العقيدة السياسية للسيسي

7-6-2020 | 14:30

 

عرفت العلاقات الدولية ما اُصطلح علي تسميته المبدأ أو العقيدة السياسية لبعض القيادات التي لعبت دورا مؤثرا في السياسات الدولية والإقليمية . كان هناك علي سبيل المثال مبدأ مونرو Monroe Doctrine الذي صاغه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في ديسمبر 1812 الذي قام علي رفض الوجود الاستعماري الأوروبي في الأمريكتين، وعدم التدخل الأمريكي في الشئون الداخلية الأوروبية، واعتبار أي محاولة أوروبية لفرض نظام سياسي بعينه علي أي من دول الأمريكتين بمنزلة خطر وتهديد للأمن الإقليمي. من ذلك أيضا مبدأ ويلسون Wilson Doctrine الذي صاغه الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في يناير 1918، والذي تضمن 14 مبدأ فرعيا كان لها تأثيرها علي السياسات العالمية بعد الحرب العالمية الأولي، بما في ذلك حريات التجارة والملاحة، وسباق التسلح، وحقوق الأقليات.. إلخ، وصولا إلي «مبدأ ترامب» أو أمريكا أولا، الذي قام علي إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية في علاقاتها مع العالم الخارجي والنظام العالمي، وإعادة النظر في حجم وطبيعة الالتزامات الخارجية بما في ذلك تجاه الحلفاء. ولا يقتصر تطور مثل هذه المبادئ علي الرؤساء الأمريكيين ، فقد درج رؤساء الصين أيضا علي طرح عقائدهم السياسية التي مثلت بوصلة الحركة الصينية علي المستويين الإقليمي والعالمي. الأمر ذاته فيما يتعلق بالقوي الإقليمية.


طَرْحْ مثل هذه المبادئ أو العقائد السياسية قد يتم بشكل معلن ومباشر (حالة مبدأي مونرو، وويلسون اللذين أُعلن عنهما من داخل الكونجرس الأمريكي) وقد تتطور في بعض الحالات الأخري بشكل ضمني وغير مكتوب، حيث يصبح استخلاصها مهمة دارسي العلاقات الدولية. لكن يظل القاسم المشترك فيما بينها أنها تتطور في ظل مراحل انتقال أو تحول ضخمة في السياسات العالمية أو الإقليمية، لتلعب دور الضابط للسياسات الخارجية للدولة ونمط علاقاتها مع النظامين الإقليمي أو العالمي، بل صياغة السياسات العالمية في بعض الحالات. كما يُشترط للقول بوجود هذا المبدأ أن يتسم بالتماسك والانسجام، بمعني عدم التناقض بين مكوناته، من ناحية، وعدم الازدواجية في التطبيق، من ناحية أخري؛ فإذا كان مبدأ ما يُعني ببناء السياسات الإقليمية للدولة وعلاقتها بالإقليم، فيجب أن تخضع جميع سياساتها تجاه الإقليم لهذا المبدأ دونما تمييز بين وحداته أو قضاياه.

متابعة الخطاب السياسي للرئيس السيسي بشأن العلاقة مع الإقليم والعالم خلال ست سنوات منذ توليه السلطة في يونيو 2014 تسمح بالقول بتطور مبدأ أو عقيدة السيسي Al Sisi Doctrine. لم يتم طرح هذه العقيدة بشكل مباشر وصريح، لكنها تظل حاضرة في السياسة الخارجية للدولة المصرية تجاه الإقليم، وعلاقاتها مع القوي الكبري. ويمكن هنا طرح أربعة مكونات أساسية في هذه العقيدة.

المكون الأول، أولوية حماية الدولة الوطنية والحفاظ عليها، باعتبارها الركيزة الأساسية للأمن القومي والأمن الإقليمي معا، بل الأمن العالمي. القاسم المشترك بين السياسات المصرية تجاه أزمات سوريا واليمن وليبيا هو الانحياز الصريح لأولوية الحفاظ علي الدولة الوطنية، وأن إعادة بناء هذه الدولة ووضعها علي مسارها الطبيعي يظل هو المنهج الأكثر فعالية لتسوية هذه الأزمات، بما يتضمنه ذلك من بناء/ إعادة بناء مؤسسات الدولة -وعلي رأسها الجيش- علي أسس وطنية تتجاوز الانتماءات الطائفية والعرقية. وبما يتضمنه ذلك من عدم وقوع الدولة أسيرة تنظيمات دينية أو ميليشيات عسكرية. لقد اكتسب هذا المكون مصداقيته في «عقيدة السيسي » علي خلفية الدور الذي لعبه في حماية الدولة المصرية واستعادتها من قبضة الإخوان المسلمين وحلفائهم من خلال الانحياز لثورة يونيو 2013، ثم العمل علي تثبيت مؤسسات الدولة بعد الثورة.

