الجيش الأخضر .. المعركة مستمرة

31-5-2020 | 12:18

 

بجانب جيشنا الوطنى الذى يدافع عن البلاد ويحمى الثغور ويحافظ على تراب الوطن، لدينا جيوش مدنية تخوض معركة الحياة والتنمية والبقاء، منها الجيش الأبيض الذى يتقدم الصفوف اليوم لمواجهة الوباء، و الجيش الأخضر الذى يواصل الصمود فى معركة النماء وتوفير الغذاء على أرضنا الطيبة، وجنوده هم أهلنا الفلاحون الذين تغلبوا على الجائحة ويواصلون كفاحهم ، لتوفير الأمن الغذائي وإنتاج المحاصيل الزراعية، فعلى الرغم مما أحدثته كورونا من تعطيل كبير فى العديد من القطاعات الاقتصادية بالعالم إلا أن ذلك لم يعطل الفلاحين المصرين عن مواصلة دورهم الذى بدأ منذ فجر التاريخ فى إنتاج المحاصيل الزراعية، ومع استمرار الأزمة التى تضرب العالم بأسره، فإن إنتاجنا من الخضر والفاكهة يفوق احتياجاتنا ويفيض للتصدير، وقد عزز من ذلك ما قامت به الدولة من إنشاء مائة الف صوبة زراعية تسهم فى توفير جانب من هذه الاحتياجات، فقد غزا البرتقال المصرى أسواق أوروبا وأصبح عميد الموالح الأول فى القارة العجوز واحتل المرتبة الأولى عالميا فى التصدير هذا العام بعد أن تجاوزت صادراته 1.8 مليون طن إلى 25 دولة.


والنجاح نفسه تحقق أيضا فى نوع آخر من الفاكهة، فقد احتلت مصر المركز الأول عالميًّا فى تصدير الفراولة المجمدة، وفق تقارير مركز التجارة العالمية التابع للأمم المتحدة، حيث بلغت الصادرات المصرية من الفراولة 140 ألف طن فى العام الماضى بما يمثل 20% من كميات الصادرات العالمية منها بقيمة 165 مليون دولار . ومع ذلك ليس هذا هو النصر الأخير، فلا تزال معركة الجيش الأخضر مستمرة لأن الغاية الكبرى هى تحقيق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الزراعية الإستراتيجية وفى مقدمتها القمح.

وإذا كنا نتابع بسعادة استمرار توريد القمح لشون وصوامع المحافظات والتى يحرص المحافظون على الإعلان عنها بأنفسهم، متضمنة أخبارا سارة عن زيادة المساحات المزروعة بهذا المحصول (مثلا بلغت المساحة المزروعة بالقمح فى محافظة الشرقية هذا العام 417882 فدانا، بزيادة 27 الف فدان عن العام الماضي) ومع ذلك أمامنا الكثير لتحقيق الاكتفاء الذاتى من هذا المحصول الاستراتيجى، حيث بلغ إجمالى الإنتاج المحلى من القمح نحو 8.5 مليون طن عام 2019، ولكن لا تزال مصر تعتبر من أكبر مستوردى القمح بالعالم.

هذا النصر النهائى المرتقب فى معركة الإنتاج يشمل أيضا احتياجاتنا من مختلف السلع الإستراتيجية. ويعزز من أهمية هذا السعى للاعتماد على الذات، التغيرات فى الرؤى والمفاهيم الاقتصادية التى أحدثها كوفيد - 19، خاصة أن هناك أطروحات صدرت عن عدة مؤسسات الدولية مفادها أن كل دولة بدأت فى معالجة آثار المرض داخليا مع تشجيع الكيانات الوطنية على التعافى لإنتاج الاحتياجات الأساسية، بعد أن ضربت تداعيات كورونا آليات العولمة ومفاهيمها، وبخاصة فكرة الاعتماد المتبادل، حيث أصبحت كل دولة محاصرة من حيث لاتعلم، ولا يمكن لها إلا أن تعتمد على إنتاجها فى المقام الأول.

