أشباح الضم تراود حكومة نيتانياهو

6-6-2020 | 17:09

 

إن صح تسمية الحكومة الإسرائيلية الخامسة التى شكلها بنيامين نيتانياهو و بينى جانتس من الليكود و حزب أزرق أبيض والتى يتم فيها تبادل منصب رئيس الوزراء بعد ثمانية عشر شهر، بأحد مهامها فمن الممكن تسميتها حكومة الضم أى تنفيذ ذلك البند من خطة ترامب للسلام المعلن عنها فى 28 يناير الماضى، والمتعلق بضم إسرائيل للمستوطنات وغور الأردن وشمال البحر الميت للسيادة الإسرائيلية، ذلك أن هذه المهمة تعتبر مصدر شرعية هذه الحكومة والمتوافق عليها بين طرفيها قبل تشكيل هذه الحكومة وفى أثناء تشكيلها وبعد ظهورها إلى حيز الواقع.


فى الاتفاق الائتلافى بين نيتانياهو وجانتس والذى وقع فى 20 أبريل الماضى ينص أحد البنود على دفع وتحقيق المسعى الإسرائيلى لضم منطقة غور الأردن وأجزاء واسعة من الضفة الغربية ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية مع بداية يوليو عام 2020.

من حيث التوقيت فى بدء تنفيذ هذه الخطة، فإن تعيين أول يوليو عام 2020 لم يأت من قبيل الصدفة، بل قصد منه إتاحة إنجاز هذه المهمة قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التى ستجرى فى نوفمبر 2020 وتجنب تداعيات خسارة ترامب فى مواجهة خصمه الديمقراطى جوبايدين، بعد انكشاف إدارة ترامب فى معالجة واحتواء أزمة كورونا وتداعياتها الصحية والاقتصادية، كما أنه فى حالة فوز المرشح الديمقراطى بايدن سوف تعود إلى الواجهة محاولات نيتانياهو السابقة للتدخل فى الانتخابات الأمريكية فى عام 2012 ضد أوباما و2016 ضد هيلارى كلينتون، وكذلك احتمال تراجع الإدارة الجديدة عن تعهدات ترامب وعودتها إلى تبنى الموقف التقليدى للإدارة الأمريكية إزاء المستوطنات وربما القدس وإن بطرق وصيغ جديدة، تختلف عن سابقاتها.

ورغم تأييد إدارة ترامب للصفقة والضم، واعتبار أن هذا القرار هو قرار إسرائيلي؛ فإن الإدارة الأمريكية لا تزال تأمل حتى الآن أن يكون هذا الضم فى إطار التفاوض وحضور الفلسطينيين وانضمامهم إلى الصفقة، وأن يؤجل القرار إلى وقت لاحق، ومع ذلك فإن ضمان التأييد الأمريكى للضم وقدرة إسرائيل على تنفيذه بحكم احتلالها وسيطرتها على هذه الأراضى، فإن هذه الورقة التى يمتلكها نيتانياهو وجانتس لا تضمن هذا التنفيذ بصورة مرضية لإسرائيل، وغير مضرة بصورتها فى العلاقات الدولية، خاصة فى هذه الآونة التى يحارب فيها العالم وباء كورونا ويواجه أزمة اقتصادية وصحية غير مسبوقة.

حذرت العديد من التقارير الصادرة عن معاهد أبحاث إسرائيلية ومسئولين إسرائيليين تولوا رئاسة جهاز الاستخبارات الموساد ومواقع حساسة فى الأجهزة والمؤسسة العسكرية من اتخاذ قرار الضم، وحذرت الأغلبية منهم من مخاطر هذا القرار وتداعياته السلبية على إسرائيل، معهد متافيم مسارات الإسرائيلى للسياسات الخارجية والإقليمية أصدر عدة تقارير تشير فى مجملها إلى أنه رغم صعوبة وغموض ردات الفعل المتوقعة إقليميا ودوليا، فإنه من الواضح أن قرار الضم سيلقى استنكارا وتنديدا من قبل المنظمات الدولية والإقليمية مثل مجلس الأمن والجامعة العربية والاتحاد الأوروبى والاتحاد الإفريقى، وذلك بصرف النظر عن أن مثل هذه الخطوة قد تكون تصريحا لا يترجم إلى الواقع.

ورغم أن دول الاتحاد الأوروبى تعانى انقسامات متعددة فإن ألمانيا وفرنسا من خلال التصريحات، سوف يقومان بالرد على قرار الضم والعديد من الدول الأوروبية ستحذو حذو فرنسا وألمانيا مثل روسيا وبلجيكا وإسبانيا وأيرلندا وإيطاليا والنرويج.

