صعود الصين

3-6-2020 | 18:26

 

يكتب التاريخ بأكثر من طريقة، الشائعة التى تركز على الأحداث الكبرى من حروب وثورات، والشخصيات الكبيرة من الرسل والأنبياء والأبطال والخونة، وأفكار وفلسفات إنسانية عظيمة ونبيلة ورجعية، وتشكيلات من الحضارات الكبري، وهكذا أمور انطلقت فيها البشرية إلى الأمام حينا، وتراجعت فى أحيان أخري، ولكنها فى كل الأحوال تتقدم إلى الأمام. ولكن التاريخ أحيانا ينظر له من زاوية أخرى كتلك التى نظر بها كتاب قرأته عام 2014 كيف جئنا إلى الآن أو How We Got to Now الذى ألفه ستيفن جونسون.


واختار المؤلف طريقا غير تقليدى لرسم هذا الطريق من خلال متابعة ستة أمور: الزجاج، البرودة، الصوت، النظافة، الزمن، الضوء؛ وخلص منها جميعا إلى أن مسيرة التطور أو ما سماه مسافرى الزمن Time Travelers حققوا ما حققوه من خلال طريقين: الأول الذى جاء من ذلك التراكم البطيء من إنجاز هنا وتطور هناك حتى يأتى من يجمع هذه التطورات كلها فى قفزة جديدة للإنسانية؛ والثانى الاختراع والابتكار والإبداع على طريقة وجدتها ـ يوريكا ـ الذائع ساعة الوصول إلى واحدة من أسرار الكون. أخيرا دخلت نتفليكس الشبكة الدولية للأفلام والمسلسلات والوثائقيات، إلى التاريخ من زاوية المحركات الكبرى التى تلقى بتأثيراتها على عالمنا المعاصر.

أخذت الشركة أمثلة أخرى بادئة من ظاهرة الطعام السريع أو الغذاء الفورى وباختصار ما هو معروف باسم Fast Food، ثم تدلف إلى الذهاب إلى الفضاء خارج الكرة للأرضية، ومن بعدها البلاستيك الذى لم يكن موجودا فى الطبيعة من قبل، وإنما تم تركيبه من قبل الإنسان، وارتفاع شأن الصين فى العالم وفى العلاقات الدولية، والنفط وما أثر به فى العالم والشرق الأوسط، و الروبوت الذى هو نتيجة للتاريخ العالمى السابق، ولكن المرجح أنه سوف يكون عنوانا للتاريخ الإنسانى القادم.

اختيار الصين ضمن هذه الحزمة ليس مفاجأة لأنه منذ بداية أزمة الكورونا الراهنة والعالم كله يترقب حال الصين لأنها فى هذه المرة يلتقى لديها الحالة الشائعة فى فهم التاريخ على أنه يدور حول صعود وزوال الأمم العظمي؛ كما أنه فى ذات الوقت يمثل ظاهرة كبرى لا تمس الصين يين وحدهم وإنما العالم كله. وللحق كانت الصين واقعة تحت مجهر المتابعة التاريخية من قبل المؤرخين وعلماء السياسة، وعندما كتب عالم السياسة فى هارفارد جراهام أليسون عن عقدة ثيوسيددس مسترجعا كتاب الهلينى ثيوسيددس عن حرب البلوبنيز بين أثينا واسبرطة وذكر فيه أن سبب الحرب كان صعود قوة أثينا ومن ثم سعت الثانية لإحباطها؛ فإن أليسون كان يشير إلى الصين فى واقعنا المعاصر، ولكن نصيحته لم تكن الحرب وإنما توزيع مناطق النفوذ بين واشنطن وبكين.

الصين هذه المرة لا تظهر فى التاريخ المعاصر بالطريقة التقليدية وكيف تتصرف معها باقى دول العالم وفى مقدمتها القوى الكبرى والعظمي، وإنما كظاهرة مركبة تتمدد تأثيراتها فى العالم بوسائل متعددة كقوة عسكرية واقتصادية نعم، ولكنها أيضا قوة تكنولوجية مشروعها العالمى هو بناء البنية الأساسية للاتصالات والمواصلات الإنسانية من خلال مبادرة الحزام والطريق.

