الوباء ينحني للبسطاء.. الأكثر أمانا في مواجهة كورونا الأقل حظا في الحياة

31-5-2020 | 23:14

فيروس كورونا

 

أحمد حافظ

لطالما كانت، ومازالت النظرة إلى حياة البسطاء في المجتمع، عنوانها الشفقة والحسرة على أوضاعهم المعيشية، أظهرت جائحة كورونا أن هذه الفئة ربما تكون الأكثر أمانا من غيرها، في عدم إصابة أفرادها بالوباء، بحكم نمطية الحياة التي يعيشوها يوميا، والعادات والتقاليد التي تحكمهم ولو كانت مغايرة لكل التطورات المعاصرة، من حيث التكنولوجيا ووسائل الترفه.


لم تعد حياة المدن والمناطق الحضرية والمترفة بيئة آمنة لأفرادها مهما بلغت عوامل السلامة الصحية التي يجري تطبيقها للوقاية من جائحة كورونا، في حين أن الاقتراب قليلا من حياة الفئات البسيطة، يكفي لاكتشاف أنهم لا يعيرون اهتماما بالفيروس، لأن نمط حياتهم المغلفة بالهدوء والرضا والتباعد الطبيعي أبعدتهم عن المخاطر ورسخت بداخلهم الصلابة النفسية.

يكفي التحدث إلى بعض الفئات التي تعيش على أطراف القرى والنجوع ويسكنون الصحاري والوديان والمناطق الحدودية أو الذين استقرت حياتهم في زوارق نيلية صغيرة، للوقوف على الأمان الذي يعيشون فيها، حيث لا يعرف الخوف إلى قلوبهم طريقا، ولا ترهبهم أعداد الضحايا والمصابين جراء كورونا، بعد أن منحتهم الطبيعة مناعة خاصة وحياة أكثر طمأنينة.


في البيئات البسيطة، لا يلتزم أحد بما يُعرف بالحجر المنزلي لحماية نفسه وأسرته من الإصابة بالفيروس القاتل، فهناك الفلاح الذي يخرج فجر كل يوم ليمارس مهنة الزراعة بأريحية دون اختلاط أو زحام الشوارع كما الحاصل في المدن، ويعود إلى منزله مع غروب الشمس، وهو منهك وينام مبكرا ليعاود نفس العادة في اليوم التالي، ولا تتوقف حياته على مخاوف الاختلاط.


من وسائل تأمين سكان أطراف الريف من الطبقة البسيطة، أن لديهم اكتفاء ذاتي من الطعام، يصنعون غذائهم بأيديهم، ما يغنيهم عن شراء السلع من المحال التجارية، أيّ أنه لا توجد سمة اختلاط مع غرباء، بعكس حياة المدن الذين يضطرون للذهاب إلى المتاجر بشكل دوري، ويحتكون بالمارة في الشوارع المزدحمة، ويستقلون وسائل مواصلات تعج بالمواطنين.


تتيح الحياة الريفية لأفرادها اتخاذ مقاييس الحجر. فالأراضي شاسعة، والمنازل متباعدة إلى حد كبير، فضلا عن المنظر الجمالي الذي يشع التفاؤل ويزيح عن صاحبه الاكتئاب والضغط النفسي والملل، حتى الأطفال والشباب لا يحتاجون إلا ساحات صغيرة لممارسة اللعب واللهو وممارسة الرياضة في أي وقت، وهي مشاهد حُرم منها أغلب سكان المناطق الحضرية والراقية.


إذا جالست أيّ من سكان المدن، تراه يتشدق لنزهة صغيرة وسط الطبيعة الخضراء، واحتساء كوب شاي في الهواء الطلق، لكن بالنظر إلى بساطة الريف، تجد أن الحياة تسير بشكل طبيعي دون منغصات، لا حجرا منزليا، ولا حرمانا من الحركة، فهناك يتناول المزارعون الوجبات الطازجة في الساحات الخضراء، ويتقابلون معا في المساء في جلسات سمر وحكاوي.


