كورونا والغواية إلى سكة الخطر

31-5-2020 | 17:23

 
طبيعى أن تسرى حالة من القلق بين قطاعات عريضة من المجتمع المصري، بعد أن تجاوز عدد الإصابات بفيروس كورونا الجديد رقم العشرين ألف مريض، لاسيما أن الدكتور محمد عوض تاج الدين مستشار رئيس الجمهورية لشئون الصحة قال إن ذروة الإصابات لم تصل بعد، ويتوقع حدوثها بعد 12 يوما من الآن.

وبات السؤال الذى يشغل بال المصريين: هل دخلنا دائرة الخطر؟ صحيح أن رقم العشرين ألفا أو الأربعين ألفا المتوقعة للذروة على منتصف يونيو ليس ضخما مقارنة بما حدث فى دول العالم التى يزيد عدد سكانها على مئة مليون نسمة، لكن القلق يتصاعد أكثر، خصوصا أن ما يتراوح ما بين 3 إلى 5 ملايين مصرى انتقلوا بين المحافظات المصرية قبل إجازة عيد الفطر لزيارة عائلاتهم فى قراهم الأم، وهم من العاملين فى القاهرة والإسكندرية والمدن الكبرى، ولا يستطيع كائن أن يتنبأ بما حدث لهم ومعهم فى تلك الإجازة.

وقد حدث أن لى أختا وحيدة تعيش فى مدينة الباجور بالمنوفية، ومرضت مرضا شديدا، ولم يكن ممكنا عدم زيارتها، ولبست كمامتى وسافرت، مررت بأربعة أحياء فى القاهرة، ولم أعثر على سائق ميكروباص واحد لابس كمامة، وإن وجدت ما بين راكبين إلى ثلاثة فقط ملتزمين بإجراءات الحماية لأنفسهم، وطبعا من المستحيل العثور على سائق توكوتوك بكمامة، بل إن نصف أصحاب السيارات الخاصة يضربون عرض الحائط بالتعليمات الصحية، خاصة الشباب. ولمسافة ستين كيلومترا، قلة نادرة بكمامات، وكثرة تتصرف كأن الجو بديع والدنيا ربيع ولا فيروس لعين مفترس يطاردنا، وحَوَلَّ الكرة الأرضية إلى سجن اختيارى حبس ما يقرب من ثلاثة مليارات نسمة أنفسهم داخل بيوتهم لا يخرجون منها إلا للضرورة، أخيرا اكتشف البشر شيئا حقيرا للغاية، لا هو كائن حى ولا جماد تام، حلقة وسطى بينهما، مجرد حمض نووى متناهى الصغر له غلاف بروتيني، لا يعمل إلا داخل خلية حية، يمكن أن يعطل كوكب الأرض، طائرات وقطارات ومصانع وشركات ومعامل وفنادق، ولا تستطيع كل اكتشافات الإنسان المبهرة من قنابل ذرية وبشر آليين وعقول إلكترونية وطائرات شبحية ورادارات جهنمية وأشعة ليزر وأنظمة دفاع كونية و...و...و...أن تصده أو تمنعه من حبس أهل الأرض داخل اختراعاتهم. كانت هذه الأفكار تلح على رأسى خلال سفري، واتعجب من هؤلاء المصريين الذين يقفون بجهالة وغباء مقصود فى وجه الفيروس دون حصانة منه، تتحرك الناس فى شوارع المدينة عادى جدا، صحيح أن الحركة محدودة للغاية، لأن الحكومة أغلقت المحال بالإكراه، فلم يعد للنزول وجاهة، لكن حتى الذين ينزلون لقضاء حوائجهم لا يكترثون بالكمامات، ولكن للأمانة صادفت ثلاثة مكممين، رجلا ثم امرأة وبنتها الشابة. هل هذا معقول؟ لماذا نصر على الوقوع فى دوائر الخطر؟ هل هناك ما هو أسوأ من المرض؟ وعدت من الباجور وقمت فى اليوم التالى بجولة فى بعض الأحياء الشعبية والعشوائيات، يا للمصيبة، أكيد هذه المناطق لم يصل إليها خبر فيروس كورونا، او أن الفيروس نفسه حين اقترب منها، دار دورتين حول نفسه وسقط مغشيا عليه من فرط استهتار الناس به، وربما أضمر شرا مستطيرا، بأن فرش لهم طريق الغواية إلى نهايته، لينقض عليهم زرافات زرافات. شيء ما خطأ، أقصد مصيبة لو لم نحتط لهذا، فنحن جميعا أشبه بركاب سفينة واحدة مهما تعددت درجاتها، وثقافات أهلها، ومراكزهم الاجتماعية، فنحن نتعامل مع بعضنا البعض بطريقة أو بأخري، والذى يهمل يمكن أن يصيب أشد الناس حرصا وأكثرهم تمسكا بالإجراءات الصحية السليمة، كما يحدث مع الأطباء العظام الذين يتعاملون مع مرضى »كوفيد ـ 19«. هنا يأتى دور الدولة، والدولة هى نحن جميعا، سلطة وناس، السلطة عليها أن تطارد بقسوة وشدة كل من لا يلتزم بالكمامة والتطهير، لكن عليها قبل أن تفعل ذلك أن توفر كل وسائل الحماية بأسعار هينة جدا، فالدعم هنا مهما بلغ قيمته هو أقل مئة مرة من أى خسائر محتملة لو أهملنا وتقاعسنا عن مطاردة هذا الفيروس. أولا: لا أستطيع أن أفهم حكاية الغرامة أم أربعة آلاف جنيه لمن لا يرتدى الكمامة، هذه عقوبة غير قابلة للتنفيذ، فأى قانون يصدر أهم ما فيه هو سهولة تطبيقه على المواطنين، وسؤالي: كم مواطنا يمكن ضبطه لعدم لبسه كمامة يوميا؟، وكم مواطنا من المقبوض عليهم يمكن أن يدفع الغرامة الباهظة؟، وهل سنودع الممتنعين بغير كمامات فى الحجز أو السجن؟

