العولمة بعد كورونا

1-6-2020 | 15:55

 

كثيرة هى الأمراض التى تسببت فى أوبئة وجوائح عبر التاريخ. المرض الناتج عن فيروس كورونا المستجد ليس أولها. ولم تكن هناك عولمة، بالمعنى الذى نعرفه اليوم، عندما عانى العالم على سبيل المثال ويلات الطاعون الأسود فى القرن السابع عشر.


كانت تلك هى الموجة الأوسع نطاقا والأشد خطرا من موجات هذا الطاعون، الذى انتشر من شرق آسيا ووسطها إلى أوروبا. وقُل مثل ذلك عن أمراض عدة لعل أشهرها الكوليرا فى القرن التاسع عشر. ولكن يُعتقد فى كثير من الأوساط الشعبية والنخبوية على حد سواء أن هناك علاقة بين تفشى فيروس كورونا و العولمة .

ويفرض شيوع هذا الاعتقاد مناقشة أكثر موضوعية من أى وقت مضى لمفهوم العولمة ، بدءا بضبط هذا المصطلح الذى ارتبط بتحولين كبيرين ومتزامنين تقريبا فى حياة البشر، الأول انتهاء الحرب الباردة وانتصار المعسكر الرأسمالى بمنظومته التى تتضمن حرية تدفق السلع ورءوس الأموال والتجارة الحرة. والثانى ثورة الاتصالات والمعلومات التى غيرت وجه الحياة على الأرض.

وبموجب هذين التحولين، صار العالم أكثر ترابطا وتواصلا، بفعل التطور المهول فى وسائل الاتصال، والاهتمام غير المسبوق بتحرير التجارة. كانت العولمة ، إذن، ومازالت نقلة كبيرة فى حياة البشر، ولكنها لم تأت من فراغ. فقد توسع نطاق التجارة فى العالم تدريجيا، وجابت السفن البحار والمحيطات، وحملت السلع والأفراد والثقافات، وكذلك الأمراض التى تحولت إلى أوبئة وجوائح.

لم تكن هناك طائرات توقفت رحلاتها، ومطارات تُغلق، عندما تفشى الطاعون الأسود و الكوليرا وغيرهما من الأمراض التى انتشرت فى أنحاء العالم. ولكن الطاعون الأسود انتشر فى العالم عن طريق السفن التجارية، التى حملته من الصين وشرق آسيا إلى هولندا ومنها إلى باقى بلدان أوروبا، حسب الاتجاه السائد فى الدراسات الحديثة فى هذا المجال.

لا علاقة ظاهرة، إذن، بين تفشى كورونا و العولمة ، إلا فيما يتعلق بسرعة انتقاله من منطقة إلى أخرى، مقارنة بالأوبئة والجوائح السابقة. وإذا صح ذلك، فالأرجح ألاَ تترك مأساة كورونا أثرا ملموسا فى العولمة التى تمثل مرحلة تطور طبيعى من حيث إن لها مقدماتها التى قادت إليها.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]