المال العربي في الغرب .. والمستقبل الغامض

29-5-2020 | 12:14

 

بدأ العالم يحصى خسائره الاقتصادية والمالية والبشرية ما بعد كارثة كورونا، إن كل دولة الآن تراجع دفاترها وماذا فقدت، خاصة أن الخسائر ضخمة، وأنها قد تحمل مفاجآت مذهلة فى أموال ضاعت وتعويضات مطلوبة وخسائر فى البشر سوف يكون ثمنها ثقيلاً..

إن الدول الكبرى مثل أمريكا والصين بدأت فى حساب الخسائر، وهناك من بدأ يعترف بأن الأرقام ضخمة كما فعلت الصين، وإن كانت أمريكا لا تريد فتح هذه الملفات لأنها على أبواب انتخابات تقترب وليس من مصلحة الرئيس ترامب أن يواجه الشعب الأمريكى بما حدث من كوارث اقتصادية وبشرية فى سنوات حكمه التى انتهت بهذه الكارثة.. إن الرئيس الأمريكى يعيش الآن أسوأ فترات حياته أمام إخفاقات كثيرة فى مواجهة كارثة كورونا.

< أمام ما يجرى أو ما أتصور أنه يدور فى الغرب حول خسائر كورونا وجدت هذا السؤال يطرح نفسه: ما هو مصير المال العربى فى الدول الغربية بعد كورونا؟ إننا نعلم أن معظم الثروات العربية كانت خارج أوطانها، وأن أثرياء العالم العربى - سواء كانوا حكاما أو شعوبا - كانوا دائما يفضلون انتقال أموالهم إلى الدول الغربية؛ لأنها أكثر أمانا واستقرارا وحماية لهذه الأموال، وفى الأعوام الخمسين الماضية هربت رءوس الأموال العربية ولم تسمع نصائح من أحد أمام اعتقاد راسخ أن أوطاننا ليست المكان المناسب لحماية الأموال أمام التقلبات السياسية التى أطاحت بكل المشروعات الكبرى ابتداء بوحدة الشعوب وانتهاء بالتنمية الحقيقية.

< إن السؤال يحمل الكثير من المخاطر إذا أدركنا أن الأموال العربية لاتوجد فى بلادها وإن وجدت فهى أرقام ضئيلة لا تتناسب مع ما يوجد فى الغرب من الأموال السائلة والاستثمارات والعقارات والودائع وقد وصل الأمر أن بعض هذه الأموال يمثل سرا من أسرار أصحابه.. ولايستطيع أحد أن يقدر حجم هذه الأموال.

< هناك الأموال السائلة ومن الصعب الوصول إلى أرقامها الحقيقية وهناك بعض التقديرات العالمية تقول إنها تبلغ تريليونى دولار موزعة على البنوك والمؤسسات المالية الغربية فى أوروبا وأمريكا وتحتل أمريكا أول القائمة فى استيعاب الأموال العربية.

< هناك عقارات ومنشآت تقدر بالمليارات فى عواصم العالم المختلفة وهى تتفاوت بين آلاف القصور والفيلات ومئات الآلاف من الشقق والمنتجعات، وهذه العقارات لم تكن فقط للسكن ولكن هناك مشروعات ضخمة ومولات وناطحات سحاب وتبلغ قيمتها أرقاما خيالية.. إن بعض الأثرياء العرب يملكون المحال الضخمة والعمارات الشاهقة والنوادى الرياضية، ومنهم كثيرون يتاجرون فى كل شىء ابتداء بالسلاح وانتهاء بالمزارع الضخمة.

< هناك مشروعات صناعية وإنتاجية يشارك فيها المستثمرون العرب وهى تدخل فى كل مظاهر الإنتاج كما أن من بينهم من يسهم فى شركات الطيران والسفن والموانى وهذه الشركات تمثل استثمارات ضخمة بآلاف الملايين من الدولارات.

