واشنطن وطهران بين اللا حوار واللا حرب

27-5-2020 | 16:16

 

دعا المبعوث الأمريكى ل إيران براين هوك، طهران أن تختار بين الحوار مع الولايات المتحدة أو مواجهة الانهيار الاقتصادى نتيجة للعقوبات الأمريكية، وهو ما يلقى بالكرة فى الملعب ال إيران ى ويعطى رسالة بأن الولايات المتحدة راغبة فى الحوار مع إيران ، لكن السؤال هو ما فرص وإمكانية الحوار بين البلدين وهل تؤدى أزمة كورونا إلى تسريع هذا الحوار؟


فى الواقع أن فرص الحوار بين البلدين مثل فرص المواجهة العسكرية بينهما، تواجه صعوبات حقيقية وتحديات كبيرة، تنبع من كلا البلدين، فالمسئولون ال إيران يون وعلى رأسهم المرشد خامنئى رفضوا الدعوة الأمريكية للحوار واعتبروا أن الحوار وفقا للشروط الأمريكية هو استسلام.

ولذلك فإن إيران لا تعول كثيرا على إمكانية الحوار مع إدارة ترامب التى وضعت 12 شرطا للحوار حددها وزير الخارجية مايك بومبيو، وتشمل وقف إيران برنامجها وأنشطتها النووية والتوصل إلى اتفاق نووى جديد بديلا عن الاتفاق الحالي، ووقف برنامجها للصواريخ الباليستية والامتناع عن تزويد وكلائها فى المنطقة مثل ميليشيا الحوثى الانقلابية فى اليمن بتلك الصواريخ، ووقف دعم الإرهاب إضافة إلى وقف التدخلات ال إيران ية فى دول المنطقة وزعزعة الاستقرار فيها عبر أذرعها العسكرية التى يشرف عليها فيلق القدس.

وبالتالى القضية ليست فى الحوار ولكن تتعلق بمضمون هذا الحوار، فترامب تبنى سياسة العصا تجاه إيران عبر إستراتيجية أقصى الضغوط من خلال العقوبات الاقتصادية التى شملت تقريبا كل قطاعات الاقتصاد ال إيران ى مثل النفط والبنوك وغيرها، وأثرت بشكل كبير على إيران تمثلت فى تدهور العملة وارتفاع معدلات البطالة والفقر، والهدف من تلك السياسة هو دفع إيران إلى الحوار وإبرام اتفاق نووى جديد، ولذلك فإن دعوة أمريكا للحوار ليست بجديدة، لكن الحوار بهذه الشروط يرفضه النظام ال إيران ى خاصة المتشددين، وعلى رأسهم خامنئى والحرس الثوري، الذين يسيطرون على قرارات السياسة الخارجية، ويعتمدون على إستراتيجية النفس الطويل ومقاومة العقوبات الأمريكية وكسب الوقت والمراهنة على تغيير الإدارة الأمريكية نهاية هذا العام ورحيل ترامب بسبب أزمة كورونا المستفحلة فى الولايات المتحدة ووصول منافسه الديمقراطى جون بايدن إلى السلطة، ومن ثم تغيير معادلة الصراع بين البلدين مع رفض الديمقراطيين لسياسة ترامب بشأن إيران خاصة الانسحاب من الاتفاق النووى الذى وقعه أوباما عام 2015. لكن رغم ذلك فإن الحوار ليس مستحيلا بين البلدين، فى ظل تجارب الحوار السرية السابقة بينهما والتنسيق فيما يتعلق بإسقاط طالبان عام 2001 وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003 وتغاضى الولايات المتحدة عن تمدد النفوذ ال إيران ى فى العراق وسيطرتها عبر الميليشيات الحليفة لها على المشهد السياسى وتفاعلاته، كما أن الشهور الأخيرة شهدت تهدئة وتراجعا من جانب إيران تمثل فى عدم استهداف سفن النفط أو أهداف اقتصادية فى الخليج، كذلك الضغط على الميليشيات الموالية لها فى العراق بعدم مهاجمة القواعد الأمريكية بالصواريخ، وإجراء مفاوضات سرية بينهما فى شهر أبريل الماضى فيما يتعلق بتبادل الأسري، إضافة لدعم إيران لرئيس الوزراء العراقى الجديد مصطفى الكاظمى القريب من واشنطن. لكن هذه التهدئة ال إيران ية لا تعبر عن رغبة فى الحوار بقدر ما تعكس سياسة عدم التصعيد مع الولايات المتحدة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى تعيشها إيران نتيجة للعقوبات الأمريكية وتفاقمت بشكل كبير مؤخرا بسبب أزمة كورونا، وانهيار أسعار النفط المورد الأساسى للدخل ال إيران ي، كذلك تبنى الولايات المتحدة سياسة الردع تجاه إيران بعد مقتل قاسم سليمانى بداية هذا العام وتغيير قواعد الاشتباك، ومطالبة الرئيس ترامب للسفن الأمريكية فى الخليج العربى بإطلاق النار على أى سفن إيران ية تقترب منها لمسافة 100 متر، وبالتالى فإن أى تصعيد من جانب إيران قد يدفع بمواجهة عسكرية شاملة لن تكون فى مصلحتها فى ظل الخلل الكبير فى موازين القوي، وتراجع النفوذ ال إيران ى فى المنطقة بعد تصاعد المظاهرات الشعبية فى العراق ولبنان والتى رفعت شعارات: إيران بره بره، ودعت لتقليص نفوذ إيران وميليشياتها المسلحة، وهى إحدى الأوراق التى تعول عليها إيران دائما فى أى مواجهة مع الولايات المتحدة واستثمرت الأموال الضخمة فيها.
فى المقابل فإن إدارة ترامب ليست مضطرة لتقديم تنازلات حاليا ل إيران فيما يتعلق بشروط الحوار وتراهن على إستراتيجية أقصى الضغوط من خلال موجات متتالية من العقوبات على النظام ال إيران ى وحلفائه فى المنطقة، وتعتبر أنها الأداة الأفضل لدفع النظام ال إيران ى إلى الحوار وفقا للشروط الأمريكية، لكنها أيضا لا ترغب فى المواجهة العسكرية فى ظل انشغال الرئيس ترامب بإدارة أزمة كورونا وتهديدها مستقبله السياسى فى ظل تراجع إنجازاته الاقتصادية التى حققها وكانت إحدى أوراقه الانتخابية الأساسية، مع ارتفاع معدلات البطالة وفقدان ملايين الوظائف، وذلك فإن أزمة كورونا ستدفعه للانكفاء على الداخل خلال الفترة المقبلة وتبريد ملفات السياسة الخارجية الساخنة ومنها الملف ال إيران ي.
ولذلك فإن حالة اللاحوار واللاحرب هى الحاكمة للعلاقات الأمريكية ال إيران ية على الأقل فى المدى القريب، فى ظل المشكلات الداخلية التى يواجهها الطرفان وعلى رأسها أزمة كورونا وتفاقم تداعياتها السياسية والاقتصادية.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

العالم وإستراتيجية الهجوم والتعايش مع كورونا

العالم وإستراتيجية الهجوم والتعايش مع كورونا

كورونا والعلاقات الدولية

يعد فيروس كورونا من الأحداث الكبرى التي شهدها العالم مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية وانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، وكذلك أحداث

كورونا.. والحاجة لنظام عالمي جديد

كشفت أزمة كورونا عن هشاشة النظام العالمي السائد منذ نهاية الحرب الباردة وتهاويه في مقابل الحاجة لتشكيل نظام عالمي جديد لمواجهة التحديات المتزايدة التي تهدد البشرية.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]