ثقافة الكشوف الجغرافية

9-6-2020 | 00:37

 

إذا تأملت حال وجهاء العالم أو ما يطلق عليهم الكبار، تستشعر يقينا أنهم جماعة تعتنق ثقافة الإقصاء، ولها عدة مرادفات منها العنصرية والعبودية والكراهية و العصبية العرقية أو الدينية، وشرب أثرياء الدول الكبار من ينابيعها، وانتفخت بطونهم من ثمارها، ونشروا أفكارها في عقول الملايين من أتباعهم.

وتاريخ أوروبا شاهد على عصبية التمييز تجاه الجنس الأبيض ، ويعتقد بأن الأجناس الأخرى موجودة لخدمته وحمايته، وتجلت ذروة هذه النعرة في رحلات أصحاب الجنس الأبيض للكشوف الجغرافية في أواخر القرن الخامس عشر، وكشفت عن وجهها القبيح حين استعمروا كل منطقة تطأ أقدامهم عليها، وشملت إفريقيا وآسيا وأمريكا، والبرتغاليون هم أول من شرعوا لرحلات الكشوف الجغرافية.
وذكر الدكتور عبدالوهاب المسيري أن عصر الاكتشافات الجغرافية وعصر النهضة في الغرب أثناء القرن السابع عشر، هو ذلك العصر الذي بدأت فيه إبادة الملايين، وقال عنها الزعيم بن بيلا: إن هذا الإله الصناعي الحديث أغتال عرقا بأكمله اسمه العرق الأحمر، أي السكان الأصليين في الأمريكتين، وسلب زبدة عرق آخر وهو العرق الأسود عن طريق النخاسة واستعباد الملايين، وأشار بن بيلا إلى إبادة الكثير من سكان المكسيك، خلافا عن سكان الجزائر الذين أبيدت منهم الملايين، بسبب مقاومتهم للاستعمار الفرنسي.

وتوضح الصور اعترافات شهود العيان عن فظاعة انتهاكات المكتشفين الأوروبيين على مدار أربعة قرون حتى منتصف القرن التاسع عشر، وتفضح أساليبهم في سلب حقوق وحياة وكرامة السكان الأصليين وثروات بلادهم، ثم يتركونهم غارقين في الجهل والفقر والمرض، وفي المقابل يزدهر اقتصاد بلاد أصحاب البشرة البيضاء، ويصبحون قوى رأسمالية تتحكم في اقتصاديات العالم ومصائره.

ويرى كثير من المؤرخين أن المكتشفين الأوربيين مجموعة قطاع طرق ولصوص، ولا يتوارون خجلا هؤلاء المستوطنون أو المستعمرون لبلاد آسيا وإفريقيا من ادعائهم بأنهم المنوط الدافع عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحاليا أحفاد المستعمرين البيض هم من يديرون سياسة واقتصاد أوروبا وأمريكا.

ومازالوا ينتهجون ممارسات عنصرية ويطلقون خطابات الكراهية على مستوى العالم، وعلى الطرف الآخر أن يلوذ بالصمت أمام ممارسات الَاضطهاد الديني أو العرقي في أي بلد، ويتجسد هذا الواقع المرير في انتهاكات البوذيين للمسلمين في ميانمار وفي مناطق مختلفة، برغم أن الفضائيات تبث تلك المجازر ليلا نهارا، ولا تجد هؤلاء الوجهاء المتشدقين بحقوق الإنسان يتحركون لوقفها.

ونشرت صحيفة النيويورك تايمز سلسلة مقالات من العيار الثقيل في العام الماضي، وكشفت فيها مظاهر توحش الرأسمالية الأمريكية، وأفرزت المقالات عن حقيقة تقول: "أينما تجد هيمنة الرأسمالية تطل عليك العنصرية بوجهها القبيح" والإدارة الأمريكية الحالية باتت المتحدثة باسم الأثرياء فقط، ورصدت المقالات إحصائيات تبين أن متوسط ما تملكه الأسرة البيضاء يتعدى عشرة أضعاف ما تملكه الأسرة السوداء.