يقول عماد سيد أحمد، وهو مزارع يقيم وأسرته على أطراف ريف محافظة البحيرة لـ"بوابة الأهرام"، إن "البسطاء الذين طالما اشتكوا من ظروفهم المعيشية وندرة الخدمات أصبحوا فئات آمنة، فلا اختلاط مع أجانب، ولا غرباء يدخلون مناطقهم كل يوم، وظروفهم المعيشية تفرض عليهم التباعد في السكن".


حسب عماد، فإن الحياة الريفية البسيطة لم يتغير فيها شيئا منذ بداية جائحة كورونا، لأن كل الظروف المعيشية والطبيعة تؤمن السكان من الإصابة بالفيروس، فالفرد الذي ظل لسنوات يعالج نفسه من الأمراض بطرق بدائية، ويداوي جراحه بأقل المستلزمات ثم يستكمل عمله لديه مناعة جسدية صلبة.


لا ينكر أن الكثير من السكان البسطاء في محيط الريف، لا يملكون وسائل الاتصال، حتى التلفاز نفسه، أيّ أن بعضهم لم يسمع عن وباء كورونا إلا من الجيران، ورغم ذلك لم يُصب أيّ منهم بالفيروس ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي، لأن ظروفهم ونمط حياتهم وفرا لهم عوامل الأمان والسلامة، حيث أن يومهم ينحصر من المنزل للحقل، والعكس.


لا يختلف حال البسطاء السعداء في ضواحي الريف، عن سكان الزوارق النيلية الذين استقروا بحياتهم وبرفقتهم أسرهم، داخل قوارب خشبية تطفو فوق سطح الماء، جعلتهم أبعد ما يكونوا عن الإصابة بوباء كورونا، فلا يختلطون سوى بنهر النيل، يسبحون مع التيار أو ضده، ويقضون كامل يومهم في هذا المنزل المتنقل.


دائرة علاقات الأسرة التي تعيش في زورق نيلي، ضيقة للغاية، فهناك تاجر يزورهم على بر النهر ظهر كل يوم، ليشتري الأسماك التي اصطادوها منذ بزوغ الفجر، وبعد الحصول على المال يذهب الأب، أو زوجته، إلى محال بيع السلع الغذائية والخضراوات في عجالة، ويعود إلى زورقه مرة ثانية، للطهي وتناول العشاء وتخلد الأسرة في النوم ثم تستيقظ فجرا لتصطاد.


إذا قادتك الصدفة للتنزه على ضفاف النيل، سوف تجد المئات من الذين يعيشون في زوارق لا تتجاوز مساحتها مترين، هؤلاء يكاد يكونوا منفصلين عن العالم، لكن إذا اقتربت منهم تشعر بأنهم يمتلكون كل مقومات السعادة والتحصين من وباء كورونا، حيث لا علاقة لهم بكل ما يعيش على البر، سوى في شراء الغذاء وبيع الأسماك.

حتى لو كان بمقدورك أن توفر لأحدهم فرصة عمل ليهجر الحياة فوق نهر النيل، يرد بالرفض، لأن هذه الفئة تعايشت مع المياه بشكل يصل حد الإدمان، من كثرة الراحة النفسية وغياب ضغوط الحياة اليومية، فلا مجال للنزاعات والصراعات والضغينة، فهم يعيشون السكون والهدوء طوال الوقت، ولا يختلطون سوى بأقرانهم من ساكني النيل.


وإن كان المواطن العادي الذي يعيش في منتجع سكني فاخر، أو منطقة حضرية، يعاني العزل المنزلي، ولا يستطيع التنزه أو الاجتماع بأصدقائه لفترة قصيرة، فإن سكان الزوارق النيلية، قد يلتقون كل ليلة، للتسامر وتسلية أنفسهم واحتساء الشاي، وشرب النرجيلة (الشيشة)، أيّ أنه من السهل تحوّل القارب إلى مقهى صغير، وهو ما يفتقده أغلب سكان البر.


