دفاعًا عن العقلانية ــ1

31-5-2020 | 17:12

 

لا يزال مستقرًا فى وعيى أن الحداثة والتحديث والعقلانية والحرية هى طرق المستقبل فى حياتنا. ولا فارق بين الحداثة والتحديث إلا فى أن الكلمة الأولى تشير إلى الجانب الفكرى والمعنوي، بينما التحديث يشير إلى الجانب المادى من الفعل الشامل لتغيير المجتمع وتطويره. أما العقلانية فهى الوعى الذى يحرك الحداثة والتحديث فى كل مستوياتهما وعلاقاتهما على السواء. ولا يكتمل له ذلك إلا فى مناخ من الحرية التى تفتح أمام العقل كل أبواب الاجتهاد دون خوف من الخطأ أو القمع المعرفى أو السياسى أو الديني.


ولذلك فلا حداثة ولا تحديث دون شيوع الفكر العقلانى الحر فى المجتمع وأولويته فى العقل الجمعى الذى يفكر فى المستقبل. ولهذا اخترتُ أن أكون ناقدًا عقلانيًّا منذ أن كتبتُ كتابى الأول فى مجالات النقد الأدبي ، ومضيتُ فى هذا الطريق إلى أن جاءت السبعينيات التى أشعرتنى بحاجتنا الشديدة إلى العقلانية وإلى التمسك بها كالحرية سواء بسواء. ومن حُسن الحظ أننى تأثرتُ ب الفكر العقلانى للمعتزلة فى القرن الثالث للهجرة، قبل أن أتأثر بالفكر الرُّشدى ( ابن رشد ) فى القرن السادس للهجرة الذى جاء بعد تحول الفكر الكلامى إلى فلسفة خالصة.

والحق أننى لم أتخيل فارقًا كبيرًا بين عقلانية الاعتزال عند ازدهاره فى القرن الثالث للهجرة، وعقلانية ابن رشد قُرب مغيب التيار العقلانى عن الفلسفة العربية فى القرن السادس للهجرة. ولا أزال أرى أن الجانب المزدهر فى الحضارة العربية الإسلامية ظل قرين ازدهار العقل والعلم على السواء. صحيح أننا لا نهتم كثيرًا بتاريخ العلم العربي، ولكن أى نظرةٍ فاحصةٍ إلى تراثنا تؤكد أن ازدهار العلم العربى كان مرتبطًا دائمًا بازدهار العقلانية الفلسفية، ولذلك كان ازدهار الفكر العقلانى هو الوجه الآخر لازدهار العلم فى التاريخ الإسلامي.

وحتى عندما انتقلت ثمرات الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا، وأخذت أوروبا فى ترجمة العقلانية العربية، سبيلًا لها إلى النهضة والاستنارة، وأخذنا نحن فى الانحدار المتزايد والتبعية لأوروبا الصاعدة، فإننا عدنا إليها لنتعلم منها ما سبق أن أعطيناه لها، وما أضافت هى إليه فى التتابع الصاعد لحركة التاريخ. وهكذا بدأنا نأخذ منها بعد أن سبق أن قدَّمنا إليها، وخضعنا لها فى عمليات غزوٍ استعمارى بعد أن كنا نحن نقوم بهذا الدور فى العالم القديم. ولذلك كان من الطبيعى أن يكون التقدم الأوروبى الحديث لنا نبراسًا ومقياسًا مع عصر النهضة.

