د. شوقى علام مفتى الجمهورية يكتب: صناعة الأمل

29-5-2020 | 14:34

د. شوقى علام - مفتى الجمهورية

 

د. شوقى علام - مفتى الجمهورية

تشتد الحاجة فى هذه الآونة من عمر الأمة الإنسانية إلى صناعة الأمل وحسن العمل باعتبارهما من أهم محاور صناعة شخصية الإنسان المعاصر وسمات تكوينه؛ فالأمل هو ضرورة إنسانية بدونها تفقد الحياة قيمتها ولا يعرف الإنسان مقصود وجوده، والغاية من وراء صبره على التحديات، وتحمله للشدائد والمحن، وحرصه على تحقيق أهدافه وتطلعاته المختلفة.


ولا شك أن شهر رمضان المبارك يعد فرصة عملية حقيقية لإعادة صياغة الإنسان المسلم وترتيب برنامجه دنيويًّا ودينيًّا بطريقة حكيمة تمده بالأمل، وحسن العمل، ومراعاة القيم، و الالتزام بضوابط الأخلاق ، وترك اليأس والعجز، وذلك بالعزم على مواجهة التحديات والإصرار على النجاح واستشراف ما فى المستقبل؛ فعبادة الصوم من أجمع العبادات التى تؤسس ذلك لدى المسلم، مع ضبط سلوكه وممارساته حسيًّا ومعنويًّا بالضوابط والأخلاق والقيم؛ حيث يطلب منه وجوبًا الامتناع عن المفطِّرات، مع حثه على الاجتهاد فى التقرب إلى الله تعالى بالعمل الصالح بأنواعه المختلفة؛ رغبة فى الحصول على العطايا الربانية والنفحات الإلهية. وفى ذلك إشارة إلى الحكمة من تشريع الأعياد عقب الأزمنة المباركة والأوقات المفضلة التى اختصها الشرع الشريف بالاجتهاد فى العبادة والأعمال الصالحات؛ فعيد الفطر المبارك – مثلا - هو يوم الجائزة الذى ينال فيه المسلم فرحتين عظيمتين لهما أثر كبير فى حياته وآخرته، وهما: فرحة أداء ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفرحة اليقين بجزيل الأجر والثواب بين يدى ربه عزَّ وجلَّ؛ كما فى قول النبى صلى الله عليه وسلم: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» «صحيح البخاري».

وهذه القيم الراقية كما هى مطلوبةٌ شرعًا فى هذا الشهر الفضيل مطلوبةٌ أيضًا فى غيره من الشهور، وعلى مَرِّ الأزمنة المتعاقبة عبرَ العُمُر، فالمسلمَ الحقَّ ينبغى أن يكون صابرًا على مختلف المتاعب وشتى التحديات، مؤمنًا بالأمل ومستشرفًا للمستقبل، وموقنا بما عند الله تعالى الذى بشرنا بأنه بعد العسر يسرٌ وأن الفرج يعقب الضيق والكرب؛ ووعد الله تعالى أهل الاستقامة بالبشرى فى قوله: (إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ولَا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ)[فصلت: 30].

وهى تؤكد ضرورة وجود الأمل فى حياة الإنسان بما يعمل على صياغة شخصية الإنسان المعاصر نحو التغيير إلى الأفضل؛ فشهر رمضان فرصة عملية تمثل طاقة النور وشعاع النجاح فى المستقبل ومقاومة التحديات والصعوبات والرغبة فى تحقيق الآمال والتطلعات مع ضمان الاستمرار والمدوامة على هذه القيم الراقية.

وبذلك تظهر سمات تجديد شهر رمضان لفكرة « صناعة الأمل » وإحياء منطلقاتها ومبادئها بصورة عملية فى حياة الفرد ومسيرة المجتمع باعتبارها ضرورة من ضرورات بقاء هذه الحياة مزدهرة ومستمرة لها قيمتها وغايتها، وهى أمور ينبغى للأمة أن تحياها وتعيش بها سواء فى الظروف الطبيعية أو فى الظروف الاستثنائية وسواء فى أثناء المناسبات الفاضلة أو فى غيرها كما نحن الآن فى مواجهة التحديات التى ترتبت على انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) وتفشيه كوباء عالمى من خلال دعم جهود الدولة ومختلف مؤسساتها خاصة الجيش الأبيض الذى يقوم بدور محورى ومهم كصف أمامى بإرادة وصمود وأمل، فتحية تقدير وعرفان لأفراد الجيش الأبيض فى صمودهم وكفاحهم وصنعهم لمستقبل أفضل وأمل مشرق بالصحة والعافية للأمة الإنسانية جميعًا حيث قال الله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا).

نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]