الحب .. والعقل

30-5-2020 | 16:06

 

لا يخلو حظر التجوال الجزئى، وغيره من الإجراءات الاحترازية المتخذة للحد من انتشار العدوى ب فيروس كورونا ، من فوائد. يفيد هذا الحظر من كانوا يشكون ضيق الوقت وعدم كفايته لإنجاز ما يرغبون فى عمله.


وفى مقدمة المستفيدين من الوقت الذى يوفره حظر التجوال محبو القراءة الذين تتراكم لديهم كتب يرغبون فى الإطلاع عليها. وفى مكتبى عشرات من الكتب التى اقتنيتُها، أو أهداها لى مؤلفوها، ولم أجد وقتا لقراءتها. ومن هذه الكتب، التى قرأتها فى الأسابيع الأخيرة، كتاب رسائل حنة آرندت ومارتن هايدجر ، الذى ترجمه الباحث المغربى د. حميد لشهب، وصدر فى بيروت عام 2014.

تكشف هذه الرسائل بعض أبعاد قصة حب غريبة الأطوار جمعت مفكرين اختلفت اتجاهاتهما، بل تناقضت فى بعض الأحيان، واستمرت بين انقطاع وتجدد برغم أنهما لم يلتقيا إلا لفترة قصيرة فصل بين مكانى إقامتهما بعدها محيط كبير، إذ عاشت أرندت فى الولايات المتحدة، بينما كان هايدجر فى ألمانيا. وهى تختلف عن قصة المفكرين الفرنسيين جان بول سارتر و سيمون دى بوفوار ، اللذين تقاربت أفكارهما، وعاشا معا فترة طويلة. ولعل أغرب ما فى قصتهما التناقض بين اتجاه هايدجر الألمانى القومى المتشدد الذى دفعه للاقتراب من الحزب النازى، أو الانضمام إليه وفق بعض الروايات، وأفكار أرندت الليبرالية التى لا تقبل التطرف قوميا أو دينيا. ويثير هذا التناقض سؤالا عن مغزى استمرار قصتهما برغم نشوب حرب عالمية ضارية اتخذا موقفين متضادين تجاهها. وربما سهم تجميد العلاقة بينهما من منتصف الثلاثينيات إلى نهاية تلك الحرب فى تجنب وقوع صدام فكرى بينهما، الأمر الذى أتاح تجددها عام 1950. وقد يكون مفهوم الحب عند هايدجر أحد اسباب احتواء ذلك التناقض، وهو أن الحب ليس فقط غير مُسيس، بل ضد السياسة وأقوى منها. ولكن هذا لا يكفى لتفسير استمرار قصتهما، ويبدو أن البحث عن تفسير عقلانى للحب سيبقى صعبا، حتى فى العلاقة بين مفكرين أو فلاسفة. وربما يكون للقلب عقل خاص به، لا يعرفه عقل المُحب أو المُحبة.

نقلا عن صحيفة الأهرام

[x]