"لن يغفر التاريخ لمن حرموه الحرية".. حكاية ناظم حكمت الذي عانى في السجن "سنين" لمعارضته النظام التركي

3-6-2020 | 23:03

ناظم حكمت

 

منة الله الأبيض

السجن أو النفي أو أية عقوبات سالبة للحرية أو الحياة، هي الضريبة التي يدفعها المثقف طالما أنه قرر أن يفكر ويكتب ضد التيار السائد في مرحلته وظرفه التاريخي، والشاعر التركي الشهير ناظم حكمت (15 يناير 1902 – 3 يونيو 1963"، هو أحد أبرز الشعراء والمبدعين الأتراك الذين لم تسير حياتهم على وتيرة واحدة، فقد ذاق الغربة والسجن والنفي بسبب أرائه السياسية ومعارضة النظام في تركيا آنذاك، وتحل ذكرى رحيله عن عالمنا اليوم الأربعاء 3 يونيو حيث دُفن في موسكو بعد أن نفى من تركيا .


عاش ناظم حكمت حوالي 61 عامًا، وقضى تقريبًا نصف عمره مسجونًا في سجون تركيا ومنفيًا، من حسن الحظ أن جزءا من هذه التجربة الثرية في السجن سجلها على فائق برجاوي في كتابه "مع ناظم حكمت في سجنه.. مذكرات لبناني زامل الشاعر في سجن البورصة "، وهو كتاب قديم صادر في الثمانينيات كُتب بالفرنسية وعربه زهير السعداوي عن دار ابن خالدون، هذا الكتاب رغم صغر حجمه إلا أنه يسجل فترة مهمة في حياة الشاعر الراحل خلال الفترة من 1934 إلى 1938، وهي الفترة التي لم ينتبه إليها الباحثون في سيرته كثيرًا.

أهمية هذا الكتاب الذي سجل محطات ناظم حكمت أنه كُتب من قلب الحدث، من داخل الزنزانة، يحكي "برجاوي" وهو المؤلف اللبناني محطات إنسانية جدًا، تضم هواجس، ومواقف، ونوادر، وأفكار متناثرة ومنتظمة، ورغبات ناظم، حتى عشقه للسجائر والتدخين، وكان هذا أندر ما سجله، إذ تحدث المؤلف زميل ناظم في السجن عن أن توفير السجائر كانت المشكلة الأكبر في هذه المحنة، فدرج ناظم على شراء أربع علب سجائر يوميًا يوزع منها 5 سجائر على كل مدخن ويتبقي له النصيب الأكبر.

إذ كان يعتبر ناظم الذي يدخن "الغليون" ويعبئه بالتبغ المهدى له من المخرج الشهير أرطغرل محسن أو والدته السيدة جليلة خانم، أن التدخين معينًا له على كتابه شعره الشجي الذي ينسل إلى القلب والروح، حاملًا معه دفء العاطفة وحرارة الوجدان، هكذا تحدث ناظم حكمت عن السجائر كأنه يتحدث عن حبيبته بيريه.

وبيريه هي أول امرأة أحبها ناظم وتعلق بها أشد تعلق، كان ناظم متيمًا بها، يحن إليها دومًا، يفكر فيها فلا يفتر تفكيره، وقد أشار إليها في إحدى أشعاره وقال "إنها امرأتي عسلية العينين، نارية الشعر والجدائل..".

كتاب برجاوي لم يكن الوحيد الذي يكشف الوجه الإنساني ل ناظم حكمت في السجن لكنه الأول، حيث صدر مؤخرًاعن دار المتوسط بإيطاليا، الترجمة العربية لكتاب "ثلاثة سنوات ونصف مع ناظم حكمت " للشاعر التركي أورهان كمال، زميل ناظم في السجن أيضًا في الأربعينيات في سجن البورصة .

كان الزميل اللبناني مسجونًا في إحدى قضايا الحق العام، و ناظم حكمت ورفاقه من المعتقلين السياسيين، وبحسب النظام التركي كان هناك طوابق في السجون بحسب نوع القضية، ولما عرف "برجاوي" بوجود ناظم ضمن المسجونين في الطابق الثالث، طلب نقله، والفعل نقل إلي جواره ليكون المسجون رقم 35 ضمن المسجونين سياسيا، إذ قرأ له وعرفه برجاوي قبل أن يراه.

كانت حياة ناظم ورفاقه حياة واحدة، كانت أكثر النفقات من إيراد حقوق المؤلف الذي يتقاضاه ناظم، لم تكن هناك موارد أخرى تسد حاجات المجموعة التي تضم الشاعر الفتى نائل، ومعلم الخراطة أحمد، والبلغاري غوريتش، وعلي غالب من ديار بكر السورية، سوى ناظم ذي الأصول الأرستقراطية والعائلة الثرية.

بجانب توزيع مهام الطعام والترتيب والتنظيف، ثمة فقرات تعليمية ودراسية يرتبها ناظم ويشرف عليها في التاريخ واللغة التركية وتاريخ تحرير تركيا وواقع الحركات العمالية في تركيا والعالم وكذلك في تاريخ الحركة النقابية.

كتب ناظم مسرحيته المهمة "الإنسان المنسي" خلال هذه الفترة، وهي المسرحية التي أخرجها وعرضها المخرج أرطغرول محسن عام ١٩٣٥، وكان في الوقت نفسه ينصرف إلى موضوع يشبه "القصة العلمية المستقبلية" استلهم موضوعها من الفيلم الشهير آنذاك "متروبوليس" وتقع أحداث القصة في بلد شيد تحت سطح الأرض، لا تصله أشعة الشمس بل يستضيء بنور الكهرباء الذي تستغله شركة تزعم أن الكهرباء هي المصدر الوحيد للإنارة وأن الشمس أسطورة من نسج الخيال.

كان ناظم يعمل على كتابة هذه القصة باهتمام، لكنه حين ينصرف منها إلى المسرحية، يصب جهده كله على كتابه فصول "الإنسان المنسي" التي كان يمليها على برجاوي.

يتحدث حسن برجاوي الرفيق اللبناني عن تجربته مع ناظم حكمت ويقول "كان ناظم يعمل ويبذل قصارى جهده، كان همه أن يخرج من السجن حاملًا زادًا أدبيًا غنيًا، ليعوض به عما هدر من وقت في أيام الاعتقال".

ويرى أن الفترة التي أمضاها مع ناظم في السجن تعلم منها الكثير وأفادته، كان كثير الألفة وخالص الود والوفاء، وبفضل ناظم استطاع برجاوي أن ينشر قصصه ويكمل دراسته.

وقال "لن يغفر التاريخ لهؤلاء الذين حرموه من الحرية، وحدوا منها ومن نشاطه الخلاق طول خمسة عشر عاما، قضاها متنقلا من سجن إلى سجن في ملابسات أكثر ما تكون هولا وشقاء ومعاناة".

[x]