مصر والكويت.. ومواقع التخريب الاجتماعي

5-6-2020 | 14:33

 

أشعر بحزن شديد كلما شاهدت على مواقع التواصل الاجتماعى هذه الهجمات الغريبة والشاذة بين أعداد ضئيلة من البشر من الكويت ومصر ، وهذه الأصوات تتجاوز كل حدود الأخلاق والسلوك الراقى وتستخدم كلمات وألفاظا أقل ما توصف به أنها قاموس ساقط يعكس سوءاً فى التربية وأمراضاً فى الفكر.. والغريب أن هذه الظواهر الشاذة تمثل شباباً وفتيات فى مقتبل العمر، وإن كانوا يحملون أنواعا من الأوبئة التى وصلت بهم إلى هذه الحالة من الانحطاط والانفلات والرعونة..

< أقول ذلك وأنا أرصد منذ فترة هذا التراشق البغيض على صفحات الفيس بوك وغيرها من وسائل الخلل الاجتماعي.. لقد أساءت مثل هذه السلوكيات إلى علاقات كانت غاية فى الرقى والترفع بين الشعبين المصرى والكويتي، وكانت هناك أجيال تقدس هذه العلاقات وتضعها فى مكانتها فى القلوب وقد تشبعت هذه الأجيال بكل ما وحد الشعبين وقد عاش آلاف المصريين فى الكويت ولم يشعر أحدهم بالغربة، أو انه ضيف فى بلد غريب..
< هذه الأجيال هى التى حفظت فى ذاكرتها صورا كثيرة عن علاقات ود وتواصل بين الشعبين، سواء من كان كويتياً وسكن ضفاف النيل، أو كان مصرياً وذهب وقدم سنوات عمره وخبراته فى وطن شقيق.. بين كل الشعوب والحكومات تبدو أحياناً بعض الحساسيات فى الكلام والمواقف والمصالح ولكن سرعان ما يذوب الجليد ويتدفق ماء النهر ويأخذ فى طريقه كل الشوائب..
< لا شك أن فى الكويت بكل مؤسساته ملفات وأوراق تجمع أسماء آلاف المدرسين الذين ذهبوا إلى الكويت فى بعثات تعليمية لتعليم أبناء الشعب الكويتى الشقيق ، وكانت الدولة المصرية فى ذلك الوقت تتحمل نفقات ورواتب هذه البعثات، والأجيال القديمة فى الكويت مازالت تذكر أسماء هؤلاء المدرسين الذين حملوا رسالة الفكر والثقافة بين أبناء الشعب الشقيق.. لا شك أن الأجيال القديمة من الأصدقاء فى الكويت يذكرون صفوة عقول مصر التى اختارت الكويت وطنا فى فترة من فترات حياتهم من فى جامعات الكويت ينسى د.زكى نجيب محمود وفؤاد زكريا وأحمد بهاء الدين وشاعر العرب محمود حسن إسماعيل وفاروق شوشة وجابر عصفور والفنانين جلال الشرقاوى وسعد أردش وكرم مطاوع وأحمد عبد الحليم، ومن فى الكويت ينسى نجوم مصر الذين أقاموا الحفلات والمسرحيات وأنشأوا المؤسسات الثقافية والفنية وقدموا الفن الراقى الرفيع.. فى الكويت ذكريات كثيرة للمصريين الذين صنعوا نهضتها وشاركوا فى بنائها.

