مشكلات الأطباء بين المؤامرة والحقوق المجتمعية

31-5-2020 | 13:13

 

أثارت مشكلة وفاة طبيب العزل الأسبوع الماضي نوعا من الفتنة في المجتمع وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة أن البعض صورها على أنها مؤامرة من بعض الجماعات المعادية لتحريض الأطباء على تقديم الاستقالة وترك ميدان المعركة؛ مما يؤدى لكارثة.

ولقد نجحت الدولة في سرعة التدخل والتحقيق في قضية الطبيب مع إصدار عدة قرارات بتوفير أماكن محددة للأطباء للعزل والعلاج، ثم الاستجابة لمعاملة شهداء الأطباء كشهداء الوطن في الجيش والشرطة كل هذه القرارات ساهمت بالطبع في وأد الفتنة وحماية المجتمع من الانقسام.

ولكن هناك عدة دروس مستفادة من المشكلة يجب دراستها بعناية حتى لا تتكرر مثل هذه المشاكل، خاصة أن مشكلة أعضاء هيئات التدريس والباحثين والمطالبة ببعض حقوقهم كان رد البعض أيضًا أنهم ينتمون لجماعة معادية، ومن هنا المشكلة تتكرر وهناك عدة حقائق يجب توضيحها، تشمل بداية أن المجتمع المصري يتميز بالتجانس الشديد نتيجة تجانس العرق والتجانس الطبيعي والمناخي والاجتماعي كما يقول عالمنا جمال حمدان.

ومثال لهذا التجانس جيش مصر خير أجناد الأرض فهو ليس طبقة معينة أو فئة معينة فهو يضم كافة فئات الشعب، ومن كل مدينة أو قرية وبالتالي فهذا الجندي أخوه هو المهندس أو المعلم أو الطبيب، ومع ذلك نجد تصنيف الجيش في مقدمة دول العالم.

لكن الوضع يختلف تماما مع الطبيب أو المعلم والفجوة كبيرة، فكيف هذا والجميع من أسرة واحدة؟ الإجابة تكمن في الإدارة هي كلمة السر في النجاح أو الفشل منذ أيام سيدنا يوسف عليه السلام، حينما قال لحاكم مصر: "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ"، والإدارة تتضمن الحقوق والواجبات والحساب والعقاب والانضباط، ومن هنا علينا الاعتراف بأن قطاعات الطب والتعليم والبحث العلمي تعانى من إهمال عقود طويلة تعود لسياسات الانفتاح ورفع يد الدولة تدريجيا عن هذه القطاعات؛ مما أدى لتعثرها وتأخر مكانتها مقارنة بجيشنا.

وعلينا الاعتراف بوجود مشكلات كبيرة آن الأوان لدراستها وحلها؛ لأنه ليست هناك نهضة حقيقية بدون تقدم المنظومة الصحية والعلمية وتشخيص أي مشكلة يعنى نصف الحل لكن الإنكار واتهام الآخرين لن يجدي؛ بل سوف يؤدى للانقسام والفرقة.

والحقيقة الثانية أننا أسرفنا في استخدام لفظ المؤامرة وكثيرا ما نلجأ إليه لتبرير الفشل أو الهروب من مواجهة المشكلات، وهذا لا ينفى وجود المؤامرة منذ فجر التاريخ، ولكن يجب أن نعلم جميعًا أن المؤامرة تعتمد على وجود نقاط ضعف تنفذ من خلالها وتنجح باستغلال نقاط الضعف هذه؛ مثل الفيروس قد يصيب شخصين القوى سوف يصمد وضعيف المناعة سوف يمرض.

المؤامرة مثل الفيروس وخير مثال لذلك تاريخ مصر المعاصر؛ حيث كانت حرب 56 مؤامرة صريحة من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، وفشلت لتماسك الشعب والدولة، وكان للحكم رصيد قوى عند المواطنين وهى مؤامرة باعتراف القائمين بها، ثم كانت أحداث يناير 2011 التي يصفها البعض بالمؤامرة، وقد يكون هناك بعض المتآمرين، ولكنها نجحت في القضاء على النظام؛ لأنه كان نظامًا ضعيفًا ليس له رصيد شعبي فسقط، وتدعي جماعة الإخوان أن 30 يونيو مؤامرة.

والسؤال لماذا نجحت حتى لو قبلنا الاتهام ببساطة؛ لأن نظام الإخوان ضعيف فسقط.

الخلاصة تكمن في أن أي نظام يسقط لأسباب داخلية وضعفه وعدم قدرته على الصمود وعدم وجود رصيد شعبي، وخير مثال لذلك مؤامرة 56، فالمؤامرات مستمرة وسوف تستمر، ولكن علينا دراسة نقاط الضعف الداخلية وعلاجها لكي نكون قادرين على صد ومواجهة المؤامرات، ولكن الإنكار وتوجيه الاتهامات لن يحل أي مشكلات قائمة، وهذا يرجعنا لقضية الأطباء؛ فمن الطبيعي أن يقوم البعض بإثارة الفتن من بعض الجماعات، وهنا علينا دراسة نقاط الضعف ونعمل عليها بدلا من توجيه الاتهامات ونترك أصل المشكلة، وهذا يردنا لماذا القطاع الصحي في مصر متأخر مقارنة بالجيش.

وهنا علينا جميعا فتح النقاش المجتمعي والدعوة لمؤتمر في الوقت المناسب لمناقشة هذه المشكلات، وهناك نوعان من المشكلات مادية وبحثية.