فى أمريكا وحدها توجد أضخم الأموال العربية سواء لحساب حكومات أو أشخاص، وتحتل مجموعة من الدول العربية مقدمة القائمة فى السندات الأمريكية وهى تزيد على ٣2٠ مليار دولار وهى ديون على الحكومة الأمريكية لحساب دول عربية.

إن الحديث هنا عن استثمارات الأموال العربية فى أمريكا وحدها حديث يطول ولكن هناك عواصم أوروبية مثل لندن وباريس وروما ومدريد توجد فيها استثمارات ضخمة وإيداعات فى البنوك بل إن هناك مناطق سكنية فى عدد من العواصم مخصصة للأثرياء العرب رغم اختلاف بلدانهم.

< كان هناك تصور خاطئ أن الأثرياء العرب قادمون من دول الخليج فقط ولكن هناك رجال أعمال من دول عربية أخرى يتصدرون قوائم الأثرياء العرب ومنهم أثرياء من مصر ولبنان والعراق وسوريا والجزائر وليبيا والمغرب.

إن الشيء المؤكد الآن أن المال العربى فى محنة وأن هناك مخاطر كثيرة يمكن أن يتعرض لها أمام أى أزمة تواجه اقتصاد الغرب بعد أزمة كورونا وهى بلا شك قادمة.. إن السؤال الذى سيطرح نفسه بالضرورة ما هو مستقبل هذه الأموال فى بنوك الغرب وقد تتعرض لظروف صعبة تمنعها من سداد مستحقات الأثرياء والحكومات العربية.. إن هذه المبالغ الضخمة التى تقدر بالبلايين غير قابلة للسداد تحت أى ظروف والاقتصاد العالمى يعيش هذه المحنة.

< هل تستطيع الخزانة الأمريكية سداد ٣٠٠ مليار دولار ديونا عليها للدول العربية فى السندات الأمريكية وكيف تسددها..

إن ديون الصين لدى أمريكا وصلت إلى أرقام مذهلة من بينها 1.2 تريليون دولار فى السندات الأمريكية، والبعض يرى أن قضية الديون بين الصين وأمريكا قد تصل إلى مواجهة عسكرية.
< إن السؤال الأخطر: من أين تسدد أمريكا كل هذه الأموال وهذه البلايين وهناك عجز تاريخى فى الميزانية الأمريكية كما أن خسائر كورونا لم تدخل بعد فى قوائم العجز.

لابد أن نعترف بأن المال العربى سوف يواجه محنة قاسية فى الفترة القادمة وعلى الأقل سيكون من الصعب على المستثمر العربى أن يسترد أمواله إذا أراد ذلك وأن الدول الكبرى قد تلجأ إلى أساليب المناورة والمراوغة فى سداد ما عليها.

< إذا كان العالم الآن يعيد حسابات ويقدر خسائر ما بعد كورونا ويرصد كل التوقعات وكم يمتد خطر هذه الكارثة فإن واجب الحكومات العربية وأصحاب الأموال والمستثمرين أن يجلسوا مع أنفسهم ويراجعوا كل شيء وأن يعرف كل مستثمر مصير أمواله وتعرف كل حكومة كيف تسترد حقوقها.. إن المهمة لن تكون سهلة لأن الحكومات المدينة ليس لديها الآن ما تدفعه بل إنها تحتاج إلى دعم، كما أن المصانع والعقارات والمولات والطائرات والمنتجعات لن تجد من يشتريها وسوف تشهد أسواق العقارات فى العالم كله انهيارات غير مسبوقة.

< لا شك أن الرئيس ترامب لن يستجيب لأحد فلم يعد لديه أموال يسدد منها ديون أمريكا، كما أنه الآن يحاول أن يجمع حوله آخر ما بقى من أثرياء أمريكا لكى يخوض الانتخابات بهم وعلى جانب أخر فإن البترول يواجه أزمة تاريخية أمام انخفاض الأسعار وما يحدث فى الأسواق.. لايمكن أن تنتظر الأموال العربية دعما من الرئيس ترامب لأننا نعلم أن له مواقف مسبقة أمام ذلك كله.