يتكون المنزل البسيط للأسرة التي تسكن النيل، من زورق صغير مغطى بقطعة من البلاستيك والخيام تحيطه من كل الاتجاهات، و"لمبة" للإنارة توقد بالسولار، وبعض الأطباق البلاستيكية أو النحاسية، وأنبوب غاز صغير مخصص للطهي وإعداد الشاي.


عندما استفسرت "بوابة الأهرام" من سعيد حامد، أحد سكان الزوارق النيلية عن مدى إمكانية إصابته أو أسرته بوباء كورونا، أجاب بأنه عرف عن الفيروس، عندما ذهب قبل شهرين إلى السوق ووجد حالة من الريبة والهلع بين الناس، لكنه رد بتساؤل "ومن أين نُصاب بالوباء أو حتى نعرف عنه.. نحن لا نخلط سوى بمياه النيل الصافية ولا نملك تلفازا؟".


التلقائية التي بدت على كلام سعيد، تبدو استنكارية، لكن بالنظر إلى الواقع والطقوس اليومية التي تفرضها هذه الفئة على حياتها، كفيلة بأن يكونوا محصنين ضد الإصابة بالفيروس، فبأي طريقة ينتقل الوباء إلى أشخاص منعزلين عن كل الكائنات الموجودة على البر، ولا يسافرون إلى محافظاتهم التي هجروها منذ عشرات السنين ولا يختلطون بغيرهم.


يمكن اختصار الحياة الآمنة والطبيعية التي يعيشها سكان الزوارق النيلية في مشهد صغير. إذ يكفي النظر إلى البواخر العائمة والمطاعم السياحية التي ترسو على ضفاف النهر، وأصبح الأغنياء محرومون من زيارتها أو السهر فيها واعتلاء أسطحها لاستنشاق الهواء النقي، في حين أن قاطني القوارب الصغيرة يفعلون كل ذلك، ولكن ببساطة تتناسب مع ظروفهم المادية.


يقول سعيد لـ"بوابة الأهرام"، وهو يبتسم: "وسط حالة الرعب التي يعيشها سكان البر وتطبيق إجراءات الحبس في المنزل على أنفسهم وأسمعها بأذني من التجار، وأحلام الأغنياء بنزهة نيلية ولو على فلوكة (قارب نيلي صغير)، يعيش سكان الزوارق في سعادة ورضا وأمان وراحة بال".


يتذكر رب الأسرة، المكونة من ثلاثة أولاد، أنه في بعض الأحيان كان يحلم بتغيير حياته ليعيش مثل باقي الناس حفاظا على مستقبل أبنائه، لكن مع حالة غياب الأمان على البر، وانتشار الأمراض واستعداد الكثيرين للهروب إلى عالم لا يكون فيه سكان غيرهم، لم يعد يفكر في الأمر، وقرر أن يستقر للأبد في البيئة المائية الخالية من منغصات الحياة البرية.


لا يختلف الأمر كثيرا عند سكان الجزر النيلية الصغيرة، فهذه الفئة تعيش في مكان تحاصره المياه والمناظر الخضراء من كل اتجاه، ويعيشون على صيد الأسماك، لكنهم أفضل حالا بالعيش في بيوت طينية أو خشبية على شاطئ الجزيرة، في حين يعيش سكان النيل في زوراق.


يتشابه سكان الجزر والزوارق، في أنهم مجتمع مغلق على نفسه، نادر التلاحم والاختلاط بالآخرين، فلا يزوره غرباء، ولا ترى فيه مشاهد الزحام والتكدس والفوضى التي تسمح بانتقال العدوى، فمنذ أن يولد الطفل، حتى يكبر ويتزوج، قد لا يخرج من هذه البيئة ليلتحم مع باقي الطبقات في المجتمع، لذلك تراهم أكثر تحصينا في ظل جائحة كورونا.