ومن هنا تأتى أهمية حرص الدولة على دعم الإنتاج الزراعى والثروة الحيوانية، والسعى نحو تحقيق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل كهدف استراتيجى ومنهج ثابت للدولة، خاصةً من خلال دعم المشروعات الناجحة وتعظيم رقعة الأراضى وهو ما أكدته القيادة السياسية فى أكثر من مناسبة. وفى هذا السياق تبرز ضرورة الدعم و المتابعة المستمرة لمشروعات الإنتاج الحيوانى والداجنى والسمكى، واستكمال الطاقات الإنتاجية بالمزارع والتحسين الوراثى بهدف زيادة الثروة الحيوانية، لأن تنفيذ استراتيجيات الاعتماد على الذات، تتطلب العمل المستمر على توفير الموارد المائية والبنية الأساسية والتمويل اللازم لدعم تلك المشروعات، واتخاذ قرارات حكومية سريعة للتخفيف من كلف الإنتاج، خاصة المتعلقة بالضرائب والرسوم وأثمان الكهرباء لتشجيع القطاع الخاص على التوسع وتنويع الإنتاج.

فضلا عن زيادة حجم التمويل الذى يمنح للمزارعين من جانب البنوك خاصة البنك الزراعى المصرى، ففى الدول المتقدمة تحظى المحاصيل الإستراتيجية بدعم قوى من جانب الحكومات، وخير مثال على ذلك الاتحاد الأوروبى الذى يضمن عوائد عالية لمزارعى القمح، حيث يحفزهم على إنتاج القمح من خلال توليفة من السياسات ومنها دعم سعر السوق، التى تشمل شراء الحكومة المنتج ودعم الصادرات، وتؤدى هذه التوليفة إلى زيادة الإنتاج وبالتالى حصول الفائض. كما يحصل مزارعو القطن هناك على دعم مماثل.

نتمنى ان تكون محنة كورونا انطلاقة لمنحة الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الإستراتيجية، باعتبار أن ذلك جزء من الأمن القومى، فلكى يكون قرارك من رأسك يجب أن تأكل من عمل فأسك.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

سد النهضة.. الحلقة المفقودة بالمسار الدبلوماسي

استمرت مصر قرابة عقد فى مفاوضات مضنية بهدف التوصل إلى حل عادل ومتوازن يلبى مصالح الأطراف الثلاثة (إثيوبيا ومصر والسودان)، وعندما تعثرت المفاوضات نتيجة التعنت الإثيوبي، رفعت القاهرة ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن لتؤكد حرصها على المسار الدبلوماسى والسياسى لحماية حقوقها فى مياه النيل.

اعمل من المنزل.. شعار ما بعد الجائحة

تسببت جائحة كورونا فى إغلاق العديد من الأنشطة الاقتصادية، كما وضعت هذه الأزمة أكثر من نصف سكان العالم فى إقامة جبرية بمنازلهم، ونتج عن ذلك حدوث تغييرين

وادي النيل .. سودان ومصر ومصير

منذ أكثر من 25عاما حضرت ندوات عقدت بواشنطن وولايات أمريكية أخرى ضمن برنامج الزائر الدولى بعنوان (دور الدين فى خدمة المجتمع) بمشاركة علماء وباحثين وصحفيين

الخطاب الديني في رمضان.. تجديد أم تبديد؟

جدد حياتك فى رمضان. اكسب الحسنات واخسر السعرات. وصافح قلبك ابتسم لذاتك وصالح نفسك وأطلق أسر أحزانك وعلّم همومك الطيران بعيداً عنك..بهذه الأمنيات استقبلت

كوفيد19.. مفيد 20 مرة!

هل يمكن أن يكون كورونا مفيدا؟.. نعم، إذا اتبعنا منهج تحويل المحنة إلى منحة، حيث أتاح هذا الفيروس فرصة لتجريب العديد من البدائل التى قد نحتاجها لحل الكثير

تذكرونا في عصر ما بعد كورونا

العالم بعد كورونا لن يكون مثل ما قبله، سوف يتوقف المؤرخون كثيرًا عند أفاعيل هذا الفيروس، الذي أصبح علامة يؤرخ بها ليس فقط في كتاب التاريخ، وإنما أيضًا

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]