قطعا لو الغرامة ما بين خمسين إلى مائة وخمسين جنيها فورية حسب المكان والظروف ستكون أكثر فاعلية من الأربعة آلاف جنيه المستحيلة على 80% من الشعب، وسوف يختفى من شوارعنا الناس المستهترة.

ثانيا: قبل الغرامة علينا أن نوفر الكمامات، بسعر جنيه واحد للكمامة لركاب المترو والأتوبيسات العامة والميكروباصات والتوكتوك، حتى لا تتحمل ميزانيات الأسر ذات الدخل المحدود أعباء لا تقدر عليها، خاصة أن النشاط الاقتصادى يعمل بأقل من نصف طاقته، لأن الكمامة مشوار واحد، يعنى لو الفرد الواحد يعمل ستين مشوارا فى الشهر يكفيه ستين جنيها إضافيا، وفارق السعر لمصلحة مصر إذا دفعته من جيبها العام، حتى نمر من هذه الأزمة.

تبقى كلمة للصائدين فى الماء العكر وعليهم اللعنة وفى مقدمتهم أعضاء جماعة الإخوان المتنكرون، ومنهم الطبيب الذى قدم استقالته وختمها بعبارة إخوانية شهيرة، وعند الله تجتمع الخصوم، وهى عبارة وردت على لسان هشام عشماوى أكثر من عشر مرات فى مسلسل الاختيار، وهى شطر من بيت شعر كتبه الإمام على بن ابي طالب فى قصيدة مطلعها ( أما والله أن الظلم شؤم) من بحر الوافر قافية الميم، ولا أظنه يعرف هذه المعلومات ولكنه يتبع مرشده.

وكذلك الطبيبة التى مازالت تولول وتصرخ على صفحات التواصل الاجتماعى ولها تعليقات سابقة صارخة مثل (الإخوان ليسوا إرهابيين، اللحية والنقاب من الإسلام وليس من الإرهاب). نحن نحارب عدوا شرسا ، فيروس كورونا والذين معه.

مقالات اخري للكاتب

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

عالم الأقنعة والأكاذيب المريحة

هل يمكن أن يعيش إنسان حياته دون أن يخرج من بيته؟ لا تتسرع في الإجابة، انظر حولك، تمعن في كل ما يحيط بك، أسأل نفسك عن كل شيء تفعله أو تحلم به أو تتمناه، ثم أجب.

درس صعب فى أزمة مصنوعة

درس صعب فى أزمة مصنوعة

تصريح جورباتشوف والسؤال الخيالى

تصريح جورباتشوف والسؤال الخيالى

الأكثر قراءة

[x]