دور العقل في فهم النص

5-6-2020 | 15:26

د. محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

 

د. محمد مختار جمعة

لا غنى عن إعمال العقل فى فهم صحيح النص وفى تطبيقاته وفى إنزال الحكم الشرعى على مناطه من الواقع العملي، كما أنه لا بد من إعادة قراءة النص فى ضوء مستجدات العصر.


ومن ذلك قول النبى (صلى الله عليه وسلم) للأعرابى الذى سأله عن ناقته: أعقِلُها وأتوَكَّلُ أو أطلِقُها وأتوَكَّلُ؟ فقالَ (صلى الله عليه وسلم): «اعقِلها وتوَكَّلْ».

على أن التوازن بين الأخذ بالأسباب والتسليم بقضاء الله وقدره لا يقف عند حدود عقل الناقة مع حسن التوكل، إنما يشمل كل جوانب الحياة، فعلى الطالب أن يجتهد فى مذاكرته ثم يحسن التوكل على الله (عز وجل) فى أمر نتيجته، وعلى الزارع أن يأخذ بأسباب العلم فى زراعته ويحسن القيام عليها ثم يحسن التوكل على الله فى نتاجها.

وفى ظروفنا الآنية فى مواجهة فيروس كورونا نقول: ارتد الكمامة وتوكل، نظف يديك وتوكل، تجنب المصافحة وتوكل، حقق التباعد الاجتماعى وتوكل، خذ بجميع الأمور الاحترازية والإجراءات العلمية والطبية وتوكل، وهكذا فى سائر الأمور الحياتية، وبهذا نكون قد فهمنا وحققنا وطبقنا معنى قول نبينا (صلى الله عليه وسلم): «اعقلها وتوكل».

النموذج الثاني: القصد فى المشي، إذ يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان لقمان (عليه السلام) فى وصيته لابنه: «يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» (لقمان :17-19).

فالقصد فى المشى هو الاعتدال وعدم الخيلاء فيه، وذلك لا يقف عند حدود الماشى على قدميه، إنما يعنى القصد فى المشى وعدم الاختيال مطلقا، سواء أكان الإنسان ماشيًا على قدميه أم سائرًا على دراجته أم راكبًا سيارته، بل إن الاختيال بالسيارة أشد جرمًا من الاختيال بالمشى على القدمين لما فى الثانى من كسر نفوس الفقراء، وأسوأ ما فى ذلك أن يصل الاستعلاء بالنفس إلى تجاوز القوانين المنظمة للمرور والسير، مع أن الالتزام بقواعد المرور العامة إنما هو للحفاظ على حياتك وحياة الآخرين؛ مما يتطلب أن تلتزم بالسرعات المقررة وبإشارات المرور وتعليماته وبآدابه وأحكامه دون أن يستعلى أحد على الآخرين بسيارته الفارهة أو بدراجته الأحدث.

والحق سبحانه وتعالى يقول: «وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا»، فالغاية والمقصد إنما هو النهى عن التكبر على خلق الله والاستعلاء عليهم بأى نوع من أنواع الاستعلاء.

والمشى فى الآية هنا ليس مقصودًا به المشى على القدمين فقط، وإنما المقصود به النهى عن مطلق الاختيال والعجب والغرور بالنفس، وقد سئل أحدهم: ما السيئة التى لا تنفع معها حسنة؟ فقال: الكبر . يقول الشاعر:
ولا تمشِ فوق الأرضِ إلَّا تواضعًا
فكم تحتهـا قومٌ هــم منــك أرفــعُ
فإن كنتَ فـى عــزٍّ وخيرٍ ومنعـةٍ
فكم مات مِن قومٍ هم منك أوضعُ.

وختامًا نؤكد أهمية فهم مرامى النصوص ومقاصدها، ونحذر من المتحجرين الذين يقفون عند ظواهرها لا يتجاوزون الظاهر الحرفى لها، فيقعون فى العنت والمشقة على أنفسهم وعلى من يحاولون حملهم على هذا الفهم المتحجر.

نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]