بداية فإن هيكل الأجور في مصر كارثي، وسبب كثيرًا من المشكلات للأطباء والمدرسين وأساتذة الجامعات وغيرهم، ولابد من إحداث تغيير جذري وسريع؛ لأنه سبب وسوف يسبب الكثير من المشكلات؛ لأن هيكل الأجور يعتمد إلى حد كبير على مبدأ من يكسب يحصل على أجر أعلى؛ مثال البنوك والبترول وغيرها؛ ولأن الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة خدمات غير هادفة للربح، لذا نجد أجورها منخفضة عكس العالم الخارجي، فهل يعقل أن أجر الطبيب المتفوق علميًا ويدرس سبع سنوات، أو المعيد في الجامعة يكون راتبه بعد الزيادات الأخيرة نحو ثلاثة آلاف جنيه فقط؟ في حين يحصل زميله في جهات حكومية أخرى أكثر من ضعف هذا الأجر، وبدل العدوى للطبيب تسعة عشر جنيهًا، وفى مهن أخرى تحصل على آلاف، والأخطر أن الدول المحيطة تعطيهم أكثر من عشرين ضعف أجورهم الحالية، ونحن لا نخترع العجلة.

على الحكومة دراسة هيكل الأجور في العالم، ثم تعمل من خلال خطة خماسية على تعديل هذه الأوضاع؛ ليهدأ الجميع ولا تتكرر مشكلات الأطباء أو العلماء.

نعود للحديث عن المؤامرة بدون إصلاح، وعلينا أن نتذكر عمال النظافة والصرف الصحي وتعديل أجورهم وبدل العدوى، ومعاملة شهدائهم مثل شهداء الجيش والأطباء، بل يجب أن يكون هناك قانون عام لكل المهن؛ بأن يحصل شهيد العمل على معاش يوازى 80% من آخر دخل مثلا، وعلينا أن نتذكر بأن حقوق الأطباء والعلماء حقوق مجتمعية، وينبثق منها الحقوق الأخرى؛ مثل توفير حياة صحية آمنة لكل مواطن، ووعي صحي ومجتمعي للجميع، وتوفير ضباط ومهندسين وعمال بصحة جيدة قادرين على العمل والإنتاج.

وهناك عدة مقترحات للتمويل مثل: ( الضرائب التصاعدية و ضريبة الثروة والبورصة وضم الصناديق الخاصة ...) وغيرها.. والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

منحة كورونا والدولة القوية (3)

أظهرت محنة كورونا الحاجة والضرورة لوجود سيطرة الحكومة على معظم القطاعات المرتبطة بالصحة بوجه عام بما يشمل توفير أطقم طبية وأماكن وأسرة ومراكز صحية كافية

منحة كورونا والوعي المجتمعي (2)

الوعى المجتمعى مجال كبير وعام يندرج تحته الوعى الصحى والوعي البيئي والسياسي وغير ذلك من مجالات أخرى متخصصة ولقد أوضحت أزمة كورونا وجود جوانب قصور لدى بعض قطاعات المجتمع المصرى، خاصة فيما يتعلق بالوعي الصحي وتعددت مظاهر ذلك في الازدحام وتواجد أعداد كثيفة في بعض الأفراح أو مناسبات العزاء،

كيف نحول كورونا إلى منحة في مجالات العمل والتعليم؟ (1)

إن أزمة كورونا رغم تداعياتها الصحية والاقتصادية الخطيرة إلا أن العلم والبحث العلمى قادر على تحديد الإيجابيات والخروج بدروس وفوائد من هذه المحنة فكل محنة قد تتضمن بداخلها منحة، وهذا دور العلم والمفكرين في البحث عن المنحة والاستفادة منها.

كورونا وعودة الدوري وتأجيل جلسات المحاكم

ترددت أنباء عن عودة بعض الانشطة الجماعية خلال الشهر القادم مثل الدوري الممتاز لكرة القدم والألعاب الأخرى وفتح حضانات الأطفال؛ حيث أعلن الأستاذ عمرو الجنايني

مصر في الأديان (4)

انتهينا فيما سبق إلى أن لمصر مكانة مميزة تنفرد بها في كل الكتب المقدسة؛ سواء في الجوانب الروحانية؛ حيث اختص المولى الكريم أرض مصر بالظهور بها والتجلي والحديث مع نبيه موسى "عليه السلام" وأيضا في الجوانب المادية؛ حيث خصها بأن بها خزائن الأرض ونعيم وخيرات وأنهار.

مصر فى الاديان (3)

قصص سيدنا موسى عليه السلام وبني إسرائيل بوجه عام ذكرت مئات المرات في الكتب المقدسة، وليس هنا مكان حصرها، ولكن سوف اكتفي بذكر هذه الأرقام للدلالة على مكانة مصر في الأديان؛ حيث ذكرت كلمات مصر ومصري

مصر في الأديان السماوية (2)

سيدنا موسى "عليه السلام" ومصر يقول المولى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) القصص2و 3 دخل أهل موسى "عليه السلام" إلى مصر حيث طابت لهم الإقامة والعمل.

مصر في الأديان السماوية

لمصر مكانة كبيرة فى كل الكتب السماوية بشكل نادر الحدوث وسوف نستعرض سريعا لمحات من ذلك مرورا بأنبياء الله عليهم الصلوات والسلام جميعا واسم مصرمن اسم ابن

رسالة مصر نور وسلام للعالم وللبشرية (6)

الحضارة المصرية لها ثلاثة أبعاد أساسية وهى إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والشرق، وهذا هو مجمل تاريخ مصر عبر آلاف السنوات، ورغم تغير الأزمان والظروف إلا

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]