الموقف الأوروبى عموما وبصرف النظر عن الانقسام الممكن والنفوذ الإسرائيلى واللوبى اليهودى فى العديد من الدول الأوروبية، سينظر إلى قضية ضم الأراضى الفلسطينية من منظور أوسع يتجاوز حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة، أى من منظور مفهوم مختلف للنظام الدولى والعلاقات الدولية قائم على احترام القانون الدولى والتعددية فى إدارة النظام، مقابل المفهوم الأمريكى الأحادى والذى يضع القوة فوق القانون والتعددية، ومن ثم فإن القرارات الدولية الخاصة بحل الدولتين ستفقد مصداقيتها تماما وإلى أجل غير مسمى وقد ينسحب ذلك على العديد من القرارات الدولية الأخرى.

وعلى غرار هذه الانتقادات أشار أحد أساتذة الدراسات الإسلامية والشرق الأوسط فى الجامعة العبرية إلى أن قرار الضم ينطوى على خمسة مخاطر يتعلق أولها بردود فعل الاتحاد الأوروبى، والثانى بالسلطة الفلسطينية واحتمال نشوب انتفاضة أخرى وحل نفسها وتداعيات ذلك، أما ثالثها فيتعلق بحماس وحزب الله والجبهة الجنوبية والشمالية، ويتعلق الرابع بردود فعل الدول العربية، خاصة الأردن ومصر ودول الخليج والجامعة العربية التى اعتبرت أن الضم جريمة حرب جديدة فى بيانها فى 30 أبريل عام 2020، أما الخطر الخامس فيتمثل فى إنهاء حل الدولتين وظهور الدولة الواحدة والتى قد تعنى نهاية المشروع الصهيونى فى إقامة دولة يهودية وديمقراطية بسبب السيطرة على ملايين الفلسطينيين دون منحهم الجنسية الإسرائيلية.

يرى رئيس الوزراء الإسرائيلى نيتانياهو ورئيس الوزراء البديل جانتس أن الفرصة سانحة للضم، بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية وبضغوط الطائفة الإنجيلية الأمريكية، بيد أن نيتانياهو وجانتس لا ينظران إلى الجانب الآخر من الصورة أى الأخطار والمخاطر التى ينطوى عليها هذا القرار، خاصة فى التوقيت الراهن أى انشغال العالم بمكافحة وباء كورونا صحيا وتداعياته الاقتصادية، وهى مخاطر حتى لو كان الكثير منها سيقف عند حدود الإعلان والمواقف فإنها ستوثر على الصورة الإسرائيلية فى العالم.

فى مواجهة احتمال مضى إسرائيل قدما فى اتخاذ هذا القرار مع يوليو المقبل، وسواء كان هذا الضم شاملا أم جزئيا أم رمزيا، فإن المطلوب من قبل السلطة الفلسطينية وأجهزتها والمناصرين للقضية الفلسطينية دراسة تفصيلية لمختلف المواقع والمواقف من قبل كل المنظمات والاتحادات الدولية والإقليمية وكل الدول وقدراتها على ترجمة مواقفها ترجمة عملية وإجرائية وعقابية ضد إسرائيل، فالعبرة ليست بكثرة مثل هذه المواقف بل بفاعليتها وانتقالها من حيز النظر إلى حيز العمل، ذلك أن معسكرات رفض الضم وقبوله واضحة من الآن، والمهم هو دفع معسكر الرفض إلى اتخاذ خطوات عملية وتقديم بدائل ممكنة ودليل استرشادى من قبل رسم خريطة للمواقف العملية المؤثرة والقائمة على المعرفة لطبيعة القرار الإسرائيلى وحدوده.

معسكر رفض قرار الضم والذى يضم غالبية الدول والمنظمات الدولية والإقليمية التى تناصر الحق الفلسطينى ينبغى أن يسترشد بالمعادلة الإسرائيلية التى يتقرر على ضوئها قرار الضم، والتى تتلخص فى أن توفر القدرة الإسرائيلية بتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ قرار الضم أيا كانت طبيعته جزئية أم كلية بسبب سيطرة إسرائيل على هذه الأراضى، لا يعنى بالضرورة توافر قدرة إسرائيلية موازية على امتصاص واحتواء المواقف المحتملة لقرار الضم خاصة إذا ما اتخذت طابعا عمليا.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

السلام .. وليس الأرض مقابل السلام

ليس من السهل وضع الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي للسلام على قدم المساواة مع المعاهدة المصرية الإسرائيلية، أو معاهدة وادي عربة مع الأردن أو مع اتفاق أوسلو

تركيا .. قدوة سيئة لإثيوبيا في السياسات المائية

تواجه مصر تحديات غير مسبوقة, على الأقل فى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين والعقد الأول والثانى من القرن الحادى والعشرين، تتعلق بأمنها القومى وأمنها

مصر عصية على الانكسار

مصر عصية على الكسر، هكذا كانت عبر الزمن، وهكذا ستكون إلى الأبد، فهى محروسة وهى الصفة التى لازمتها وستلازمها فى تاريخها القديم والحديث، وسواء كان مصدر هذه

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]