عندما هدد ثروت أباظة بالاستقالة من "الأهرام"

9-6-2020 | 00:38

 

خلال رحلة عملي في جريدة "الأهرام" التي بدأت عام 1976، تعلمت وعملت مع مجموعة من كبار المفكرين فى مصر، ورواد مهنة القلم، تأثرت بهم وتعلمت منهم خلال العديد من المواقف التى عايشتها معهم، منها الطريف الذى لا يخلو من الحكمة والدرس البليغ، ومنها ما يمكن للأجيال الجديدة أن تتعلم منه وتستفيد من عصارة هذه التجارب، ومن هؤلاء الذين كنت شاهداً على بعض طرائفهم الكاتب الكبير " ثروت أباظة ".


و" ثروت أباظة " كاتب كبير بمعنى الكلمة، ليس لأنه أحد أفراد العائلة الأباظية الشهيرة، فوالده الأديب دسوقي أباظة، وعمه الشاعر عزيز أباظة، وعمه الآخر المفكر الكبير فكرى أباظة، ويكفيه أنه صاحب رواية "شيء من الخوف" التى قدمتها للسينما العظيمة "شادية" والرائع محمود مرسى من إخراج حسين كمال، فى واحد من أعظم أفلام السينما العربية، وهى رواية رائعة بكل المقاييس، تدور أحداثها فى قرية الدهاشنة التى تضم نماذج متعددة من البشر والرواية ذات أبعاد فلسفية ورموز سياسية تحكى الرواية عن الاستبداد والخوف من مواجهته، وتحذر من غضبة الشعب عندما ينتفض ليأخذ حقه، ويهتف كل أهل الدهاشنة "جواز عتريس من فؤادة باطل".

عندما كنت أعمل فى السكرتارية الفنية وفى عام 1977، كنت مكلفاً برسم ماكيت صفحة الأدب الأسبوعية والتى كان يشرف عليها فى ذلك الوقت الأستاذ " ثروت أباظة " الذى تولى رئاسة القسم الأدبى فى الأهرام (1975-1988) وكانت تربطنى بالزملاء فى القسم الأدبى علاقة صداقة وطيدة مع الدكتور عبدالعزيز شرف نائب رئيس القسم فى ذلك الوقت والروائى فتحى سلامة، وكثيراً ما كنت أجلس معهم بصحبة الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجى رئيس رابطة الأدب المصرى الحديث، وأحيانا كانت تجمعنا الجلسة مع الأستاذ ثروت أباظة وعدد من أدباء مصر لكونه وقتها كان رئيساً لاتحاد كتاب مصر، وللأمانة كان الرجل فى غاية الأدب والاحترام يعامل الناس بقدر من الإجلال والتواضع الذي يليق بمكانته رغم أن الجميع كان يناديه بـ "ثروت باشا".

اتصل بى الدكتور عبدالعزيز شرف هاتفياً وكان مكتبى فى صالة التحرير بالدور الرابع، وقال لى "تعالى بسرعة فى مكتب "ثروت باشا" فى الدور السابع، عايزك ضرورى" أسرعت إلى هناك مهرولاً ودخلت المكتب وحييت الأستاذ ثروت أباظة وجلست بجوار الدكتور عبدالعزيز شرف ، وكان هناك مجموعة من أدباء مصر المتحلقين حول رئيس اتحاد كتابهم، والجو مشحون ومتوتر، جلست أستمع بإنصات، ففهمت أن وراء "كهربة الجو" قرارا اتخذه رئيس تحرير "الأهرام" فى ذلك الوقت الأستاذ علي حمدي الجمال ، وكان يقضى بضرورة أن تعتمد الصفحات الأسبوعية التحريرية بمعرفة "الديسك المركزى" حسب جدول معين بذلك، بحيث لا ترسل أى صفحات إلى المطبعة أو يتم رسم ماكيتاتها إلا إذا كانت معتمدة وممهورة من مسئول "الديسك المركزى" حسب الجدول المعد لذلك، وكان الهدف من هذا القرار ضبط إيقاع العمل ومجرد إجراء تنظيمي يهدف إلى تقنين خط سير المواد التحريرية من الأقسام المختلفة وحتى يتم العمل بسهولة ويسر وفى الإطار الصحيح، والذى يضمن ألا يُنشر شيء يختلف مع السياسة التحريرية للجريدة.

وكان د. عبدالعزيز شرف قد أحضر صفحة الأدب كالعادة ليرسمها معى فطلبت منه أن يعتمدها من الديسك المركزى، فصعد إلى رئيس القسم الأدبى " ثروت أباظة " وأخبره بذلك، وتصادف وجود هذه المجموعة من كتاب مصر فى حضرته، فراحوا "يسخنون الجو" ويحرضونه ضد هذا القرار معتبرين أن ذلك ينقص من قدر وقيمة "ثروت باشا أباظة" الأديب الكبير ورئيس اتحاد الكتاب، الذى- كما قال أحدهم - أحضره الأديب يوسف السباعى إلى الأهرام للقضاء على بقايا اليسار فيها.

كنت أجلس صامتا مستمعاً ومستغرباً لهذا الموقف، ورافضاً له فى ذات الوقت، وبعد أن وجدت كل واحد من الحاضرين يصب الزيت على النار ويطالب " ثروت أباظة " بالاستقالة ورفض هذا القرار، وأن يتحدث "أباظة" مع "السباعى" بشأن هذا القرار، فليس " ثروت أباظة " الذى يراجع مقالاته أو صفحته أحد غيره مهما كان شأنه، بالفعل تحت هذا الضغط المتواصل من جانب "الشلة" التى تواجدت كاد الأستاذ ثروت أباظة أن يهم بكتابة استقالته، وهنا تحدث الدكتور عبدالعزيز شرف وقال للأستاذ ثروت أباظة "إسماعيل إبراهيم" يريد أن يقول رأيه فى هذا الموضوع يا باشا".