هذا الدرس الذى يقدِّمه تاريخ تراثنا العربى الإسلامى هو الدرس نفسه الذى يعنينا فى سعينا نحو التقدم والازدهار فى عصر مختلف فى مستقبله وأحلامه عن آفاق مفتوحة إلى ما لا نهاية من الحرية والعدل الذى ورثنا قبسًا من نورهما فى عصورنا السابقة، فقد تعلَّمنا من تراثنا، فى عصور ازدهاره، أن العلم كالعقل، وأن العقل يحرك العلم ويدفعه إلى التقدم. فالعلم يبدأ بفكرةٍ، والفكرة تبدأ من التفكير والاجتهاد، ولذلك كان نجيب محفوظ يرى فى تلازم العلم والعقل المقرون بالعدل، بشيرًا بمشرق النور والعجائب فى رائعته: «أولاد حارتنا»، ولذلك جعل من «عرفة» وريث الديانات والحضارات، مبتكر الأفكار وصانع المعجزات التى تتحول إلى بدايات جديدة لحيوات أجد. وبالقدر نفسه كنتُ أرى أن كل هزيمةٍ وانحدارٍ فى مسيرتنا التاريخية منذ مشرق الإسلام إلى اليوم، مرتبطة بانكسار العقلانية وهزيمتها فى مواجهة خصومها: الاستبداد والظلم والقمع. وهذا نوع من التفكير انتهى بى إلى أن العقلانية ليست درسًا من دروس الماضي، ولا هى لُحمة وسدى تراث الاستنارة العربى والعالمي، وإنما هى طريق المستقبل الواعد.

وربما كان أخطر ما يتميز به عصرنا، على مستويات السلب، أن العقلانية فيه كانت مهددة على كل مستوى وفى كل مجال، وأن الفكر المصرى قد انحرف عن تطوره الطبيعى فى مجرى العقلانية مع السبعينيات، وأن هذا الفكر قد انتقلت إليه جراثيم التعصب والاستبداد والإرهاب منذ التحالف مع الإخوان المسلمين من ناحية، ومع الرجعيات العربية والغربية من ناحية ثانية. وقد زاد الأمر كارثية، قيام الجمهورية الإسلامية فى إيران، وما أعقبها من نزعات إسلامية متطرفة ومعادية للعقل فى غيرها من الأقطار التى كانت ولا تزال سدًّا منيعًا يعوق تدفق الحركة الخلاقة للعقل المقرون بالحرية والعدل اللازمينِ لحضور العقل فى فعله المجدد. ولذلك اخترتُ عنوان: دفاعًا عن العقلانية ليكون عنوانًا لكتابى الجديد الذى سيصدر بعد انقضاء جائحة كورونا وذهابها إلى حيث جاءت بإذن الله سبحانه وتعالي.

إن العقلانية تعنى الاحتكام إلى العقل، والاحتكام إلى العقل يعنى المساواة بين العقول وقبول اختلافها بوصفه أمرًا طبيعيًّا، وسُنَّة من سنن الكون. ولم يكن من قبيل المصادفة أن ذهب ديكارت، الفيلسوف الفرنسي، إلى أن العقل هو أعدل الأشياء توزُّعًا بين الناس، فالله قد منح الجميع عقولًا يتساوون بها فى معنى الإنسانية المُلازمة للحرية وغاياتها. ولا فارق بين واحد منهم عن غيره إلا فى مدى استخدامه هذا العقل الحر فى مجالاته المختلفة والغاية التى يمكن أن يصل إليها بهذا الاستخدام. ولذلك فمن المؤكد أن هناك فارقًا بين من يُعمل عقله الحر فى كتاب الكون أو كتاب الطبيعة، ومن لا يُعمل هذا العقل. وإذا كان الله يثيبنا على قدر ما توجَّهنا إليه إرادتنا الحرة، فى مسعى عقولنا الحُرة التى خلقها فينا خالقنا، حجة علينا، فإنه بالقدر نفسه يساوى بيننا وبين غيرنا من خلقه بما لا يمايز بين بشر وغيره. فالعقل الذى هو أعدل الأشياء توزعًا بين الناس هو العقل نفسه الذى يسوِّى بين الناس، فلا يمايز بينهم إلا بمدى فعله الخلاق بفضل هذا الكائن أو ذاك. (وللمقال بقية)

مقالات اخري للكاتب

كورونا والثقافة .. المتن المقدس والمتون البشرية (١)

كان لا بد أن أغادر بيتى لحضور اجتماع فى المجلس الأعلى للثقافة بعد أن ظللتُ حبيس البيت لما يزيد على 6 أسابيع بسبب انتشار فيروس كورونا (كوڤيد 19) الذى حل

مادة إعلانية

[x]