بالفعل التأثير المدمر لمرض كوفيد 19 على الصحة العقلية، مع معاناة المزيد من الناس من التأزم، حيث يحتاجون للمساعدة ولا يجدونها".

استطلاع للرأي شمل 1300 طبيب صحة نفسية من جميع أنحاء بريطانيا؛ كشف أن 43% منهم لديهم ارتفاع في الحالات التي تتطلب مساعدة عاجلة، وأن هناك انخفاضًا بنسبة 45 % في المواعيد الروتينية للعلاج النفسي.

وهناك زيادة كبيرة في حالات التوتر والاكتئاب في العالم، ويكفي لذلك مؤشرا أن 20% من المهدئات في أمريكا تم سحبها في يوم واحد؛ وأن نصف مليون بريطاني طلبوا مساعدة نفسية على الإنترنت في أول يوم لفتح الباب لطلب المساعدة!

طبيب نفسي يروي بحكم تخصصه؛ أن 99% من الاستشارات التي تأتيه والخاصة ب الأمراض النفسية ، مثل الاكتئاب والوسواس وغيرها، كان السبب فيها "العزلة والفراغ".

وتُدّعم ذلك دراسة نفسية حديثة من أن السجن والعزلة مدة طويلة يسبب ما يمكن وصفه بـ "متلازمة ما بعد الحبس"، ومن أبرز معالمها تخوين الآخرين، صعوبة إقامة علاقات مع أي حد، التردد في اتخاذ القرارات، والعدوانية العاطفية!

طبعا قد لا يتخيل الكثيرون حجم المشكلة، فما يمر أمامك من أحداث أو أخبار قد تنساه بعد دقائق، لكن ربما يترجمه من هو إلى جوارك إلى خيالات وأوهام ومخاوف مرضية، حتى " السوشيال ميديا " تحولت تقريبا إلى صفحات للأخبار الحزينة والوفيات، والناس قد ينشرون المشاكل لينالوا تعاطف الآخرين، وقد لا ينشرون الإيجابيات؛ مثل أن يشفى مريض أو تتحسن حالته.

كل ما مضى أمر يستحق التعاطف ومد يد العون والعلاج، لكن لو صحت الروايات التي تداولها الكثيرون على صفحات " السوشيال ميديا " من سلوكيات غير سوية بالمرة لبعض الناس ممن أصيبوا بعدوى فيروس كورونا ، ومن تعمدهم إصابة المحيطين بهم من أقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم، فذاك أمر يستوجب وقفة من علماء الطب النفسي..

لعلنا نتذكر شعورنا السلبي تجاه سلوكيات حملة الفيروس الصينيين حينما كانوا يتعمدون نقل العدوى للآخرين، بوضع لعابهم على أي مكان محتمل لأن يلمسه آخرون، سواء على أعمدة الشوارع وأبواب المصاعد وفى داخل المتاجر، لكن أن نرى هذا السلوك بيننا، فأقل ما يوصف به أنه غير إنساني وغير سوي بالمرة..

يبدو بوضوح أن الكورونا أتلفت نفوس بعض البشر، قبل أن تتلف رئاهم، بل ذهبت بقلة من ضعاف النفوس ومنعدمي الإنسانية، إلى ما هو أبعد من ذلك، فحين يمن الله بالشفاء على مريض بالكورونا، فبدل أن يشكره على نعمة الشفاء يبيع البلازما لمريض آخر يتمنى الشفاء بمبلغ 20 ألف جنيه؟! وهكذا تكون الكورونا قد كشفت أقبح ما فينا!!

المجتمع كله بحاجة إلى تواصل ومشاركة وجدانية، حتى الأطباء أنفسهم بحاجة إلى دعم، ليس من مرضاهم فقط، بل من أسرهم الذين يخشون انتقال العدوى إليهم بكلمات تشجيع؛ وليس لوًما على العمل الزائد والتعرض للخطر..

جائحة كورونا ستختفي يومًا، وعسى أن يكون قد اقترب أجلها، وقد ينساها الكثيرون، لكن الأمر قد يستغرق سنوات حتى يتعافى بعض الناس من توابعها النفسية، وإن كانت بعض السلوكيات النشاز ستظل ندوبا في ذاكرة التاريخ، من الصعب أن تمحوها الأيام..

مقالات اخري للكاتب

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

ولكم في الكتابة .. علاج!

هل تخيلت يومًا أن ينصحك طبيبك بالكتابة؛ سواء على الورق أو على حسابك الإلكتروني، للبوح لنفسك أو للآخرين بما يعكر عليك صفو حياتك، أو ما يثير قلقك ويؤرقك ويزيد معاناتك مع مرض ما؟

عندما يصمت الربيع!

ترى كيف يكون الربيع صامتا؟.. وإذا كتبت الأقدار الصمت على الربيع، فأين تذهب شقشقة العصافير.. وهديل الحمام وسجع اليمام.. وانتفاضة الشجر بالأزهار والبراعم

لا تقتلوا الخفافيش

على خلفية تحميلها مسئولية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"؛ تتعالى الأصوات في الصين حاليًا لقتل الخفافيش، والتقطت البيرو طرف الخيط، وبدأت بالفعل حملة منظمة لقتلها، ويبدو أن العدوى قد وصلت إلى أمريكا أيضًا.

سينما الفيروسات والأوبئة!

إن من يمتلك التكنولوجيا يحكم العالم، فالإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس كانت بفضل عصر الاستكشاف الأوروبي الذي بدأ مع الاكتشافات البحرية العالمية، وأمريكا بسطت سيطرتها على العالم مع تفجير أول قنبلة نووية عام 1945..

تكنولوجيا زمن الكورونا

يبدو أن التكنولوجيا التى طالما واجهت اتهامات بالمسئولية عن التباعد الاجتماعي، وجدت في كورونا فرصة لتبييض وجهها، بعدما دخلت على الخط بقوة لمحاربة عدو لم يكن في الحسبان، وباتت وسيلة الناس الأكثر أمنًا وآمانًا في استعادة التواصل الاجتماعي المفقود في ظل أطول حجر صحي عرفه العالم..

إنسان 8 جيجا؟!

ربما يكون "اللمبى 8 جيجا" الفيلم المصرى الوحيد الذى يمكن اعتباره ـ إلى حد ما ـ من أفلام الخيال العلمى، حقيقة فى خلال 5 سنوات من الآن!!

عودة مشروطة للحياة!

ما أشبه الليلة بالبارحة فى التصدى لوباء كورونا مقارنة بما فعله العالم قبل مائة عام فى تصديه لجائحة إنفلونزا 1918..

في الثقافة الغذائية

رمضان شهر الطاعات والعبادات، بدل أن يكون فرصة للاقتصاد في النفقات، بات مصريا وعربيا شهرا لالتهام الطعام ومتابعة الفوازير والمسلسلات.. هكذا حولنا رمضان،

ماذا بعد كورونا؟!

يبدو أن حديث المؤامرة الذى سيطر فى بداية ظهور فيروس كورونا وتنحى قليلا مع تفشى الفيروس، عاد إلى الواجهة من جديد، فكلما ازدادت وطأة تفشى الفيروس فى أمريكا،

مادة إعلانية

[x]