وفي الحقبة الأخيرة أرتفعت نبرة اليمين المتطرف المؤيد للفكر العنصري في أروقة السياسة الغربية، ويتزعمها دونالد ترمب منذ توليه رئاسة الولايات المتحدة، وتتعارض قراراته دائما مع القوانين الدولية وأراء الأغلبية، ويكرر في أكثر من مرة قوله إن إسرائيل مصدر إلهام للولايات المتحدة، ويعني كلامه أنه يحق لإسرائيل سحق الفلسطينيين، ويرفض اليمين المتطرف تماما كل أشكال الإندماج مع العرقيات الأخرى، ويؤمن بفكرة مناصرة الصهيونية، وأضف إلى ذلك ميراث سياسة العنصرية وهي العولمة التي ساهمت في صناعة العبودية الفكرية، وتعد أسوأ من أسواق النخاسة .

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

أوروبا تمحو بنين وكوماسي الإفريقية

في الأسبوع الماضي بدأنا الحديث عن الخطوات التي يجب أن نسلكها ليكون عندنا إعلام مصري حقيقي يحقق طموحاتنا ويستعيد ريادتنا الإعلامية في المنطقة في ظل التحديات

اختطاف الأطفال أكثر الجرائم ثراء

لهم الله أي أب وأم يختطف ابنهما، وتكون البشارة لهما إذا طلب مختطفوه فدية، وغير ذلك تكون الحسرة لوالديه مدى الحياة، ويصبح مصيره مجهولا، وهذا الوضع المخيف

احذري زوجك رومانسي جدا

منذ أبونا آدم راسخ في العقول أن معشر الرجال يقع عليهم الهم الأكبر والمسئولية كلها ولا يحق للرجل التعبير عن مشاعره وإذا تهاون أو قصر في أحد مهامه المكلف

حكايات عن نكرانهم الجميل

إنها الحقيقة مهما حاولوا تزييفها، وهي نكران الغرب للجميل على طول العصور، وأن كثيرًا منهم يعضون اليد الممدودة لهم بالخير، وعدد من رواد الفكر والاقتصاد

ما بعد كورونا

يشترك الإنسان مع الفيل في ارتداء الكمامة، وأرغم الحجر الصحي الهنود في وقف الاعتداء على المسلمين، ونفس الحال على مستوى العالم، هدأ صوت الرصاص في منطقة الشرق

السبيل لبناء الأوطان

تتألم القلوب، ويتساقط الدمع، وتضطرب المشاعر عند سقوط الضحايا والشهداء بسلاح الغدر والخيانة، ولا تبنى الأمم ولا تنهض إلا بدماء الشرفاء المخلصين، وصفحات

أوصياء على البشر

أوصياء على البشر

جهاز لكشف الابتسامة

لم نعرف عن عالم الابتسامة وما يتفاعل بداخله سوى التعبير الخارجى لحركة الشفاه، ونجهل أهم معالمها، وهو قدرة الابتسامة على قهر العدو ومقاومة السلاح، وبسبب ولع العلماء بالبحث خلف الظواهر الطبيعية والإنسانية مهما صغر شأنها، فقد استطاعوا إزاحة الستار عن حقائق كثيرة متعلقة بشأنها

أرباح بالتريليونات من وراء كورونا

مصائب قوم عند قوم فوائد, فما يحصده فيروس كورونا من أرواح, وما يسجله من دمار اقتصادي, نرى أشخاصًا يحققون أرباحًا طائلة وسط ركام الخراب, وهذا حال كل الأزمات,

القلب مفتاح لشخصيتك

كلما مر عليه يوم يشعر أنه لم يكن هو ذلك الرجل الذي كان بالأمس، وأصبح شخصا مختلفا تماما، وهذا لم يعد ضربًا من الخيال إنما حدث بالفعل، وقد سمعت حكاية هذا

الصفقة تغلق مؤسسات فلسطينية

بين حالة الفزع التي يعيش فيها العالم وما لحق به من انهيار اقتصادي بسبب كورونا، وما تمر به أيضا الولايات المتحدة من ويلات الإصابة والوفيات، تنشر صحيفة واشنطن

مادة إعلانية

[x]