تبدو الصورة متطابقة إلى حد بعيد في مجتمعات أخرى، فرضت عليها ظروف الحياة والعادات والتقاليد أن تعيش في أمان وطمأنينة مهما بلغت خطورة العدوى. فهناك سكان المناطق الصحراوية والحدودية الذين قضوا سنوات في عُزلة، وحتى عندما انتشر الوباء، لم تتغير أحوالهم، ولم يشعروا بالخطر، لأن بيئتهم الاجتماعية آمنة بالفطرة.


يكفي مطالعة ندرة أعداد المصابين في المناطق الحدودية، لاكتشاف حجم الأمان الذي يعيشون فيه، بحكم الطبيعة الجغرافية والسكن في منازل بسيطة مفتوحة وسط الزراعات والصحاري، ما جعلها بيئة خالية من الأوبئة والتلوث، لا تعيش فيها الفيروسات.


هناك، بعض السكان من قلة الوعي لا يعرفون شيئا عن الجائحة العالمية، فالسيدة السيناوية المنهكة طوال اليوم في مزرعة زيتون مملوكة لها، لا تشغل بالها بما يحاك حول كورونا، فقد لا تمتلك تلفازا من الأساس لتسمع عن الوباء، لكن نمط حياتها البدائية، سهل عليها مهمة المواجهة في بيئة نقية وصافية ونظيفة لا تشكل بؤرة للعدوى.

يتطابق المشهد ذاته، في مجتمع آخر مثل الواحات البحرية، حيث يعيش السكان حياة تقليدية لأقصى درجة، ويقول أمجد عيسى، وهو صاحب مزرعة نخيل لـ"بوابة الأهرام"، إن الفارق في هذا المكان، أن أغلب الشباب متعلم ولديه وعي، لكن العبرة بالطبيعة والبساطة وعدم التكدس السكاني أو الاختلاط بالآخرين وتباعد البنايات عن بعضها".


يضيف هذا الأربعيني، أن الحياة في الواحات قد تكون فوق جبال، أو بين زراعات، ما يجعل البيئة نقية بالفطرة، والناس يشعرون براحة نفسية رغم بساطة حياتهم، لا يحتاج الفرد سوى توفير لقمة العيش لأسرته، وإذا تحقق ذلك، فإنه ينام مرتاح البال.


لا يفكر رب الأسرة كثيرا في الغنى أو الثراء، بقدر ما يبحث عن الستر وحصانة الجسد من الأمراض، لذلك ترى آبار المياه الطبيعية التي تخرج من باطن الأرض ودرجة حرارتها مرتفعة للغاية، مصدر شفاء من غالبية الأمراض وكانت مقصدا لكثير من الزائرين المحليين والأوروبيين، ويقول "البساطة ليست دائما مصدر تعاسة، وغالبا ما تكون مبعثا للسعادة والأمان النفسي".


لا ينكر عماد، ابن ريف البحيرة، وأمجد ابن الواحات، أن الكثير من أبناء المناطق المهمشة الذين هاجروا للمدن منذ سنوات للاستقرار فيها، قرروا العودة لحياة البساطة حتى زوال جائحة كورونا، بعدما وجدوا فيها الملاذ الآمن والبيئة الصحية الخالية من العدوى بعيدا عن زحام وفوضى الحضر.


علميا، قالت الدكتورة داليا سعد المتخصصة في الأمراض المعدية، إن أيّ نمط حياة بعيد عن الزحام والتكدس والاختلاط العشوائي، كفيل بحماية الأفراد من انتقال الأوبئة، حتى لو كانت ظروف المعيشة محاطة بالتقليدية والبدائية، ما يعني أن هذه البيئات أكثر أمانا لسكانها.


أضافت في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، أن الوباء وإن كانت ينتشر في الهواء وعلى الأسطح وينتقل بالاختلاط، فإن نقاء الطبيعة ووجود تباعد اجتماعي بالفطرة في البيئات البسيطة، يجعل أفرادها أقل عُرضة، والأهم أن ظروف الحياة منحت أجسادهم مناعة صلبة تجعلهم أكثر مقاومة للعدوى وكأن الطبيعة تنتصر لهم وتكافئهم على صبرهم وتحملهم قسوة الحياة.

مادة إعلانية

[x]