< إن الأجيال الجديدة التى تتراشق بالشتائم وفحش القول على مواقع التواصل غير الإنسانى لا يذكرون شيئا من هذا التاريخ.. إنهم لا يعرفون شيئا عن أطباء مصر العظام الذين أقاموا نهضة صحية للشعب الشقيق ومنهم من عاش فى الكويت ومات فيها حباً وعرفاناً.. إنهم لا يعلمون شيئا عن العامل المصرى العظيم الذى شيد ناطحات السحاب والعمارات الشاهقة، ولا يذكرون من أقاموا الحدائق وزرعوا الأشجار وأضاءوا الطرقات والمساجد.. لا أحد الآن يذكر هؤلاء وقد تركوا بلادهم وذهبوا إلى هناك لتخضر بهم الصحراء وتضيء الشوارع..
< أعرف الكثير من الأصدقاء فى الكويت وكثيراً ما ذهبت فى صحبة مسئولين كبار فى الدولة المصرية كان منهم د. عبد العزيز حجازى رئيس الوزراء فى عهد الرئيس السادات و د. عبد المنعم القيسونى وهو ينشئ المصرف العربى الدولى وكانت الكويت عضوا فيه و د.حامد السايح الاقتصادى الشهير وأسماء كبيرة من رموز مصر فى مراحل مختلفة.. وفى هذا الزمان جمعتنى صداقات كثيرة مازلت أعتز بها لأنها جزء من أعمارنا وذكريات الزمن الجميل..
< أقول إن ما بين مصر والكويت أكبر من مهاترات الصبية والصغار، ولكن الشيء الغريب أن يكون فى قائمة هؤلاء أعضاء فى البرلمان الكويتى وأن نسمع من هؤلاء أحط الكلمات وأسوأ الألفاظ وأن تظهر على الشاشات وجوه غريبة لا يمكن أن تنتسب إلى أخلاقيات الشعب الكويتى التى نعرفها.. إن للكويت كتابها الكبار أحمد الجار الله والشاعرة سعاد الصباح ومحمد الرميحى وخليفة الوقيان، وهذه الرموز تعرف عمق العلاقات بين مصر والكويت وتدرك الجوانب التاريخية والإنسانية التى جمعت الشعبين..
< لا أريد أن أتحدث عن العلاقات الرسمية بين البلدين وبين حكام مصر وأسرة الصباح وهى علاقة لها جذورها ومواقفها ولسنا فى حاجة إلى أن نستعيد صفحات التاريخ ومدى حرص الزعيم الراحل جمال عبد الناصر على استقرار الكويت أمناً وحكاماً وشعباً.. ولن نذكر موقف الشعب المصرى ولا أقول فقط الدولة المصرية من أزمة الشعب الكويتى فى حرب الخليج واحتلال أراضيه وكانت مصر هى القلب الذى احتضن الشعب الكويتى فى محنته..
< إن على أرض الكويت وفوق رمالها دماء شباب مصرى من أبناء جيش مصر العظيم حاربت واستشهدت وكانت وثيقة نضال فى تاريخ الشعبين.
< فى مواقف كثيرة لن ينسى المصريون الدعم الذى قدمه الشعب الكويتى مالياً وأدبياً وسياسياً وكانت العلاقات التاريخية بين البلدين نموذجا للأخوة والتعاون فى كل الظروف.. وفى السنوات الأخيرة شهدت مصر والكويت مرحلة جديدة من التعاون كانت تؤكد دائما أنناً وطن واحد وأن أمن واستقرار الكويت جزء من أمن مصر، وقد أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى موقف مصر فى كل المناسبات..
< إن السؤال هنا وماذا بعد هل نترك هذه العقول المريضة أن تفسد تاريخاً من العلاقات الطيبة بين الشعب المصرى والشعب الكويتى وكيف يسمح المسئولون هنا وهناك أن يتطاول أعضاء فى المجالس النيابية على هذه العلاقات، وكيف تحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى مستنقعات للبذاءات والشتائم والإساءة إلى سمعة الشعوب وتاريخها.. إن السكوت على هذه الجرائم يمثل اعتداء صارخاً على علاقات تاريخية صنعتها المواقف والعلاقات الإنسانية والتاريخ المشترك وينبغى عدم السكوت على ذلك كله..
< إن بقاء عضو فى البرلمان جريمة أكبر ومثل هذه الوجوه لا تشرف شعباً أن تنتسب إليه ومثل هذه الفروع الساقطة يجب أن تقطع من جذورها لأن السكوت على مثل هذه الأمراض يشكل جريمة فى السلوك والأخلاق..
< إن فى الكويت كوكبة كبيرة من العقلاء وأهل الحكمة ولا أعتقد أن ما يحدث من تجاوزات فى حق العلاقات المصرية الكويتية شيء يرضيهم.. إننا هنا لا نتحدث عن مواقف غامضة ولكننا نقرأ ونسمع ونشاهد ونعرف مصدر هذه الأمراض التى تعكس خللاً فى الفكر وتخلفاً فى السلوك..
< إن الأجهزة المسئولة فى البلدين تستطيع أن ترصد مصادر هذا العفن الذى حمل أسوأ الألفاظ وأحط الشتائم، وفى الفترة الأخيرة بدأت الأصوات تعلو وترتفع وبدأت الاتهامات تدخل فى سرداب طويل من المنافسة من يكون أكثر انحطاطاً وهذه جميعها تمهد لدمار اكبر فى العلاقات التاريخية بين شعبين شقيقين جمعت بينهما مراحل كثيرة من التعاون والثقة والترفع.. لا أدرى إلى من اتجه بحديثى الآن، خاصة أن الفترة الأخيرة قد شهدت مرحلة من البذاءات والتطاول والترخص فاقت كل ما كان قبلها.. إن مسلسل التطاول لم يتوقف عند مواقع التخريب الاجتماعي، ولكنه انتقل إلى بعض الشاشات والقنوات الخاصة ومثل هذه الوسائل تدمر عن قصد تاريخاً طويلاً من العلاقات الطيبة بين البلدين..
< إلى من أتجه لوقف هذه الحملة البغيضة التى تدمر علاقة تاريخية فقد كان الكويت ومازال من أقرب الشعوب العربية للمصريين، وهناك آلاف الأسر الكويتية التى اختارت مصر وطناً هل ألجأ إلى العقلاء من أبناء الشعبين للتصدى لهذه اللعنة، وأين دور الإعلام وفى الكويت صحافة مؤثرة وإعلام مسئول.. إن السكوت على هذه المحنة من التراشق بين أجيال جديدة سوف يضر كثيراً بتاريخ طويل من العلاقات الطيبة أنا لا أتصور ألا أسمع صوت الأقلام الكويتية المؤثرة أحمد الجار الله ومحمد الرميحى وخليفة الوقيان والشاعرة د. سعاد الصباح نحن فى حاجة إلى وقفة لمواجهة هذا الشطط وهذا الجنون على مواقع التخريب الاجتماعي.
< لا يمكن أن نتجاهل دور الأمن فى البلدين من أجل التنسيق لمواجهة هذه التجاوزات من خلال المتابعة ولا أقول الرقابة يستطيع الأمن أن يضع نهاية لهذه المهاترات إما أن نترك فريقاً من المغامرين المرضى يفسد العلاقات بين شعبين شقيقين فهذه كارثة كبري.. إذا كانت هناك أمور وأشياء معلقة بين الدولتين فإن المسئولين أولى بحلها ولا يمكن أن يكون البديل هذا الإسفاف وهذا الترخص لأن الشعب المصرى يقدر الكويت أهلاً وتاريخاً ومكانة..