المكون الثاني، هو عدم التدخل في الشئون الداخلية. لا ينسحب ذلك علي السياسة المصرية في الإقليم فحسب، لكنه ينسحب كذلك علي الموقف من سياسات القوي الكبري والقوي الإقليمية، واعتبار هذا التدخل جزءا من أزمة الإقليم وليس جزءا من الحل. وقد اكتسب هذا المكون مصداقيته عبر تأكيد الالتزام به حتي فيما يتعلق بالأزمة الليبية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بالأمن القومي المصري, فمع خصوصية المسألة الليبية بالنسبة لمصر، لكنها لم تنتقل من دعم عملية بناء المؤسسات الوطنية الليبية وتسهيل التسوية السياسية إلي التدخل في الشئون الداخلية الليبية. ويرتبط بهذا المكون رفض عسكرة السياسة الخارجية إلا في حالة وجود تهديد واضح للأمن القومي.

المكون الثالث، هو ما يمكن وصفه بالتمسك بأخلاقية السياسة الخارجية، وهي مسألة موضع جدل قديم. البعض يذهب إلي أنه لا أخلاق في السياسة بشكل عام، والعلاقات الدولية بشكل خاص، وأن الأمر عندما يتعلق بالمصالح فلا مجال للقواعد الأخلاقية. السيسي ينتصر لوجهة نظر أخري تقول إن العلاقات الدولية يجب أن تحكمها القواعد الأخلاقية أيضا، وإنه يمكن للدولة تحقيق مصالحها في إطار من الالتزام بالقواعد الأخلاقية. المكون الرابع، المهم، أن الموارد الإقليمية يمكن أن تكون موضوعا للتعاون أكثر منها موضوعا للصراع. يعكس ذلك بوضوح الموقف المصري من قضيتي سد النهضة الإثيوبي وغاز شرق المتوسط. في الأول، لازال السيسي يري أن السد يمكن أن يكون موضوعا للتعاون الإقليمي مادام التزمت الأطراف بقواعد عدم الإضرار المتبادل، وفي الثانية نجح في بناء شبكة للتعاون الإقليمي حول الغاز .

هذه بعض المكونات الأساسية لمبدأ أو «عقيدة السيسي » التي تطورت خلال السنوات الست السابقة ربما لا تكون هي المكونات الوحيدة في هذه «العقيدة»، لكنها تمثل المكونات الأكثر وضوحا. ولا شك أن هذه العقيدة قد تضع بعض الأعباء والتكاليف علي السياسة المصرية لكنها دون شك تمثل المدخل والشرط الأكثر فعالية لبناء إقليم مستقر وتوازن أكثر استدامة بين مصالح القوي الإقليمية.

 

 

نقلا عن صحيفة الأهرام

 

 

مقالات اخري للكاتب

زياد عقل

العلاقة بين الباحث في العلوم الاجتماعية والظواهر الاجتماعية تأخذ ثلاثة أنماط مختلفة:

حرب باردة جديدة

منذ أن بدأت حالة الاستقطاب الراهنة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تسارعت وتيرتها عقب بدء جائحة كوفيد-19، بدأ معها سيل من الكتابات حول دخول النظام العالمى

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

من يتولى توفير السلع العامة داخل النظام العالمي؟

النظام العالمى شأنه شأن الأنظمة الاقتصادية الوطنية؛ هناك سلع عامة لابد من اضطلاع طرف بإنتاجها وتوفيرها كشرط رئيسى لبقاء النظام وعمله بفعالية.

المؤسسية الدولية في مفترق طرق

التحولات العالمية الكبرى دائما ما تفرض على منظري العلاقات الدولية تساؤلات جوهرية تشغل حيزا ضخما من الاهتمام لحين الوصول إلى إجابات مُرضِية لها. فقد انشغل

مادة إعلانية

[x]