الأستاذ الإمام وتلاميذه ـ4

27-5-2020 | 16:02

 

بين محمد رشيد رضا وأستاذه الإمام محمد عبده وجوه شبه كثيرة تتجاوز المبادئ والأفكار التى تلقاها التلميذ عن أستاذه إلى المواقف والأعمال التى تابعه فيها وسار على طريقته، وقد رأينا أن نشأة رشيد رضا شبيهة بنشأة الأستاذ الإمام، وهذا ما لم يكن له يد فيه، لكنه لم يكد يطلع على كتابات الإمام فى الصحف ويلقاه فى طرابلس حين زارها محمد عبده ويتحدث إليه حتى قرر أن يغادر بلده ويلحق به فى مصر ليقيم فيها ويتابع عن قرب نشاط الإمام، ويصدر مجلة »المنار« التى أراد أن يجعلها امتدادا لمجلة »العروة الوثقي« التى أصدرها الأفغانى ومحمد عبده فى باريس، وأن تكون منبرا لأفكاره وأفكار أستاذه وسجلا للفكر العربى الإسلامى عامة فى السنوات التى صدرت فيها من آخر القرن التاسع عشر إلى ثلاثينيات القرن العشرين.


لكننا نتأمل مواقف الرجلين وأعمالهما فنرى مع وجوه الشبه الكثير اختلافات تستحق أن نشير إليها. خذ مثلا موقف الرجلين من مصادر العقيدة، محمد عبده يبدأ من العقل فيستدل على نبوة الأنبياء، لأنهم رسل الله إلى خلقه يحملون لهم كتبه ويساعدونهم بأقوالهم وأفعالهم فى الوصول إلى الخير والعدل والحكمة، فالقرآن والأحاديث الصحيحة الثابتة هما مصدر العقيدة لكننا نعرف أن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبدأ جمعها وتدوينها إلا بداية من النصف الأخير من القرن الثانى للهجرة، أى بعد وفاة الرسول والكثيرين من أصحابه بأكثر من قرن، وكان جمعها وتدوينها فى ظروف وتحولات سمحت للأحاديث الضعيفة والمختلقة بأن تختلط بالأحاديث الصحيحة، ومن هنا نشأت االحاجة لعلم ينقد الأحاديث ويحكم عليها وعلى رواتها ويميز فيها بين الصحيح والضعيف، وانقسم الفقهاء إلى جماعتين: أهل الحديث وهم أهل الحجاز الذين تربطهم بأحاديث الرسول علاقة خاصة تمكنهم من فهمها والرجوع إليها، وأهل الرأى الذين نشأوا فى العراق وفى بلاد أخرى لها حياتها التى تختلف عن الحياة فى الجزيرة العربية ولها قضاياها التى تستدعى الاجتهاد فى فهم النصوص والاحتكام فى فهمها إلى العقل. ولاشك فى أن محمد عبده كان أقرب لأهل الرأي، وهو أمر مفهوم فى هذا العصر الذى تغير فيه كل شيء وأصبح فى أشد الحاجة لفكر دينى جديد. وكان يتحفظ فى قبول الأحاديث حتى يتأكد من صحتها، وكان يرى أن يعرض الحديث على القرآن، فإن وافقه كان القرآن هو حجة صدقه، وان خالفه فلا سبيل لتصديقه، وإن خرج عن الحالتين فالمجال فيه لعقل الإنسان مطلق ومفتوح.

ونحن نعرف مع هذا أن محمد عبده كان مع المعتزلة فى الاحتكام للعقل والمنطق. وإليه هو وجمال الدين الأفغانى يرجع الفضل فى إحياء هذه الحركة العقلانية التى تعرضت للاضطهاد وأصبحت مجهولة فى القرون الماضية حتى أعاد الرجلان لها الحياة فى هذا العصر وإن لم يتفق محمد عبده مع المعتزلة فى كلامهم عن خلق القرآن

> > >
فإذا عدنا إلى محمد رشيد رضا فسوف نجد أنه كان أقرب لأهل الحديث وخاصة فى بداياته، فقد تتلمذ على يد حسين الجسر الذى كان فى كثير من مواقفه محافظا يدافع عن الفكر الإسلامى الموروث ويرى أنه صالح لكل العصور، وأنه لا مجال لاجتهاد جديد فقد أقفل باب الاجتهاد فى نهاية القرن الثالث الهجري. أما العقل فوظيفته هى تفسير النصوص التى يرى الجسر أن تفسر حرفيا بشرط أن يتفق هذا التفسير مع العقل.