الصين لا تحمل القانون الذى حمله الرومان، ولا الليبرالية والرأسمالية التى حملها الأنجلو ساكسون، ولا الاشتراكية التى حملها السوفيت، الصين تريد أن تكون فى آن واحد المملكة الوسطى التى يأتى لها العالم بحثا عن الصناعات الوسيطة والمتقدمة، بينما هى لا تتوسع إلا من خلال جزر صناعية فى بحر الصين الجنوبى لا يعرف أحد كيف يقنن السيادة عليها فى إطار القانون الدولي. كيف وصلت الصين إلى ذلك، تلك هى المسألة والعقدة؟ من ناحية التقاليد العالمية التاريخية فإن الصين الشيوعية خرجت إلى الوجود وقد اقتطع منها: تايوان، وهونج كونج، ومكاو.

كانت هذه أراضى مغتصبة بالتعبيرات الشرق أوسطية لم تتنازل عنها الصين ، ولكنها حتى فى عهد ماوتسى تونج لم تدخل الصين حربا بشأنها. ومنذ عام 1978 ومع قيادة دينج هيتساو بينج دخلت الصين فى مرحلة من الكمون الاستراتيجى جوهرها الأولوية المطلقة لعملية البناء الداخلي، وحرص الزعماء فى الدولة الصين ية على مقاومة أمرين بشدة: أولهما أن الصين دولة متقدمة، فكان الإصرار على أنها دولة من دول العالم الثالث الفقيرة التى ينبغى معاملتها فى المحافل الاقتصادية الدولية على هذا الأساس؛ وثانيهما أن الصين لا تسعى إلى أن تكون قوة عظمي؛ ورغم مشكلاتها الإقليمية الكثيرة فإنها تسعي، وبكرم، لحلها بالطرق السلمية كما فعلت مع قضايا هونج كونج ومكاو وتايوان ومشكلات الحدود والنزاعات على الجزر.

قبلت الصين أن تقوم دولة صينية بنظامين، واحد منها يقوم على حكم الحزب الشيوعي، والآخر على الديمقراطية الغربية. وحتى وقت قريب كان من النادر فى الصين الحديث لا عن الدور الإقليمى للصين، ولا عن الدور العالمي؛ ولا تستخدم الصين حق الفيتو ، وإنما تمتنع عن التصويت فى مجلس الأمن إلا فى القضايا التى تهم الصين مباشرة. والملاحظ أن موقف الصين من الوجود الأمريكى المباشر فى أفغانستان المجاورة للحدود الصين ية كان مرحبا لأنه لمواجهة الجماعات الإرهابية. كانت الولايات المتحدة فى الحقيقة تحارب، فيما بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001، بالوكالة عن الصين !

وأكثر من ذلك كانت الصين تحصل، وفى المتوسط، على قرابة 40% من رءوس الأموال الغربية المستثمرة فى العالم الثالث كله. ما عرضته نتفليكس هو مسيرة الصعود الصين ى خلال العقود الأربعة الماضية، وكيف تمددت المناطق الست الاقتصادية الحرة إلى بقية الصين ، وكيف انتقلت الصين بمعاونة الشركات الغربية متعددة الجنسيات إلى قوة تكنولوجية صاعدة، وفى عام 2025 سوف يكون الناتج المحلى الإجمالى للصين مماثلا لذلك الأمريكي. وفى الظن أن ذلك حادث الآن على الأقل إذا ما حسب الناتج على أساس القدرة الشرائية للدولار. الكورونا ربما أثرت سلبيا على السمعة الصين ية من ناحية منشأ الفيروس، ولكنها من جانب آخر أثرت إيجابيا على سمعتها من حيث طريقة تناولها للجائحة. الصين كانت أول الدول المصابة، ولكنها كانت أول من خرج منها.

نقلا عن صحيفة الأهرام

[x]