لولا الرجال الخطأ ما عرفت صديقتي طعم السعادة

3-6-2020 | 21:40

 

صديقة عمرى اسمها صديقة، رسًامة مبدعة لا تنتمى لأى مدرسة فى الرسم، لا يرى لوحاتها أحد، لا تحت الاعلام، ولا فوق الاعلام، تقول إن الشُهرة مرض عضال، تحول الانسان الى سلعة أو تابع للذوق العام ورضاء الناس، ونقاد الفن فى نظرها طبقة طفيلية، ووسطاء بين الفن والناس، وأوصياء على التذوق، محبوسين داخل نظريات جامدة فى الكتب، أسرى مزاجهم الفنى، وطباعهم وذكريات طفولتهم وميولهم السياسية.

ولذلك لم تعرض صديقتى لوحاتها فى مكان عام، ولم تأتها الرغبة فى الاشتراك فى المعارض محلية أو عالمية . تقول إن المعارض تنتهك ذوقها واحساسها وخصوصية مشاعرها التى امتزجت بالألوان والخيال. أحيانا أخالفها الرأى، لكننى لا أحاول تغيير أفكارها، فصداقتنا منذ بدأت منذ عدة سنوات طويلة، قائمة ومستمرة على الحرية. هى حرة فى أسلوب حياتها وقناعاتها التى تؤمن بها، وأنا كذلك. لم تفرض رأيها فيما يخص كتاباتى، فلماذا أفرض رأيى فيما يخص لوحاتها؟.

تقول صديقة صديقة العمر، إن هروبها من الأضواء، ليس من قبيل حب العزلة. لكنها تقول: لا يحرق اللوحة مثل الضوء. يتهمها الناس بالجنون، والنقاد فى مقدمتهم. لكنها فى نظرى أعقل العقلاء، لا تختلف عن المجانين فى شيء، الا أنها ليست مجنونة .

بلغت صديقتى منذ أيام الثمانين من العمر، تمارس رياضة السباحة كل يوم فى الصباح الباكر، تمشى ساعة يوميا، لا تذهب الى أى مكان يستدعى ركوب سيارة، أو حيث يدخن أحدهم سيجارة.

تقاطع الاجتماعات السياسية والأدبية والفنية، ولا تحضر مهرجانات توزيع جوائز العلم والإيمان. كل شىء تريده لا يبعد عن بيتها أكثر من خمسة كيلومترات. النادى الرياضى تذهب اليه سيرا على قدميها، السوبرماركت تحت بيتها، لا تسمح لأحد أن يزورها إلا أنا صديقة عمرها وشقيقتها التى تسكن العمارة المجاورة.

شقيقتها التوأم وُلدت قبلها بسبع دقائق، وكأنما وُلدت قبلها بسبع سنين أو سبعة قرون. بلغت منذ أيام الثمانين من العمر مثل صديقتى، لكنها تجاوزت الشيخوخة، وجهها محفور بالأحزان، وجسدها مترهل بالخمول والكسل، وروحها انتهت قبل أن تبدأ. تبدو صديقتى إلى جوارها، شابة نشيطة، تفيض بالسعادة والإقبال على الحياة.

فى كل مرة أسألها: من أين تأتيك السعادة يا صديقة؟. تطلق ضحكتها الطلقة ترن كالفضة: عاوزة السبب الحقيقى يا نوال؟ .. السبب أننى قابلت الرجل الخطأ فى حياتى، كل منْ قابلتهم لم يكونوا منْ أريد، تعلمت من الخطأ أكثر مما تعلمت من الصواب، تعلمت من سوء الحظ وسوء الاختيار وسوء ما جلبته الأقدار، تعلمت من الخطيئة أكثر مما تعلمت من الفضيلة ، أصبحت أخطائى مقدسة. قلت: أصبحت أخطائى مقدسة، عنوان رائع لروايتى الجديدة، سأجعلك بطلة الرواية يا صديقة.

قالت: لا أحب كلمة بطل أو بطلة، الأبطال مقدسون لا يخطئون، معقمون مثل مشرط الجراحة، ان لم تقدسى أخطائى لن تدخل روايتك التاريخ، لن يلعنها نقاد الأدب والفن، لن يشتمها الأوصياء على الدين و الفضيلة ، لن تُصادر من البيوت والأرصفة، لن يُحاكم الناشر الذى تحمس لنشرها، لن يحرقوها بالجاز والبنزين، لن يطالبوا بهدر دمك، ولن يعلنوا أنك فاسقة محرضة على الرذيلة وعلى فجور النساء وعلى افساد الشباب، ولن توضعى فى القائمة السوداء المعتدية على العادات والتقاليد ، لن يكتب عنها النقاد، وفى المناسبات الأدبية والمهرجانات لن تنال روايتك الجائزة. فماذا تريدين لروايتك؟ البقاء أو رضا النقاد والمجتمع؟. أسألها: وماذا تريدين أنتِ بلوحاتك؟.

قالت: أريد تجسيد أخطائى، المحلقة فى سماء حياتى، لا أريد أن أكون مثل الآخرين من نساء ورجال الذين ينكرون أخطاءهم، يكذبون، يلبسون أقنعة العفة و الفضيلة وهم مدنسون بالخطايا، لا أريد أن أهرب من عثراتى، لا أريد أن أجمل وجهى وأزيل عنه التجاعيد والكرمشة والخطوط، لا أريد لأحد أن يسامحنى ويصفح عنى ويحكم على أخطائى.. منْ يملك حق التسامح والصفح والحكم؟.. لم أتعلم من الكتب والتعليم والمواعظ والأوامر والنواهى والخوف من العقاب، تعلمت من تكرار الخطأ.. الخطأ يا نوال هو أستاذى المقدس.. ألا يقولون منْ علمنى حرفا صرت له عبدا؟... هذا المثل لا أحبه يا صديقتى، يشتمل على كلمة عبد ، وأنا أكره العبيد وكل مشتقات العبودية. ثم ضحكت صديقة العمر وقالت: لم أصبح عبدة لأخطائى ولا أميل أيضا الى تقديسها، مجرد الاعتراف بها واحترامها.

علينا إذن يا نوال يا صديقتى، أن نغير أيضا اللغة والأمثال الموروثة ونقول: منْ علمنى حرفا صرت له صديقا أو صديقة. تركت صديقة العمر وفى خيالها لوحة جديدة تتشكل، وتبقى مثل جميع اللوحات بعيدة عن الأضواء، فلا يحرق اللوحة مثل الضوء.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

التعددية الجنسية للرجال والعدالة

التعددية الجنسية للرجال والعدالة

الشعب التونسى الحامي للثورة

الشعب التونسى الحامي للثورة

الختان ليس من الدين

استيقظت ذات صباح منذ أيام، على جريمة أخرى فى حق الطفلة الأنثى، الجانى هو الأب، بالاتفاق مع أحد الأطباء، والضحية ليست واحدة وانما ثلاثة أطفال، لا يملكن شيئا إلا طاعة ولى أمرهن، والثقة فى كلامه، وتصرفاته.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]