ويبدو أن رشيد رضا قد ضاق فى شبابه الباكر بهذا الفكر التقليدى فلجأ إلى التصوف والتحق بالطريقة النقشبندية، لكنه لم يجد فى التصوف ما يطمئنه فعاد سريعا ليقترب من أهل الحديث عامة ومن الحنابلة خاصة فتأثر بتعاليم ابن تيمية، وتعاطف مع الوهابيين وأيدهم حين دخلوا الحجاز.

ومن المنطقى أن يكون موقف رشيد رضا من القضايا والأحداث السياسية التى عاصرها فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين مختلفا إلى حد ما عن موقف محمد عبده.

محمد عبده كان مع الدولة الوطنية والجامعة الإسلامية فى وقت واحد معا. فالدولة الوطنية هى التعبير عن الرابطة العميقة التى تجمع بين من عاشوا حياة مشتركة وشكلوا جماعة واحدة فى بلد واحد امتد فيه تاريخهم وتحققت مصالحهم وتبلورت شخصيتهم وعرفوا ما لهم فيه من حقوق وما عليهم من واجبات. أما الجامعة الإسلامية فهى رابطة روحية تضم المسلمين الذين كانوا يتعرضون فى هذا العصر للاستعمار الغربى فهم يحتاجون للوقوف فى وجهه جماعة متضامنة.

ونحن نعرف الدور القيادى الذى أداه محمد عبده فى الثورة العرابية التى كانت تعبيرا عن يقظة وطنية تمثلت فى طلب الاستقلال والديمقراطية. ونعرف نفيه الصريح القاطع لوجود أى سلطة دينية فى الإسلام، فالسلطة مدنية، والمواطنون كلهم سواء ولا يتميز فيهم عنصر عن عنصر ولادين عن دين.

أما رشيد رضا الذى نشأ فى بلاد الشام حيث كان الانتماء للطائقة الدينية سائدا فقد دافع عن السلطة العثمانية حين سقطت ودعا «لاحياء منصب الخلافة بقدر ما تستطيعه قوى الإسلام فى هذا الزمان» ونحن نقرأ فى كتاب محمد عمارة فى الأستاذ الإمام أن رشيد رضا عندما أراد أن يصدر «المنار» كتب أهدافها كما رآها ومن بينها هدف خاص بالإمامة أى بالخلافة يتحدث فيه عن »ضرورة أن تنهض «المنار» بمهمة تعريف الأمة بحقوق الإمام، أى الخليفة، والإمام بحقوق الأمة» وعرض هذه الأهداف على الإمام محمد عبده الذى حذف هذا الهدف وقال لرشيد رضا «إن المسلمين ليس لهم اليوم إمام إلا القرآن، وإن الكلام فى الإمامة مثار فتنة يخشى ضرره ولا يرجى نفعه».

لكن هذه الخلافات لا تنال من متانة العلاقة التى ربطت بين رشيد رضا وأستاذه، فهى ليست أكثر من اجتهادات يختلف فيها الإنسان مع نفسه كما يختلف مع غيره، ونحن ننظر فى سيرة الأستاذ الإمام فنرى له فى بعض المسائل، خاصة فى السياسة أكثر من موقف.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

محمد عبده .. العقل والدين

خلال الأسابيع الماضية وأنا أتحدث عن البيان الصادر عن الأزهر في ختام المؤتمر الذي عقده للنظر في تجديد الفكر الإسلامي، كنت أراجع ما لدي مما كتبه الإمام محمد عبده، ومما كتب عنه فوجدت أن كثيرًا مما قاله بيان الأزهر الذي صدر منذ شهرين سبق إليه الأستاذ الإمام قبل أكثر من مائة وعشرين عامًا.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]