ويبقى الشعر

عودُوا إلى مصْر ماءُ النـِّيل يكفينـَا
منذ ارتحلتمْ وحزنُ النهْر يُدْمينــــا
أيْن النخيلُ التى كانتْ تظللـَنــــــــا
ويرْتمى غصْنـُها شوقـًا ويسقينـَا؟
أين الطيورٌ التى كانتْ تعانقـُنــــــا
وينتشى صوْتـُها عشقـَا وَيشجينا؟
أين الرُّبوعُ التى ضمَّتْ مواجعَنـَـا
وأرقتْ عيْنها سُهْدًا لتحْمينـــَــــا ؟
أين المياهُ التى كانتْ تسامرُنــــَــا
كالخمْر تسْرى فتـُشْجينا أغانينـَا ؟
أينَ المواويلُ ؟..كم كانتْ تشاطرُنـَا
حُزنَ الليالـى وفى دفْءٍ تواسينـَـــا
أين الزمـــــــانُ الذى عشْناه أغنية
فعانــقَ الدهـْــرُ فى ودٍّ أمانينـــَـــــا
هلْ هانتِ الأرضُ أم هانتْ عزائمنـَا
أم أصبـحَ الحلمُ أكفانـًا تغطـِّينــــــــَا
جئنا لليلـــــــى .. وقلنا إنَّ فى يدهَا
سرَّ الحيَاة فدسَّتْ سمَّهــــــــا فينـــَا
فى حضْن ليلى رأينا المْوت يسكنـُنـَا
ما أتعسَ العُمْرَ .. كيف الموتُ يُحْيينا
كلُّ الجراح التى أدمتْ جوانحَنـــــَــا
وَمزقتْ شمْـلنـــا كانتْ بأيدينــــــــــَـا
عودوا إلى مصْر فالطوفانُ يتبعكـُــمْ
وَصرخة ُ الغدْر نارٌ فى مآقينـــــــَــا
منذ اتجهْنا إلى الدُّولار نعبــــُــــــدُهُ
ضاقتْ بنا الأرضُ واســودتْ ليالينــَا
لن ينبتَ النفط ُ أشجارًا تظللنـــــــَـا
ولن تصيرَ حقولُ القار .. ياسْمينــَا
عودوا إلى مصْرَ فالدولارُ ضيَّعنــَا
إن شاء يُضحكـُنا .. إن شــاءَ يبكينـَـا
فى رحلةِ العمْر بعضُ النـَّار يحْرقنا
وبعضُهَا فى ظلام العُمْر يهْدينـــــــَا
يومًا بنيتمْ من الأمجَـــــــاد مُعجزة ً
فكيفَ صارَ الزَّمانُ الخصْبُ..عنينا؟
فى موْكبِ المجْد ماضينا يطاردنـــَا
مهْما نجافيهِ يأبى أن يجَافينــــــــــَـا
ركبُ الليالى مَضَى منـــــــا بلا عَدَدِ
لم يبق منه سوى وهم يمنينـــــــــَا
عارٌ علينا إذا كانتْ سواعدُنـــــــــَا
قد مسَّها اليأسُ فلنقطـعْ أيادينــــــَا
يا عاشقَ الأرْض كيفَ النيل تهجُرهُ ؟
لا شىءَ والله غيرُ النيل يغنينـــَـا..
أعطاكَ عُمْرا جميلا ًعشتَ تذكـــرهُ
حتى أتى النفط بالدُّولار يغـْرينـــــَا
عودوا إلى مصْرَ..غوصُوا فى شواطئهَا
فالنيلُ أولى بنا نـُعطيه .. يُعْطينــَـا
فكسْرة ُ الخـُــبْـز بالإخلاص تشبعُنـا
وَقطـْرة ُ الماءِ بالإيمَــــان ترْوينـَـا
عُودُوا إلى النـِّيل عُودُوا كىْ نطهِّـرَهُ
إنْ نقتسِمْ خـُبزهُ بالعدْل .. يكـْفيــنـَا
عُودوا إلى مِصْرَ صَدْرُ الأمِّ يعــرفـُنــــــا
مَهْمَا هَجَرناهٌ.. فى شوْق ٍ يلاقينــَــا
من قصيدة عودوا الى مصر سنة 1977

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]