< كانت الدول العربية أحق بأموال حكوماتها وأبنائها، وقد اتضح الآن انه لا فرق بين من عاش فى وطنه وبين من بحث عن الآمان خارج وطنه لأن القضية الآن لم تعد بحثا عن جواز سفر أو تصريح إقامة، هناك مئات الآلاف من الأثرياء العرب الآن فى بلادهم لا يستطيعون الخروج منها رغم أن الطائرات الخاصة فى المطارات والقصور خالية فى العواصم الأجنبية والأموال مجمدة فى البنوك ولا احد يعرف مستقبل كل هذه الأشياء بعد محنة كورونا.

< سوف يبقى السؤال عن مصير المال العربى الذى يتناثر فى عواصم العالم ما بين الحكومات والبنوك والاستثمارات، وحتى أصحاب هذه الأموال لا يستطيعون الذهاب إليها..كانت أوطاننا أولى بهذه الأموال التى صنع منها الغرب حضارته وتقدمه ورفاهيته وكم طالبنا الأثرياء العرب بأن يعيدوا أموالهم لبناء أوطانهم ولتحقيق رخاء شعوبهم ولكنهم رفضوا نصائح العقلاء منهم.
< إن كل دولة تقف الآن تراجع دفاترها وحساباتها وكيف تنقذ أموالها وكل شخص سوف يقف حائرا أمام طائرة لا تطير وقصر لا يسكنه وبنوك لا يعرف مصير أمواله فيها.

< إن أغرب ما فى هذه الأزمة أنها لن تترك بلدا عربيا بعيدا عن توابع زلزال كورونا سواء شعوبا أو حكومات فلا توجد عاصمة عربية ليس من بينها أصحاب أموال فى عواصم أوروبية أو أمريكية.. وحين تنشر قوائم الأثرياء العرب فى المجلات والمواقع الشهيرة فى العالم سوف نكتشف أن الدول العربية بلا استثناء.. ستجد أبناءها فى هذه القوائم.. يبقى السؤال: هل يكون المال العربى المهدد فى الغرب الآن وسيلة ضغط على العالم العربى أم وسيلة تقارب وتفاوض وهل يمكن أن يكون هذا المال مصدر قوة أمام قضايا أخرى أم أن الصورة قاتمة لأن كل طرف يبحث الآن عن طوق للنجاة.

< هناك مئات بل آلاف الشركات التى أعلنت إفلاسها فى أوروبا وأمريكا والبقية تأتى، المهم ما هو مستقبل المال العربى أمام هذه الكوارث.. سؤال يبحث عن إجابة.