وبأدب جم قال لى الأستاذ "ثروت" "إيه رأيك يا إسماعيل؟"

قلت: يا أستاذ ثروت لا تستمع إلى كلام هؤلاء الأساتذة أو الزملاء، فهم لا يعرفون الحكمة من قرار رئيس تحرير "الأهرام" برغم أن معظمهم من مؤسسات صحفية أخرى، ويعلمون أن كل مؤسسة لها القواعد والنظم الخاصة بها، والتى يضعها رئيس التحرير لتنظيم سير العمل فى المؤسسة، وهم لا يملكون معارضتها، ومع ذلك أقول لحضرتك، إن قرار الأستاذ علي حمدي الجمال بضرورة اعتماد الصفحات الأسبوعية من الديسك المركزى، ليس المقصود منه شخصا بعينه، وإنما ينطبق على كل الأقسام بدون استثناء ويشمل كل الصفحات، وهناك تعليمات مشددة على سكرتارية التحرير الفنية بعدم إرسال أية مواد تحريرية غير معتمدة من الديسك المركزى إلى المطبعة، والهدف من هذا القرار هو تنظيم العمل وضمان جودته وسهولة تدفقه إلى المطبعة فى إطار من المسئولية المحددة.

وأعتقد أن حضرتك بوصفك من كبار الصحفيين والكتاب في "الأهرام" المفروض أن تكون أول من يحرص على تنظيم العمل فى المؤسسة وأن يسير حسب اللوائح التى وضعها رئيس التحرير، لأنك مسئول كبير، وكما قلت لحضرتك أنت محل تقدير واحترام منا جميعا، والكل يعرف قيمة " ثروت أباظة " ومن منطلق هذه القيمة يجب أن تكون حضرتك من أول المرحبين بهذا القرار.

وعلى الفور قال " ثروت أباظة " بكل هدوء: "كلامك صح يا إسماعيل" وأعطانى الصفحة لأسلمها لمسئول الديسك المركزى فى الأهرام، وفشلت محاولات البعض لدفعه إلى التهديد بالاستقالة.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

الخبراء يطالبون برؤية جديدة لكليات الإعلام

الخبراء يطالبون برؤية جديدة لكليات الإعلام

كليات وأقسام الإعلام تخرج أعدادا كبيرة غير مؤهلة

في الأسبوع الماضي بدأنا الحديث عن الخطوات التي يجب أن نسلكها ليكون عندنا إعلام مصري حقيقي يحقق طموحاتنا ويستعيد ريادتنا الإعلامية في المنطقة في ظل التحديات

نحو إعلام مصري حقيقي

كثيرا ما تحدثنا وتحدث الكثيرون عن أهمية الإعلام ودوره المحوري والهام فى بناء جسور الثقة المتبادلة بين الشعوب والحكومات، ودوره في عمليات التنمية وإحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي المنشود.

"أمل" الإمارات .. وجشع المستشفيات الخاصة

تعرضت الأسبوع الماضي لأزمة صحية مفاجئة تؤكد أهمية وضرورة رقابة وزارة الصحة المصرية على المستشفيات الخاصة، وأهمية أن يكون هناك جهة مسئولة عن تنفيذ توجيهات

حق وليست مِنة!!

في الوقت الذي كنا نتحدث فيه عن أهمية الإعلام الحقيقي والموضوعي في إقامة جسور الثقة بين الشعب وقيادته، وأهمية هذا الدور في جعل إنجازات تلك القيادة الرشيدة

الإعلام وجسور الثقة بين الشعب وقيادته

الإعلام الحقيقي والموضوعي هو الإعلام الذي يرى بعين الجماهير ويتحدث بلسانها، ويعبر عن طموحاتهم، ويجسد آمالهم وتطلعاتهم نحو المستقبل، وفى ذات الوقت الذى

ضرورات التعايش مع "كورونا"

بعد الاتجاه لعودة الحياة إلى طبيعتها، ليس في مصر وحدها وإنما في غالبية دول العالم بعد فترة الحظر والإجراءات الاحترازية إثر جائحة كورونا، أصبح من الضروري

دراما الغابة!!

بعيداً عن مسلسل "الاختيار" الذى قدم لنا نموذج التضحية والفداء والعطاء لمصر، ممثلاً في بطولة العقيد أركان حرب "أحمد منسي"، وبعض المسلسلات الكوميدية والرومانسية

"الاختيار" .. وقيم الولاء والانتماء

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة "يوسف": ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ

"كمامة" لكل مواطن!!

نعم" كمامة" لكل مواطن،أعتقد أن ذلك أصبح أمراً واقعاً وضرورياً بعد أن أكد رئيس الوزاء أن ارتداء الكمامة سيكون إجباريا في كافة المنشآت بالدولة والمواصلات العامة، ولن يسمح بدخول أي مكان بالدولة دون ارتداء كمامة، وسيتم فرض عقوبات على المخالفين ممن لم يرتدون الكمامات.

"فاروق هاشم" .. الجنرال الزاهد

يقول الدكتور طه حسين: "ديوان الحياة المصرية المعاصرة" هذا أصدق وصف يمكن أن توصف به "الأهرام"، كما أن أصدق وصف وصِف به الشعر العربي القديم هو أنه ديوان العرب.

بين "الزعيم".. و"حروب الهوانم"

وسط حصار " كرونا" الإجبارى لأصحاب مهنة البحث عن المتاعب أمثالي، وجدت نفسي مقسماً بين قراءة القرآن الكريم ، الذي أتعلم منه يوميا ودائما كل جديد، فالقراءة

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]