التشكيلي محمد عرابي: كورونا دفعتني للبحث في ماهية الأرض والجذور | صور

26-5-2020 | 16:56

محمد عرابى مع أحد أعماله

 

سماح عبد السلام

يكمن داخل كل مبدع نشأ في صعيد مصر أو الدلتا جزءًا خفيًا، كثيراً ما يدفعه مع التقدم في العمر وبعد رحلة شاقة في العمل والحياة إلى العودة إلى المنشأ والجذور، والابتعاد نوعاً ما عن صخب الحياة وإشكالياتها العملية والعلمية، وهو ما حدث للدكتور محمد عرابي  العميد الأسبق لكلية الفنون الجمية بالأقصر.


حول نشاطه الفني ورؤيته كمبدع لجائحة كورونا تحدث د.عرابي لـ"بوابة الأهرام" وقال: إنه يرى نفسه محظوظا بانتقاله للعيش في مدينة طيبة الجديدة منذ ديسمبر 2019، خاصة في زمن الكورونا ، فلم يكن انتقاله سهلًا لكنه اعتبره من أهم القرارات الصائبة في حياته، فقد استطاع أن ينتبه لحياة كانت غائبة أو ربما تكون هي المنشودة، بحسب تعبيره، كونها الأنسب لإتاحة مساحة مناسبة للتحرر من قيد العشوائية إلا قليلا.

أحد اعمال محمد عرابى



ويقول عرابي: "كنت متفائلًا؛ لا لشيء سوى أنني بدأت أحيا مع الأرض وأتلمس طينها وأستعيد ادراك باطنها، روحها، أعود لطفولتي وزمن الفلاحة: ازرع بذرة وانتظر بشغف شديد لحركة الولادة ( الأنبات وتطوراتها)، ازرع شجرة التوت، المانجو وشجيرات عطرية انتظر اشتداد العود بين فرحة الإنجاز وقلق وخوف من الإخفاق، أريد صياغة بيتًا أمد بعض الجذور في الأرض أوتادا لأحفادي".

أحد اعمال محمد عرابى


ويبدو أن تلك الحياة على هدوئها كان لها مردودوها على الفنان مع تدافع وصخب الأخبار عن جائحة الكورونا ، فيحكى عرابي أنه أثناء إعادة تجهيز تربة حديقته بمدها بقدر من الطمي، كانت التربة القادمة من الوادي غنية بجذور القصب، أدرك هذا يومًا ما كان متخمًا بهواجس متأثرة بما تطرحه جائحة كورونا من أسئلة عن إنجازات البشرية الأخلاقية والعلمية والسباق محموم بين من سيفوز بكعكة الدواء، وأسئلة أخرى حول عجز البشرية على مواجهة الفيروس، فلفت انتباهه ازدحام التربة بجذور القصب وهو ما أزعجه، وعندما طلب من أحد العمال تنظيفها فقال له: إذا نالت الجذور قدراً من الماء ستنهض وتنمو ومن هنا ذهب التفكير والوجدان لإدراك ماهية مفردة الجذور وعلاقتها بالأرض والخصوبة والأصالة والتجدد والنمو والموت والتحلل، ويؤكد الفنان أنه على الرغم من بساطة هذا الملمح إلا أنه يحمل صيرورة الحياة بكل أعماقها.

أحد اعمال محمد عرابى

ويقول عرابي: "يأتي جذر القصب الموضوع المادي الذي أراه أمامي الآن وكأن الأرض أرسلته في لحظة مهمة ربما لن تتكرر في حياتي بسياقها هذا ثانية فى زمن الكورونا ، والحظر، والتباعد الجسدي، والاجتماعي، والغربة، لا أريد أن أذكر الموت لأنه يكاد يختفي كحقيقة موضوعية، رغم محاصرته لنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن تأثيره المروع في خضم التفكير في ماهية الحياة وإعادة تدويرها يكاد يختفي".

ويستغل عميد الفنون الجميلة، في تأمل ما وهبته الأرض من منحوتات غاية في الإثارة الفنية والجدانية، وتشكيلات عضوية مدهشة تنتظم في تنوع مثالي مثير للعين بين الكتلة والخطوط وملامس أسطحها العتيقة ولونها الطيني وتفاعل كل هذا مع سياقه البصري الجديد غازي المادة، الفراغ الممتلء بمادة الهواء، وتأثيرات الضوء، وكأنه مرادف تشكيلي للتنوع الكوني، ويرى عرابي أن هنا كانت البداية في تشيئ روح الأرض التي أخذته من متاهة الوجدانية إلى حابي ذلك الذي يهبنا الحياة، والذي هو مصري المنبع والمصب بحكم قوة تفاعل المصري معه وصياغة فجر الضمير على ضفتي ذلك المقدس واهب الحياة.

ويعتبر الدكتور عرابي، أن العودة إلى روح الأرض والجذور هى منجز العزلة في زمن الكورونا ، إجابة لتلك التساؤلات التى طرحها، ودعوة لتغيير البوصلة وإعادة ترتيب وصياغة الصور لتصبح اكثر إنسانية، ويقول: "لست من هواة الاستسهال أو اقتناص الحدث ومن ثم أسارع بسذاجة لرسم الظاهر منه دون استيعاب مضمونه وأثره العميق، ولكنى أحاول راهناً استيعاب الحدث وعمق تأثيره في صياغة حركة الحياة والتجربة في طريقها لاكتمال المشروع تحت التنفيذ في إطار جماليات الوسائط المتعدد بكل إمكانيتها لإخراج عمل فنى عن روح الارض".

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]