ويبقى الشعر

الليلةَ َاِجلسُ يا قلبِى خلفَ الأبوابْ
أتأمَّلُ وجهِى كالأغرابْ
يتلوَّن وَجهى ِلا أدْري
هلْ ألمحُ وجْهى أم هذَا.. وجهٌ كذابْ؟
مِدفأتِى تنكرُ ماضينَا
والدفُّء سرابْ
تيار النورِ يحاوِرُني
يهرب منْ عينى أحيانًا
ويعودُ يدَغدغُ أعصَابي
والخوفُ عذابْ
أشعُرُ ببرودةِ أيَّامي
مِرآتِى تعكِس ألوانـًا
لونٌ يتَعثرُ فى ألوانْ
والليلُ طويلٌ والأحزانْ
وقفتْ تتثاءَبُ فِى مَللٍ
وتدُورُ وتضْحكُ فِى وجْهِي
وتُقهقهُ تعلُو ضحْكتُها بينَ الجُدرانْ
***
الصَّمتُ العَاصِفُ يحمِلُنى خلفَ الأبوابْ
فأرَى الأيامَ بلا مَعنَى
وأرَى الأشْياءَ.. بلاَ أسْبابْ
خوفٌ وضياعٌ فِى الطُّرقاتْ
مَا أسْوأَ أنْ تبقَى حيًا..
والأرضُ بقايا أمواتْ
الليلُ يحاصِرُ أيامِي..
ويدُورُ.. ويعبثُ فِى الحُجُراتْ
فالليلةَ ما زلتُ وحِيدًا
أتَسكَّع فِى صَمتِى حينًا
تَحملُنِى الذكرَى للنسيَانْ
أنتَشِلُ الحَاضِرَ فِى مللٍ
أتذكرُ وجْهَ الأرضِ.. ولونَ النَّاسِ
همومَ الوحدةِ.. والسَّجَّانْ
* * *
سأمُوتُ وحِيدًا
قَالتْ عرَّافةُ قريتنَا: ستُموتُ وحِيدًا
قد أُشعلُ يومًا مِدْفأتي
فتثورُ النارُ.. وتحرِقنِي
قد أفتحُ شبَّاكِى خوفـًا
فيجيءُ ظلامٌ يُغْرقنِي
قد أفتحُ بَابِى مهمُومًا
كيْ يدخل لصُّ يخنْقنِي
أو يدْخل حارسُ قريتِنا
يحمِلُ أحكَامًا وقضَايا
يُخطئ فى فهم الأحكامْ
يُطلِقُ فِى صَدْرِى النيرانْ
ويعُودُ يلملمُ أشلاَئى،
ويَظلُّ يَصيحُ على قبرِي:
أخطَأتُ وربَّى فِى الُعنوانْ
* * *
الليلةَ أجلسُ يا قلبْي.. والضَّوء شَحيحْ
وسَتائُر بيتِى أوراقٌ مزَّقها الرَّيحْ
الشاشةُ ضوءُ وظِلالٌ
و الوجهُ قبيحْ
الخوفُ يكبلُ أجْفانِى فيضيعُ النومْ
والبردُ يزلزلُ أعماقِى مثلَ البُركانْ
أفتحُ شـُباكى فِى صمتٍ
يتَسللُ خوْفِى يُغلِقُه
فأرَى الأشباحَ بكلَّ مكَانْ
أتناثرُ وَحْدِى فى الأركانْ
* * *
الليلةَ عدْنَا أغرابًا والعُمْر شتاءْ
فالشَّمسُ توارتْ فى سأمٍ ٍ
والبدرُ يجيءُ بغيرِ ضِياءْ..
أعرفُ عينيك ِوإنْ صرْنا بعضَ الأشلاءْ
طالتْ أيامِى أم قَصرتْ فالأمرُ سواءْ
قدْ جئتُ وحيدًا للدُّنيا
وسأرحَلُ مثلَ الغُرباءْ
قدْ أخْطئُ فهمَ الأشْياءْ
لكنى أعرفُ عينيكِ
فى الحـُزن سأعرفُ عينيكِ
فى الخَوفِ سأعرفُ عينيكِ
فى الموتِ سأعرفُ عينيكِ
عيناكِ تدورُ فأرصدُها بينَ الأطيافْ
أحملُ أيامَكِ فى صَـدْرِي
بين الأنقاضِ.. وحينَ أخافْ
أنثرُها سطراً.. فسُطورًا
أرسُمُها زمنـًا.. أزمانـًا
قدْ يقسُو الموجُ فيـُلقينِى فوقَ المجدَافْ
قد يغدُو العُمرُ بلا ضوءٍ
ويصيرُ البحرُ بلا أصدافْ
لكنى أحملُ عينيكِ
قالتْ عرافةُ قريتنَا
أبحرْ ما شئتَ بعينَيها لَا تخشَ الموتْ
تعويذة ُعمْرِى عَينَاكِ
* * *
يتسللُ عطرُك خَلفَ البابْ
أشعرُ بيديكِ على صدْري
ألمحٌ عينيكِ على وجْهِي
أنفاسـُك تحضنُ أنفاسِى والليل ظلامْ
الدفء يُحَاصِرُ مدفأتى وتدُورُ النارْ
أغلـِقُ شبَّاكى فى صمتٍ.. وأعود أنامْ
«قصيدة من ليالى الغربة سنة 1986»

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]